القمة العالمية للتسامح في دبي.. التعايش سبيل إلى تغيير المجتمعات

قادة الرأي وصناع القرار يناقشون قضايا التسامح والسلام والتعدد الثقافي بين البشر مع تكريس الإمكانيات والخبرات لإيجاد حلول لإنهاء الانقسامات والتطرف والطائفية.
الجمعة 2018/11/16
سلم وانسجام

تمثل الإمارات أرض تعايش سلمي بين أكثر من 200 جنسية، مما جعلها نموذجا للتسامح وتقبل الآخر دون تفرقة أو تمييز. هذا النموذج تعزز بإحداث مؤسسات وقوانين تكرس المبادئ الإنسانية التي يقوم عليها مجتمع متجانس وسلمي، وهو ما جعل من القمة العالمية للتسامح التي تحتضنها دبي الخميس والجمعة حدثا فريدا باعتبارها تمثل منصة لتبادل الأفكار التي تكرس التسامح ونبذ العنف والتطرف كما تعالج القضايا المختلفة في هذا السياق.

دبي- تعد القمة العالمية للتسامح التي انطلقت في دبي الخميس الحدث الأول من نوعه في العالم مما يجعل منها حدثا مميزا، إذ تشكل رسالة تخاطب إقليمي وعالمي موجهة إلى العالم بكل اختلافاته الذي بات بحاجة إلى بث قيم التسامح.

وتبحث القمة العالمية قضايا التسامح والسلام والتعدد الثقافي بين البشر في كل أنحاء العالم وتكرس إمكانياتها وخبرات المشاركين فيها لإيجاد حلول لإنهاء الانقسامات والتطرف والطائفية وكل أشكال التعصب العرقي والثقافي أو الديني.

ويشارك في القمة العالمية للتسامح أكثر من ألف شخصية من قادة الرأي وصناع القرار وسفراء السلام والتغيير وعلماء الدين ورجاله والمتخصصين في مجالات الفنون والثقافة في حوارات تفاعلية.

وأكد الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة ورئيس مجلس الوزراء في الإمارات، أن بلاده حريصة على تهيئة المناخ الذي تدعم من خلاله كل حوار جاد يسهم في نشر مقومات السلام حول العالم.

وشدد في خطاب ألقاه خلال افتتاح القمة العالمية للتسامح على أن الإمارات تدعم “كل حوار يعين على تعزيز روح المودة والتسامح بين شعوبها ومد المزيد من جسور التواصل من أجل العبور إلى مستقبل يكفل للناس السعادة والاستقرار في إطار من التعايش وتقبّل الآخر وتفهم الاختلاف”.

وقال محمد بن راشد “نعمل على ترسيخ مكانة الإمارات عاصمة للتسامح والتعايش الإيجابي”، مشيرا إلى أن “الإمارات ستظل نموذج الانفتاح على الآخر وتقبّل أفكاره”. وتابع “فالجميع في بلدنا يعيشون ويعملون دون تفريق بين مواطن ومُقيم. فالتسامح لا نعليه شعارا ولكننا نعيشه نهج حياة”، موضحا أن ”التسامح قوة تدفع المجتمع إلى الأمام”. وبيّن “نحن نربي أولادنا على التسامح ونغرس فيهم قيم التعاون واحترام التنوع والاختلاف ليكونوا أقوياء بثقتهم في أنفسهم”.

وتناقش القمة العالمية للتسامح كيف يؤدي التسامح الى إحداث تغيير إيجابي في حياة المجتمعات، إلى جانب الاطلاع على النموذج الإماراتي الذي تمارسه فعلا على أرض الواقع على صعيد كيفية تحويل التسامح إلى نسق حياة وثقافة عامة لها.

