القمة الإسلامية: الأتراك يواجهون وضوح الدبلوماسية العربية بمواقف غامضة

أكد المراقبون أنه ما لم يغير الرئيس التركي من سياسته الخارجية وأسلوبه في التواصل مع الأزمات الإقليمية، فإن البيانات والتصريحات التي رددها أردوغان ورجاله خلال الدورة الـ13 لقمة منظمة التعاون الإسلامي، في مدينة إسطنبول التركية، تحت شعار “الوحدة والتضامن من أجل العدالة والسلام”، لن يكون لها أي تأثير ولن تنج تركيا في الانضمام إلى الصف السعودي الذي يقود دبلوماسية الشرق الأوسط بكامله في هذه الفترة، من خلال تسويات داخلية مع دول المنطقة.
الجمعة 2016/04/15
في قمة التعاون الإسلامي.. حضر المسلمون وغاب التعاون

إسطنبول - خلال استقباله للعاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان «إن السعودية صمام أمان المنطقة»، بعدها بيومين انطلقت أشغال القمة الـ13 لمنظمة التعاون الإسلامي، في العاصمة التاريخية إسطنبول، وشعارها “الوحدة والتضامن من أجل العدالة والسلام”.

لا شكّ في أن الحدث كان كبيرا بحجمه ودلالاته وأبعاده، لكن لا يتوقّع الخبراء أن يكون كبيرا على مستوى تطلّعاته ومخرجاته، فرغم أن القمة ترفع شعار الوحدة والتضامن إلا أنها توصف من قبل الخبراء بأنها قمّة التناقضات، التي تبدأ من البلد المضيف، تركيا، وصولا إلى الاختلاف في وجهات نظر الدول المشاركة في الملفات والقضايات المطروحة.

ولم تقلل تصريحات المسؤولين الأتراك من هذه الشكوك، فالديباجة التي وشّح بها وزير الخارجية التركي أحمد داودأوغلو كلمته خلال مأدبة غداء، أقيمت على شرف المشاركين في اجتماعات القمة، لم تكن أكثر من تصريح دبلوماسي لا يبدو أنه أقنع حتى المتحدّث به، الذي قال “من واجبنا ترك تطلعاتنا السياسية المختلفة جانبا، والسعي لرفع مستوى علاقاتنا السياسية إلى أعلى مستوى، والعمل على حل كافة المشاكل التي يعاني منها العالم الإسلامي بنضج”. ليس معنى هذا أنه لا يمكن تحقيق ما دعا إليه كبير الدبلوماسية التركي، ولكن لأن على تركيا أن تكون أول العاملين بهذه النصيحة، وأيضا أول المنفّذين لما جاء في كلمة رئيسها رجب طيب أردوغان، الذي قال”علينا أن نتجنب الخلافات والخصومات”.

وتتفرد القمة، التي تنعقد على مرمى حجر من مقام الباب العالي الذي ظلّ سلاطينه لقرون طويلة يقودون البلاد العربية ومعظم العالم الإسلامي تحت لواء دولة الخلافة العثمانية، وعمل رجب طيب أردوغان جاهدا على إعادة أمجادها، خلال السنوات الماضية، بأحداث تقع “لأول مرة”، من بينها أنها القمة الإسلامية الأولى التي تستضيفها تركيا منذ أن عُقدت الأولى في الرباط عام 1969 وأول قمة تجمع بين العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس الإيراني حسن روحاني.

ينتظر أن تكون القمة الإسلامية مناسبة جديدة لإدانة سلوك إيران والميليشيات الحليفة وتدخلاتهما في دول الجوار

لكن، وكما أكّد مراقبون لن يكون هذا الحدث متكاملا إلا في حالة توضيح أنقرة لمواقفها إزاء قضايا المنطقة الراهنة. وأكدت الرئاسة التركية في بيان صدر في وقت سابق أنها ستبذل خلال فترة توليها رئاسة منظمة التعاون الإسلامي، وفي قمة إسطنبول، جهودا لإيجاد حلول للمشاكل الداخلية والخارجية التي يواجهها العالم الإسلامي وتعزيز العلاقات بين الدول الأعضاء في منظمة التعاون. لكن مراقبين قالوا إن العلاقات بين الدول العربية المركزية وتركيا لن تتحسن، ما لم يغير الرئيس التركي من أسلوبه في إدارة الأزمات مع الخارج.

تحديد المواقف

يدعو خبراء أتراك أنقرة إلى إعادة النظر في سياستها لتجنّب العزلة، حيث يرى الباحث التركي عمر تاسبينار، مدير المشروع التركي في مؤسسة بروكنغز بواشنطن، أن على تركيا أن تتبنى رؤيا أكثر واقعية لتوازن القوى المستجد في المنطقة، وهذا يتطلب توازنا أفضل بين التوجهات الأردوغانية (العثمانية) والتوجهات الكمالية في السياسة الخارجية التركية عبر التركيز على المصالح والأهداف الوطنية. وأمام إخفاق الاخوان المسلمين والحرب في سوريا، آن الأوان لحزب العدالة والتنمية لكي يتخلى عن رؤيته المغرقة في المثالية لمصلحة مقاربة أكثر واقعية.

