القمار الإلكتروني شبح يحول الأبناء إلى لصوص

جاذبية شاشات الهواتف النقالة والألواح الرقمية، حوّلت وجهة الصبية إلى إدمان القمار الإلكتروني، والوقوع في هذا الفخ يعني انشغال (المدمن) بتوفير أموال تعينه على الاستمرار، فلا يتوانى عن بيع ممتلكاته الشخصية أو الاقتراض، ويصل الأمر أحيانا إلى السرقة.
الاثنين 2018/02/26
الأطفال هم الأكثر وقوعا في فخ القمار الإلكتروني

القاهرة - ينصبّ تركيز الأهالي على مراقبة ألعاب أبنائهم على الإنترنت، لحمايتهم فقط من المحتوى الجنسي أو العنف، فضلا عن مشاحنات يومية بغرض استثمار الوقت الذي يضيّعونه أمام الشاشات في عمل مفيد، بدلا من وقوعهم أسرى للألعاب الإلكترونية ومواقع التواصل، وقبل تحقيق تلك المعادلة الصعبة، خرج من تلك الشاشات شبح جديد اسمه القمار الإلكتروني.

وجد هذا الشبح في مصر بيئة جيدة للازدهار، بفضل مراكز الإنترنت المنتشرة بكثرة، في المناطق الراقية والشعبية، ويقضي فيها المراهقون معظم أوقاتهم، لأن محاولات الأهالي في المنع باءت بالفشل، وأمام إغراءات المال انجرف مرتادو هذه المراكز إلى دوامة المقامرة.

استشرى هذا الفيروس في عدة دول عربية أخرى، وبات يشكّل خطرا كبيرا على الشباب، ووقوعهم فريسة لخداع أصحاب تلك الصالات، ممن يحاولون تقديم كافة الإغراءات للمقامرين الجدد، عن طريق مكافآت وهدايا تقدّم لأول مرة فقط، بعدها تنزلق قدما اللاعب إلى الهاوية.

تتشابه قواعد القمار الإلكتروني تمامًا مع القمار العادي الذي يمارسه مرتادو صالات اللعب بالفنادق الكبرى، وتتشابه مسميات الألعاب مثل، البوكر والروليت والبلاك جاك والكينو، وبإدارة محرك البحث “غوغل” ستتدفق العشرات من المواقع الإلكترونية المتخصّصة في القمار وتعرض خدماتها بأشكال ورسومات غرافيكية جذابة.

إذا ما استهوى أحد المواقع الباحث وأراد خوض التجربة، تطلب ذلك إدخال بريده الإلكتروني وكلمة السر الخاصة به، لإنشاء حساب شخصي له، ثم تبدأ عملية اختيار نوع القمار الذي يودّ أن يلعبه، منصاعا للشروط الإجرائية التي تعرض أمامه على الشاشة منها، تحديد قيمة الإيداع الأولي.

ويتمّ تقسيم الزبائن إلى شرائح ويختلف كذلك الحد الأدنى لمبلغ الإيداع من موقع لآخر، والمهم ألاّ يقل هذا المبلغ عن ألف دولار، ويصل في بعض المواقع إلى عشرة آلاف دولار، وتوجد مواقع باللغة العربية وأخرى بالإنكليزية، وتقدّم الأخيرة قسما خاصا للاعبين العرب، لمعايشة الواقع، وتطلق هذه المواقع على نفسها أسماء لكازينوهات القمار الشهيرة، وخصوصا تلك التي في ولاية لاس فيغاس الأميركية، التي يتردد عليها عاشقو ألعاب القمار في العالم.

 للتعرّف على تجربة واقعية، حاولت “العرب” التواصل مع أحد مالكي مراكز الإنترنت التي تتيح القمار الإلكتروني، إلا أن هذا التواصل كان مشروطا من صاحبه بعدم ذكر الاسم أو التصوير، وكانت المفاجأة في قدرة هذا الشخص على وضع مبررات كافية لما يفعله.

الخطأ الأكبر الذي يقع فيه الأهالي هو توفير بطاقة ائتمان للصبية، لأنها تجعلهم ضعفاء أمام خوض المغامرة

قال إن القمار الإلكتروني ليس كالقمار العادي والذي وصفه بالحرام، واعتبره كسب المال دون وجه حق، وأشار إلى أن بعض الأماكن تتغلب على ذلك بشراء عملائها لنقاط افتراضية، وفي حال الخسارة يتم الخصم من هذه النقاط، وعند الفوز يكون المكسب هدية عينية.

لفت إلى طريقة اللعب، وفيها يتم اختيار منضدة من خلال موقع القمار، ويتواجد جميع اللاعبين بالمركز ويمكن أن يكونوا مجموعة من الأصدقاء، بعدها يتم اختيار نوع اللعبة كالروليت أو البوكر أو غيرهما من الألعاب.