ثقافة التسامح

مشهد من احتفالات الهنود بمهرجان ديالي في دبي
مشهد من احتفالات الهنود بمهرجان ديالي في دبي

تنتظم في الإمارات بشكل دائم العديد من الفعاليات والتظاهرات التي تتعلق بالتسامح، حيث شهدت قبل انعقاد القمة العالمية الخميس والجمعة (15 و16 نوفمبر الجاري) خروج مسيرات وإطلاق مبادرات للتسامح وإنشاء معهد دولي للتسامح، إلى جانب فعاليات مختلفة لوزارة التسامح ومؤتمرات للتعايش والتسامح. وقبل أيام خرج وزراء إماراتيون وشخصيات عامة ومواطنون ومقيمون من العشرات من الجنسيات في مسيرة للتسامح بأبوظبي تزينت خلالها الأبراج الشاهقة بعبارات “التسامح”.

وفي شهر مارس الماضي، نظمت أبوظبي “مؤتمر التسامح والوسطية والحوار في مواجهة التطرف”، وتم خلاله تأسيس جمعية الإمارات للتسامح والتعايش السلمي كأول جمعية من نوعها في الإمارات لنشر ثقافة التسامح.

وقال مغير خميس الخييلي رئيس دائرة تنمية المجتمع في أبوظبي خلال افتتاح القمة العالمية للتسامح، إن “دولة الإمارات أرست نموذجا فريدا يحتذى به على مستوى العالم في التسامح والتعايش”.

وتابع “حرصت القيادة الحكيمة بصورة دائمة على ترسيخ قيم التسامح لتصبح نهجا متجذرا في الهوية الإماراتية وأولوية وطنية انطلاقا من قناعتها الراسخة بأهمية التسامح كركيزة أساسية لمجتمع متحضّر ومستقبل مستدام”.

وتتعدد صور التعايش والتسامح في الإمارات؛ مسيحيون يؤدون الصلوات في كنائسهم، وآسيويون يتوجهون إلى معابدهم… في المستشفيات والمدارس يقف مسلمون إلى جوار مسيحيين وبجانبهم مقيمون من دول آسيوية ينتمون لديانات ومعتقدات عدة… الجميع يقضي حياته دون أي صعوبات.

والإمارات هي أول دولة عربية تعين وزيرا للتسامح، وتحديدا في عام 2016، حين أعلن الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الإمارات ورئيس مجلس الوزراء عن تعديل وزاري، تضمن إنشاء وزارة للتسامح.

ووفق ما تقول الحكومة الإماراتية، تدعم وزارة التسامح موقف الإمارات “نحو ترسيخ قيم التسامح والتعددية والقبول بالآخر، فكريا وثقافيا وطائفيا ودينيا، وترسيخ التسامح كقيمة أساسية في المجتمع على الصعيدين المحلي والإقليمي”. وتكتسب هذه الوزارة أهمية كبيرة كون الإمارات دولة تجمع مقيمين من 200 جنسية، وتستقبل أكثر من 15 مليون سائح سنويا، من مختلف الجنسيات والمعتقدات.

وفي كلمة ألقتها الخميس بمناسبة اليوم العالمي للتسامح الذي يوافق السادس عشر من الشهر الجاري، أكدت مريم بنت محمد سعيد حارب المهيري وهي وزيرة دولة في الإمارات أن “التسامح يشكل إحدى القيم المحورية التي بنيت عليها الدولة حتى أصبحت نهجا متأصلا وراسخا في المجتمع الإماراتي”.

وقالت إن “قيادة البلاد مضت على نهج المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لتعزيز الاستقرار في المنطقة والعالم لتصبح دولتنا نموذجا عالميا في نشر وتعزيز القيم الإنسانية ومثالا في التسامح والتعايش”.

تعايش الأديان في الإمارات حوّل التسامح إلى نهج حياة
تعايش الأديان في الإمارات حوّل التسامح إلى نهج حياة

الملايين من العرب والآسيويين والأوروبيين يعيشون بالمدن الإماراتية، يمارسون عاداتهم وطقوسهم بحرية، ويحتفلون بأعيادهم ومناسباتهم الدينية والوطنية في إطار من التسامح والتعايش، يشعرون بالمساواة ولا يتعرضون لأي تمييز. وتكفل قوانين دولة الإمارات للجميع العدل والاحترام والمساواة، وتجرم الكراهية والعصبية وأسباب الفرقة والاختلاف.