وبعد أن تمكنت المملكة العربية السعودية ودول الخليج ومصر من الوصول إلى شكل تنسيقي منظم في الأيام الأخيرة فإن مراجعة أنقرة لمناوراتها أصبحت ضرورة. ويؤكّد الخبراء أن الجهود العربية الأخيرة التي تقودها المملكة العربية السعودية من شأنها أن تدفع الأتراك إلى مراجعة الكيفية التي يتعاطون بها مع الملفات الساخنة في المنطقة وعلى رأسها: توضيح العلاقات مع إيران والمسألتان السورية والعراقية، والموقف من التطورات في ليبيا، والموقف من جماعة الإخوان المسلمين والنظام المصري.

مواقف غامضة لتركيا من ملفات كثيرة

وتحضر إيران القمة الإسلامية، بعد أقل من 3 أشهر من إدانة منظمة التعاون الإسلامي، لما تقوم به إيران وتدخلاتها فبعض دول المنطقة في عزلة حقيقة عن محيطها، ومن المؤكد أن هذه العزلة ستلقي بظلالها على تركيا المطالبة اليوم أكثر من أي وقت بتحديد موقفها وفي أي صف تريد أن تقف، فالصورة باتت واضحة، ومن يقف في الطرف السعودي لا يمكن أن يقف في نفس الوقت في الجهة الإيرانية. وينتظر أن تكون القمة الإسلامية مناسبة جديدة لإدانة سلوك إيران وتدخلاتهما الإجرامية في دول الجوار العربي، بشكل بات يهدد الأمن القومي العربي على نحو خطر وغير مسبوق.

وذكرت مصادر رفيعة المستوى مشاركة في اجتماعات القمة أن مشروع البيان الختامي للقمة الإسلامية في تركيا يتضمن بندا يدين حادثة الاقتحام التي تعرضت لها البعثات الدبلوماسية السعودية في إيران، ويعتبرها انتهاكا صارخا وفاضحا للمواثيق والأعراف والقوانين الدولية بما فيها اتفاقية جنيف. ويطالب مشروع البيان النظام الإيراني بوقف تدخلاته في الشؤون الداخلية للدول الخليجية والعربية. وأوضحت المصادر أن هذا البند حظي بإجماع الدول الإسلامية باستثناء إيران.

وحسب المصادر نفسها فإن مشروع البيان الختامي للقمة يتضمن كذلك بندا يندد بالأعمال الإرهابية التي يرتكبها حزب الله.

موقف تركيا من العراق واليمن

الغموض الذي لا تزال تركيا تحتفظ به حول ملف العراق، والذي لا يعني سوى محاولاتها تأبيد الواقع كما هو خاصة في شمال البلاد، يعد عائقا أمام التسويات الشاملة التي تريد بعض القوى الإقليمية الوصول إليها في العراق، خاصة في ما يتعلق بالأكراد.

ومن ناحية أخرى، فإن الموقف التركي من الأزمة في سوريا يعتبر أيضا محل خلاف. إذ في الحين الذي لم ترفض فيه الرياض العلميات الروسية في سوريا والتي من شأنها أن تحجم قوة تنظيم الدولة الإسلامية في البلاد، إلا أن الأتراك لم يخفوا انزعاجهم من التدخل الروسي وبوضوح.

وهذا ما جعل الرأي العام العربي والدولي يزيد من احتمالات تورط الأتراك في دعم داعش في سوريا (وربما العراق أيضا) في الحين الذي تسعى فيه القوى العربية إلى محاربة التنظيم الإرهابي بجدية. وعلى الأتراك أيضا مراجعة طريقة تعاطيهم مع الملف السوري بشكل جذري ليتمكن الطرف العربي بقيادة السعودية من التعامل معها في سياق انتقال سلمي للسلطة في البلاد.

ربما للملفين العراقي والسوري أولوية لدى المملكة العربية السعودية في هذا التوقيت، لكن الملف الأهم هو موقف الأتراك من عاصفة الحزم، الحرب التي جعلت من القوى العالمية تقتنع أن للعرب قوة ردع ناجعة.

فاكتفاء أردوغان بالإشادة بعاصفة الحزم دون المشاركة فيها يزيد من الغموض حول مواقفه الخارجية التي لا تزال خيوط تربطها بإيران، وقد يكون غياب أردوغان في عاصفة الحزم مناورة لإبقاء الخيط الرابط مع إيران غير منقطع. فمباركته للعملية الخليجية في اليمن ليست سوى تمسكا بـ”سنية” العملية لا أكثر، لأن المنطق الذي يفكر به أردوغان لم يخرج بعد من إبراء الذمة والكيل بسياسة المكيالين.

ولن يفوت الدول العربية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية مثل هذا الفهم، ولذلك فإن القراءات لزيارة الملك سلمان بن عبدالعزيز إلى مصر ثم تركيا، وحضوره القمة الإسلامية، تقول إن الاتجاه الأساسي يكمن في دفع تركيا، التي تطبّع العلاقات مع إسرائيل وفي نفس الوقت تروج لنفسها كمدافع عن القضية الفلسطينية، إلى توضيح وضعيتها بدقة، وتحول شعارات القمة الإسلامية إلى سياسات ملموسة وواضحة ومحددة الصف.

7