القمة الخليجية الأميركية: الاستعداد لحقبة التعايش مع الخلاف

مثلما كانت أول زيارة للرئيس الأميركي باراك أوباما إلى منطقة الخليج العربي استثنائية، تأتي زيارته الأخير حاملة بدورها استثناءات واختلافات كثيرة صاغتها السياسة التي اعتمدتها واشنطن خلال الولاية الثانية لأوباما وتسببت في خلق محطات تباين عدة بين الرياض وواشنطن بدءا من امتناع أوباما في اللحظة الأخيرة في صيف العام 2013 عن توجيه ضربة عسكرية لنظام الرئيس بشار الأسد، وصولا إلى الاتفاق مع إيران التي تحيك المؤامرات في المنطقة، مرورا بالفوضى التي أحدثها الربيع العربي. لكن يقول خبراء إن هذه الأحداث والمواقف كان لها جانب إيجابي كبير، لم تتوقعه حتى الإدارة الأميركية، التي شكّلت سياستها الأخيرة منعرجا تاريخيا غيّر المنطقة وغيّر النظرة إلى دول الخليج أيضا وطريقة التعاطي وفق مبدأ قوامه علاقات أساسها الندية.
الجمعة 2016/04/22
الخروج من هنا!

الرياض - يجمع مراقبون على هامش القمة الخليجية الأميركية على أن اهتزاز العلاقة بين واشنطن ودول الخليج بات متأصلا وليس عرضيا يزول برحيل الرئيس الأميركي باراك أوباما.

ويرى متابعون للشؤون الأميركية الخليجية أن الظروف الأميركية الداخلية كما الظروف الإقليمية المحيطة بمنطقة دول مجلس التعاون الخليجي قد تغيّرت على النحو الذي يبدّل من شكل العلاقة الكلاسيكي مع واشنطن.

وتتفهم أوساط دبلوماسية أميركية الغضب الخليجي من أداء إدارة أوباما كما من تصريحاته التي نقلها الصحافي الأميركي جيفري غولدبيرغ في صحيفة “ذا أتلانتيك” مؤخرا. لكن هذه الأوساط تلفت إلى أن الرئيس الأميركي كان منسجما مع خطابه حين كان مرشحا للرئاسة للولاية الأولى، وأن دول الخليج كانت على اطلاع على ذلك، لكنها كانت تعتبر أن الكلام النظري للمرشح ستغيره الوقائع التي تفرض على الرئيس.

ويرى باحث متخصص في شؤون المجتمع الأميركي أن صدمة اعتداءات 11 سبتمبر وحربيّ أفغانستان والعراق غيّرت الأميركيين وغيّرت الولايات المتحدة، وأن باراك أوباما جاء ليعبّر عن تلك اللحظة وهذا التغيير.

ويقول الباحث إن انتخاب أول رئيس أسمر على رأس الولايات المتحدة لم يكن نزوة أو حادثة تاريخية، بل كان تعبيرا عن تطور داخل البنية المجتمعية الأميركية ثبت من خلال إعادة انتخاب أوباما لولاية ثانية.

ويلاحظ المراقبون للشؤون الأميركية أن قرارات أباوما لجهة الامتناع عن أي تورّط عسكري أميركي مباشر خارج البلاد لا يعود فقط إلى نهج الرئيس، بل إن كافة المؤسسات العسكرية والأمنية كانت داعمة لخيارات سيّد البيت الأبيض ولم تسجل أي اعتراضات تذكر، إلا تلك التصريحات والمواقف السياسية التي يطلقها الخصوم الجمهوريون في معرض السجال التقليدي بين الحزبين.

القمة الأخيرة التي عقدت في الرياض، وجمعت قادة الدول الخليجية بباراك أوباما كشفت بالفعل أن خيارات البيت الأبيض في الابتعاد عن إعادة تكثيف التواجد الأميركي في مناطق الحروب تعد خيارات مزاجية وظرفية وليست استراتيجية.

رد الفعل الخليجي كان مفاجئا للإدارة الأميركية التي تعتقد أن ديمومة العلاقات مع الخليجيين لن تتأثر بمقاربة جديدة إزاء طهران

فقد وافق الرئيس أوباما قبيل القدوم إلى الرياض على زيادة عدد الجنود الأميركيين في العراق بـ217 جنديا إضافيا وهو مؤشر على أن العراق يعد نقطة الارتكاز الرئيسية في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، إذ يعد العراق بوابة حل الإشكالات في كل من سوريا ولبنان وحتى اليمن، وذلك بمجرد إخراجه من دائرة الهيمنة الإيرانية.

وفي السياق، تؤكد التصريحات أن الرئيس الأميركي بعث بإشارة العراق قبل القدوم إلى الخليج بثلاثة أيام، الأمر الذي تلقته دول مجلس التعاون بشيء من الاستغراب خاصة في سياق “انعدام الثقة تماما بين دول المجلس وأميركا خاصة بعد الاتفاق النووي بين إيران والقوى الغربية”، حسب تصريح مصطفى العاني المحلل الأمني في مركز الخليج للأبحاث.