ومن أبرز مبادرات الإمارات في مجال التسامح، جائزة محمد بن راشد آل مكتوم للسلام العالمية “التي تنطلق من التعاليم الإسلامية السمحة، وتتجلى فيها معاني التسامح والاعتدال، فضلا عن دورها في خلق قنوات للتواصل مع الشعوب كافة، تعزيزا للعلاقات الدولية وتحقيقا للسلام العالمي”.

ومن الأمثلة العملية لروح التسامح التي تتمتع بها دولة الإمارات، قرار الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي إطلاق اسم مريم أم عيسى “عليهما السلام” على مسجد الشيخ محمد بن زايد في أبوظبي “ترسيخا للصلات الإنسانية بين أتباع الديانات والقواسم المشتركة بين الأديان السماوية”.

كما أطلقت حكومة الإمارات البرنامج الوطني للتسامح الذي يهدف لإظهار الصورة الحقيقية للاعتدال واحترام الآخر ونشر قيم السلام والتعايش. ويهدف البرنامج إلى تعزيز التسامح لدى الشباب ووقايتهم من التعصب والتطرف، والمساهمة في الجهود الدولية للتسامح. كما يتضمن البرنامج حزمة من المبادرات مثل أسبوع التسامح ومركز الإمارات للتسامح، وبرنامج المسؤولية التسامحية للمؤسسات وهو الأول من نوعه في العالم.

قوانين تجرم الكراهية

وتطبق الإمارات قانون “مكافحة التمييز والكراهية” الذي يهدف إلى إثراء ثقافة التسامح العالمي، ومواجهة مظاهر التمييز والعنصرية، أيا كانت طبيعتها، عرقية أو دينية أو ثقافية. ويقضي أيضا بتجريم الأفعال المرتبطة بازدراء الأديان ومقدساتها، ومكافحة أشكال التمييز كافة، ونبذ خطاب الكراهية عبر مختلف وسائل وطرق التعبير.

ويحظر القانون التحجج بحرية الرأي والتعبير لإتيان أي قول أو عمل من شأنه التحريض على ازدراء الأديان أو المساس بها. كما يحظر التمييز بين الأفراد أو الجماعات على أساس الدين أو العقيدة أو المذهب أو الملة أو الطائفة أو العرق أو اللون أو الأصل.

ويجرم القانون كل قول أو عمل من شأنه إثارة الفتنة أو النعرات، أو التمييز بين الأفراد أو الجماعات من خلال نشره على شبكة المعلومات أو شبكات الاتصالات أو المواقع الإلكترونية أو المواد الصناعية أو وسائل تقنية المعلومات أو أي وسيلة من الوسائل المقروءة أو المسموعة أو المرئية، وذلك بمختلف طرق التعبير كالقول أو الكتابة أو الرسم.

التعدد ترياق ضد التطرف

ودشنت الإمارات العام الماضي المعهد الدولي للتسامح الذي يهدف إلى بث روح التسامح في المجتمع، وتعزيز مكانة دولة الإمارات إقليميا ودوليا كنموذج في التسامح، وترسيخ ثقافة الانفتاح والحوار الحضاري، ونبذ التعصب والتطرف والانغلاق الفكري، وكل مظاهر التمييز بين الناس بسبب الدين أو الجنس أو العرق أو اللون أو اللغة.

ويتضمن قانون إنشاء المعهد الدولي للتسامح إطلاق جائزة تسمى “جائزة محمد بن راشد آل مكتوم للتسامح” التي يتم من خلالها تكريم الفئات والجهات التي لها إسهامات متميزة في ترسيخ قيم التسامح على المستويين الوطني والدولي، وتشجيع الحوار بين الأديان وإبراز الصورة الحقيقية للإسلام باعتباره دين تسامح وسلام.