بالتجوّل في الموقع سنجد منضدة القمار إما خاوية وإما ينقصها لاعب مثلًا، وقتها يقوم هو بالدفع بأحد زبائنه للعب، ويكون حريصا على المكسب، ويتحصل على أمواله مقدّما من اللاعبين، بحسب الوقت الذي سيقضونه أو جولات اللعب.

في عالمنا العربي ومع اختلاف الثقافات، تعدّ مثل هذه الممارسات كوارث حقيقية بالنسبة إلى معظم الأسر، خصوصا إذا ظهرت على الأبناء علامات التغيير، لا يمكن لمدمن القمار إخفاؤها، فقد تجبره على أفعال سيئة، مثل بيع الممتلكات الشخصية أو الاقتراض، وهو ما كشفه أحد الصبية ممن جذبهم القمار إلى ملذاته.

يقول علي مصطفي لـ”العرب”، إن تجربته مع القمار لم تتجاوز العام، فقد خلالها أشياء كثيرة مثل ساعة يده وجهاز “آي باد”، ووصل الأمر إلى سرقة مقتنيات ثمينة من والدته.

وأوضح الصبي صاحب الـ14 عاما، أنه تعرّف على القمار الإلكتروني عن طريق أحد أصدقائه، دلّه على أحد مراكز الإنترنت “سايبر”، التي توفر المقامرة مقابل ثلاثة دولارات للساعة الواحدة، ويسهّل مالك المركز دخول اللاعبين إلى المواقع عبر بطاقته الائتمان الخاصة، في حالة عدم توافرها معهم.

التربح في كل الحالات هو ما يجنيه صاحب المركز، لأنه في حالة الخسارة يقوم اللاعبون أنفسهم بدفع ما تمّ خصمه من البطاقة، أما في حالة الفوز فإنه يحصل على نسبة 80 بالمئة من قيمة المكسب.

وأكد مصطفى، أن الأمر يتحوّل إلى إدمان بسبب الإصرار على المكسب، دون أن يفكر في طريقة توفير مبالغ اللعب. كانت إحدى هذه الطرق سببا في كشف أمره أمام والدته، عندما أخبرها صديق له بأنه اقترض منه مبلغا من المال، وأمام ذلك اضطرّت الأم إلى عقابه بالحرمان من مصروفه الشخصي لمدة ستة أشهر، وحرمانه من الهاتف المحمول.

الخطأ الأكبر الذي يقع فيه الأهالي هو توفير بطاقة ائتمانية للصبية، لأنهم لم يحسنوا استغلالها وتجعلهم ضعفاء أمام خوض المغامرة، وهو ما شكت منه
سناء محمود (ربة منزل)، وقالت لـ”العرب”، إن ابنها البالغ من العمر 12 عاما، لديه بطاقة ائتمانية للإنترنت استصدرها له والده من أحد البنوك، بغرض استخدامها في أي ظروف طارئة.

وشعرت بالندم بعد أن استغل ابنها البطاقة في لعب القمار، واكتشفت الأسرة ذلك بتقلص المبلغ الذي أودعوه له عبر هذا الحساب الخاص به، وتمّ سحب البطاقة منه.

تتوافر مراكز خدمات الإنترنت بكثرة في مصر لدرجة أنها وصلت إلى القرى الريفية، ووفقا لصاحب أحد هذه المراكز، فإن الصبية الصغار يلجأون إليها لعدم امتلاكهم بطاقات ائتمانية، أما الشباب يلعبون عبر هواتفهم المحمولة.

وقال مجدي ألفونس لـ”العرب”، إن مراكز الإنترنت في مصر تقام دون تراخيص، لذلك تفتقد الرقابة على تلك الألعاب التي يلعبها أطفال دون السن القانونية.

ولا تخضع مراكز الإنترنت في مصر للمراقبة من قبل السلطات المختصّة، وبالتالي فإن صالات القمار الافتراضية “تعمل في الظلام”، وهنا يشير خبير الإنترنت المصري وليد حجاج، إلى أن الصغار والمراهقين يلجأون إلى مراكز الإنترنت للعب القمار بها هربا من قيود المنزل، ما يجعلهم عرضة للنصب والخداع.

وأوضح أن هؤلاء هم الأكثر وقوعًا في فخ القمار الإلكتروني، كما أن صالات القمار الافتراضية تستغل صغر سنّهم وتتقاضى منهم أموالًا قبل اللعب ويحصلون منهم على نسبة كبيرة في حالة المكسب، وشدد حجاج على أهمية مراقبة مثل هذه المراكز حتى لا تستقطب المراهقين لمثل هذا الخطأ.

21