وطلب وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر من دول الخليج المساعدة في إعادة إعمار مدينتي الرمادي وهيت وكذلك محافظة الأنبار والمناطق التي تم فيها تحقيق النصر على مسلحي الدولة الإسلامية، والتي تعاني من حالة من الفوضى العارمة.

وقال كارتر “إن مساعدة المواطنين العراقيين على العودة إلى ديارهم وإعادة بناء حياتهم من شأنها أن تؤدي إلى نصر أكثر استدامة وتعزيز الحكومة بشكل عام”.

لكن ما غاب عن ذهن كارتر في هذا السياق هو أن جذور أزمة الثقة بين الخليج العربي والولايات المتحدة تعود إلى غزو العراق سنة 2003، عندما سلم الأميركيون العراق لإيران، ومكّنوها بذلك من البوابة التي تهدد أمن الإقليم برمته، وكل ما تقوم به الدول الخليجية وعلى رأسها السعودية الآن هو مقاومة ذلك التمدد الذي سببته السياسة الأميركية في المنطقة.

وتعترف دوائر أميركية بأن إدارة أوباما بحثت عن إنجاز مع إيران دون مراعاة لحساسية ذلك مع حلفاء تاريخيين واستراتيجيين في منطقة الخليج.

وترى بعض الأوساط الأميركية أن ردّ الفعل الخليجي كان مفاجئا للإدارة الأميركية التي كانت تعتقد أن ديمومة العلاقات مع الخليجيين واستقرارها لن يتأثرا بمقاربة جديدة تقوم بها واشنطن إزاء طهران.

وتؤكد هذه الأوساط أن أوباما وفريقه لم يدركا أن الاتفاق مع إيران يمثّل خطرا على أمن الخليج، لا بل إن خلفية ذلك الفريق كان يعتبر أن نزع الفتيل النووي الإيراني سيكون عامل اطمئنان للخليجيين.

وتعتبر أوساط خليجية أن مشكلة الإدارة الأميركية تكمن في أنها كانت تقارب الملف الإيراني بعين إسرائيلية، وأن تجميد البرنامج النووي هو بالأساس مطلب إسرائيلي وليس عربيا.

ويرى أحد خبراء السياسة الخليجية أن العرب القلقين من امتلاك إسرائيل للسلاح النووي لم يكونوا ليعترضوا على البرنامج النووي الإيراني لو أن النظام الإيراني لا يتبنى خططا استراتيجية لتقويض النظام السياسي العربي في المنطقة، وأن العرب لا يخيفهم السلاح النووي الذي لم يستخدم أبدا منذ هيروشيما وناكازاكي بقدر ما يقلقهم التدخل الإيراني في العالم العربي وسعيها للهيمنة، على ما يفصح عنه التصريح الشهير الصادر عن أكثر من مسؤول إيراني، قبل أشهر، والذي تحدّث عن “أمبراطورية إيرانية عاصمتها بغداد” وعن سيطرة إيران على أربع عواصم عربية.

الأمير تركي الفيصل: الأيام الخوالي مع واشنطن انتهت
واشنطن - أكّد الأمير تركي الفيصل، رئيس الاستخبارات السعودية السابق، أن “الأيام الخوالي” بين الرياض وواشنطن انتهت إلى غير رجعة و”يجب أن يعاد تقييم العلاقة بين البلدين”.

وأقرّ الأمير تركي الفيصل، في مقابلة مع شبكة “سي أن أن” تأتي في سياق متابعة زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى المملكة العربية السعودية، بأن “أميركا تغيّرت بمقدار ما تغيرنا نحن هنا، وهناك جانب إيجابي في تصرفات الرئيس أوباما وتصريحاته هو أنها أيقظت الجميع على أن هناك تغييرا في أميركا وأن علينا أن نتعامل مع هذا التغيير”.

وقال “إلى أي مدى يمكننا أن نذهب في اعتمادنا على الولايات المتحدة؟ وكم يمكننا أن نعتمد على ثبات توجهات القيادة الأميركية؟ وما الذي يمكن أن يجعل مصالحنا المشتركة تلتقي معا؟ هذه أمور علينا أن نعيد تقييمها”.

وقال الأمير تركي، الذي شغل في السابق منصب سفير بلاده في واشنطن، “لا أعتقد أنه علينا أن نتوقع من أي رئيس أميركي جديد العودة، كما قلت، إلى الأيام الخوالي حين كانت الأمور مختلفة”.