ممارسة الشعائر بكل حرية
ممارسة الشعائر بكل حرية

ويعمل المعهد على بناء وتأهيل قيادات وكوادر عربية شابة تؤمن بقيمة التسامح والانفتاح والحوار بين الأديان والثقافات، وسيتولى كذلك اقتراح السياسات والتشريعات وعقد المؤتمرات الدولية وإعداد البحوث والدخول في شراكات مع المؤسسات الثقافية المعنية في العالم لنشر مبادئ الوئام وقيم التسامح بين الأجيال، وإطلاق المبادرات التي تهدف إلى تعزيز التعايش المشترك بين كافة أفراد ومكونات المجتمع، وتهيئة بيئة تحفز على الانسجام الثقافي والتناغم المجتمعي وتحد من السلوكيات الإقصائية.

ومن مظاهر التسامح الفريدة في الإمارات، إطلاق اسم “جسر التسامح” على واحد من أشهر وأجمل الجسور في دبي، وهو جسر يمر فوق قناة دبي المائية، ويعد معلما سياحيا بارزا، إذ جرى تصميمه على شكل قوس ضخم، مزين بمختلف أنواع الإضاءة التي ترى من على بعد كيلومترات عدة. وخلال شهر نوفمبر الجاري، احتفل مئات الآلاف من الهنود المقيمين بالإمارات بعيد “ديوالي” الذي يصادف فصل الخريف من كل عام ويستمر خمسة أيام.

وهذا العيد يحتفي به الهندوس والسيخ في جميع أنحاء العالم، ويتزامن مع بداية السنة الهندية الجديدة التي “تبشر ببدايات جديدة، وانتصار الخير على الشر والنور على الظلام”.

وخلال أيام “ديوالي” تتزين البنايات والأبراج السكنية في الإمارات بسلاسل من النور، وتمتد سلاسل الإضاءة للأسواق الشعبية التي تستقبل أبناء الجالية الهندية. ويخرج أبناء الهند إلى الشوارع لإطلاق ألعاب نارية ويستخدمون إضاءات عدة تعكس حالة من البهجة والفرح.

وكل عام، يحتفل الآلاف من المصريين المسيحيين بالإمارات بعيد القيامة بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية في أبوظبي، بحضور وزراء وشخصيات إسلامية من الإمارات. وتتعدد صور الاحتفال بعيد الفصح المجيد لدى المقيمين المسيحيين الذين يتوجهون إلى الكنيسة الإنجيلية في أبوظبي، والتي افتتحت عام 2008.

وقال وزير التسامح الشيخ نهيان بن مبارك وقتها إن “هذا المبنى يؤكد أن دولة الإمارات بقيادة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، كانت دائما ولا تزال بلد الأمن… بلد يدين أهله بدين الإسلام الذي يدعو إلى التسامح واحترام معتقدات الآخرين، وهي من أهم الدعائم والمرتكزات التي تنطلق منها بلادنا”.

وفي أبوظبي أيضا، أنشأت بلدية مدينة العين مقبرة لغير المسلمين في منطقة الفوعة بتكلفة بلغت أكثر من 16 مليون درهم (ما يعادل 4.36 مليون دولار) لخدمة الجاليات غير المسلمة في الإمارة.

وتضم المقبرة التي تشغل مساحة 40 ألف متر مربع محرقة وغرف انتظار ومرافق خدمية تتناسب مع طقوس الدفن لمختلف الطوائف الدينية. ويقول المقيم المصري أندرو جورج إنه عندما قدم للإمارات قبل عدة أشهر فوجئ بوجود كنائس تفتح أبوابها له، مشيرا إلى أنه كل أحد يزور الكنيسة وكأنه في مصر.

وتقول زوجته ميرنا فوزي “سعدت جدا عندما علمت بأن المؤسسات الحكومية والخاصة تمنح موظفيها من المسيحيين إجازات خلال الأعياد والمناسبات الدينية المسيحية”. وتضيف “تجسد الإمارات نموذجا للتسامح والتعايش بين مختلف الجنسيات والديانات، ولا يشعر شخص بأي فوارق وفقا للجنسية أو اللغة أو الدين”.

أما المقيم الهندي منصور كومار فيعيش هو وأسرته في إمارة الشارقة، ويشير إلى أن أبناء الجالية الهندية بمختلف طوائفهم يعيشون حياة سعيدة ويمارسون عاداتهم بحرية ولا فرق بينهم وبين أي مقيم أو مواطن في الإمارات.

13