داعش قضية عربية

يرى متابعون للقمة الخليجية الأميركية الحالية أن تكرار واشنطن للخليجيين والعرب أن الأولوية الأميركية هي محاربة تنظيم داعش يغفل أنها أولوية عربية قبل أن تكون أميركية، وأن داعش ينشط في المنطقة العربية ويفتك بأهل المنطقة وأن عمليات داعش التي استهدفت عواصم أوروبية هي من قبيل الأعراض الجانبية لورم خبيث ينمو في قلب المنطقة.

وتضيف المصادر أن الأميركيين لا يريدون النظر إلى مسؤولية التدخل الإيراني في شؤون البلدان العربية في ظهور تنظيم الدولة الإسلامية كما في ظهور تشكيلات متطرّفة أخرى.

وتحمّل مراجع خليجية واشنطن وطهران مسؤولية ما آلت إليه الأمور في العراق. وتذكّر تلك المراجع بأن الولايات المتحدة تواطأت مع إيران لإنتاج نظام سياسي في العراق تهيمن عليه الأحزاب الشيعية المرتبطة بإيران، ما أخلّ بتوازن داخلي وأدى اضطرابه إلى تمدد حالة احتقان سنية شيعية في المنطقة برمتها.

وتؤكد هذه المراجع أن العلّة في محاربة داعش التي تعتبرها واشنطن أولوية هي غياب مقاربة سياسية جدية مواكبة، على ما يفصح عنه الموقف الأميركي أكثر في الملف السوري.

وبعد تراجع التنظيم في بعض مناطق سيطرته خلال الأشهر الماضية لا سيما مدينة الرمادي العراقية، يرغب أوباما في تعزيز الحرب ضد الجهاديين وهو الملف الذي أحرز على مجال واسع في النقاشات أثناء القمة، خصوصا في نقطة محاولة استعادة الموصل في شمال العراق، والتي شكلت سيطرة التنظيم عليها في يونيو 2014، مفتاح تنامي نفوذه.

التعايش مع الخلافات

تستغرب أوساط مواكبة لحركة وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر في المنطقة الاتفاق المعلن عن تسيير دوريات بحرية أميركية خليجية مشتركة لمنع السفن الإيرانية من تهريب السلاح إلى اليمن، ذلك أن هذا الاتفاق يعبّر عن اعتراف أميركي بدور إيران في تسعير النزاع اليمني، في الوقت الذي تتصرف فيه واشنطن مع الأمر، في معرض تطوير علاقتها مع طهران، على أنه عرضي هامشي.

وتستغرب هذه الأوساط من الدعوة التي أطلقها كارتر لدول الخليج للانخراط أكثر في الشأن العراقي وحديثه عن مناطق سنية وجب حمايتها وتنميتها وإعمارها، مذكرة بأن الولايات المتحدة هي التي منعت العرب وخصوصا الخليجيين من لعب أي دور في العراق تاركة احتكار ذلك للجانب الإيراني.

العراق بوابة حل الإشكالات في كل من سوريا ولبنان وحتى اليمن، وذلك بمجرد إخراجه من دائرة الهيمنة الإيرانية

ويرصد متابعون للقمة الخليجية الأميركية أن الطرفين باتا مدركين للتباعد بينهما ويعملان على التعايش مع هذا الواقع. ولئن يعوّل بعض الخليجيين على رحيل أوباما لاستعادة الروح القديمة في العلاقة مع واشنطن، تترسخ قناعات لدى صناع القرار في الخليج بأن العلاقة بشكلها القديم قد ولّت وأن أنماطا جديدة ستنظم العلاقة بين الطرفين.

ويرى خبراء خليجيون أن المجموعة الخليجية قد تجاوزت مسألة الغضب من الموقف الأميركي وباتت تتعامل مع الأمر بثقة أكبر ناتجة عن القدرة الخليجية على الفعل وإقامة استراتيجيات دفاعية بديلة، سواء بالشكل المباشر كما في عاصفة الحزم، أم بالشكل غير المباشر من خلال نسج التحالفات وتوسيع شبكة العلاقات الدولية والحضور النشط في كافة ملفات المنطقة السياسية والأمنية والاقتصادية.

وتلفت مصادر خليجية إلى أن دول مجلس التعاون تقارب التوتر في العلاقة مع واشنطن بحكمة عالية بعيدة عن أي انفعال.

وترى هذه المصادر أن دول مجلس التعاون جدية في التعاون العسكري مع الولايات المتحدة، أولا لأن ذلك التعاون تاريخي لا يمكن التردد فيه بسبب خلافات سياسية، وثانيا لأن كل المنظومة العسكرية الخليجية تعتمد على المنظومة الغربية في مسائل التسليح وأنه من العبث البحث عن بديل عسكري استراتيجي في العالم، على الأقل في الأمد القريب، وثالثا لأن الخلاف الخليجي الأميركي الأساسي يتعلق فقط بالملف الإيراني وتداعياته اليمنية العراقية السورية وأن ذلك الخلاف يزول بمجرد مقاربة واشنطن علاقتها بطهران من زاوية أمن الخليجيين ومصالحهم.

7