القمة العربية أمام اختبار التخلص من الانعزالية والعودة إلى العمل المشترك

الاثنين 2015/03/30
الجامعة العربية مطالبة بتجاوز التكتيكات الحينية إلى صياغة استراتيجيات طويلة المدى

تشهد السياسة العربية المشتركة تحولا بيّنا في ظلّ تنامي الأخطار والتهديدات المحدقة بالمنطقة من جهة، وتعاظم أثر الأزمات التي تعيشها عدة بلدان عربية من جهة أخرى. سياسة مشتركة تقتضي بالضرورة صياغة استراتيجيات فعالة تكتسب فعاليتها من كونها دائمة، تتجاوز حيّز التكتيكات الحينية التي غلبت عليها الخلافات في الماضي، من أجل إرساء مقاربة شاملة تكون كفيلة بالحؤول دون أي تهديدات داخلية أو خارجية على حد سواء.

تزامنت القمة العربية الأخيرة التي انعقدت في شرم الشيخ في مصر مع العديد من الملفات الساخنة التي تشهدها دول عدّة من المنطقة، فاليمن يشتعل منذ شهور، وليبيا تحترق منذ سنوات، والأزمة السورية بلغت إحدى مراحلها الأكثر تدهورا، بالإضافة إلى الصراعات العربية – العربية التي تسبب فيها تباين الآراء حول تلك الأزمات، إلى درجة أنّ البعض قد اعتبر أنّ مجرد التئام هذه القمة وانعقادها في موعدها، يعتبر بحد ذاته إنجازا هاما للجامعة العربية والقيمين عليها من ملوك ورؤساء.

ولذلك فقد حاولت قمة شرم الشيخ مقاربة العديد من القضايا السياسية والإستراتيجية المطروحة على جدول أعمال الوطن العربي، وخاصة في علاقاته البينية ومع دول الجوار الإقليمي، ربما بطريقة جديدة، فرضتها المعطيات الداخلية والخارجية، لعدد من دول منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي ومنطقة المغرب العربي.

وليس هناك أدنى شك في أن تضارب آراء الدول العربية، حول عدد من هذه القضايا الساخنة، يدخل ضمن طبيعة الأشياء التي تفرضها التباينات السياسية والإستراتيجية بين دولة عربية وأخرى، وبالتالي، لا يمكن النظر إليه باعتباره شرا كله، لأنّ من شأن تلك التباينات في وجهات النظر أن تدفع بمختلف أطرافها إلى البحث عن العناصر المشتركة بينها لاعتمادها أرضية تحظى بحد أدنى من التوافق، يمكن البناء عليها لبلورة خطط العمل العربي المشترك في المستقبل تساعد مختلف الأطراف العربية على تبين حقيقة مصالحها السياسية والإستراتيجية والتعرف على ما تعتبره هذه الدولة أو تلك خطّا أحمر لا يُمكن تجاوزه.

الجامعة العربية مطالبة بتبني مقاربة شاملة للتغيير السياسي لتأمين انتقالها من دوائر ما هو مؤقت إلى ما هو دائم

مقاربة شاملة

ينبغي الاعتراف بأنّ قضايا مثل الأزمة السورية والفوضى السائدة حاليا في ليبيا وتطورات الوضع الأمني والعسكري والسياسي في اليمن، هي كلها قضايا متفجرة وقابلة للانفجار في كلّ لحظة.

وقد تؤدي تطورات هذه القضايا إلى الإطاحة بكل التوافقات التي قد يتم التوصل إليها، الأمر الذي سيؤدي بالضرورة إلى العودة إلى الانقسام العربي وسيادة منطق المحاور الإقليمية المتصارعة على الهيمنة والنفوذ، رغم أنّ هذا المنطق قد أبان في الماضي عن قصوره في مواجهة مختلف التحديات التي واجهها العرب، شعوبا ودولا، بدليل، ما هي عليه أوضاعهم العامة الحالية. فقد استوطن العجز والفاقة في عدد من هذه البلدان واحتلّت التناقضات الثانوية مكان الصدارة والأولوية القصوى على حساب المصالح المشتركة.

ويبدو أنه رغم ما يمكن تسجيله من ممارسة سياسية أو تصورات إيجابية على مستوى مقاربة بعض القضايا المحورية في العلاقات العربية البينية، والتي من شأن الدفع بها إلى ممارسات وتصورات جماعية المساهمة في تغيير بعض الأوضاع بما يخدم الصالح العام لدول الجامعة العربية، فإنّها ما لم تعمل بعقلانية وجدية على مقاربة تذهب إلى جذور المشاكل وأسبابها العميقة ضمن تصور شامل للتغيير الاجتماعي والسياسي الشامل، ستظل تواجه معضلات تهدد مكتسبات الدول والشعوب بالانهيار كلما هبت عليها عواصف معادية من الداخل أو الخارج القريب والبعيد على حدّ سواء.

ولذلك فإنّ المطلوب اليوم من جامعة الدول العربية لتأمين انتقال ممارساتها السياسية والإستراتيجية من دوائر ما هو مؤقت وعابر لبعده التكتيكي غير القابل للاستمرار، هو تبني مقاربة شاملة للتغيير السياسي تدمج بين ما تراكم من مكتسبات رسمية وشعبية، في مختلف البلدان العربية، وبين معالجة موضوعية تستهدف تجاوز السلبيات المتراكمة جراء ممارسات تحكمت فيها نزعات انعزالية أو هيمنية على حساب ما هو مشترك وما نصت عليه مختلف وثائق جامعة الدول العربية ذاتها على الصعيد البناء الاقتصادي وتحقيق التنمية الاجتماعية والسياسية والدفاع المستميت عن الأمن القومي عندما يواجه تحديات خطيرة تستدعي استنفار كل مقومات المقاومة والصمود لرفع تلك التحديات.

أهمية التغيير السياسي

القمة العربية تزامنت مع العديد من الملفات الساخنة التي تشهدها دول عدّة من المنطقة خاصة اليمن المشتعل

ظلّت مسألة التغيير السياسي من بين أهم العناوين المطروحة والقضايا الجدالية الهامة، في مختلف المجتمعات العربية، وفي منطقة الشرق الأوسط عموما، خلال العقود الثلاثة الماضية، وخاصة بعد شعور أجيال ما بعد الاستقلال السياسي في تلك البلدان، بخيبة أمل عميقة من جل السياسات الرسمية التي بلورتها وقادتها نخب عسكرية أو سياسية عمدت إلى الاستقواء بالأجهزة العسكرية والأمنية.

وفي الوقت الذي تحاول فيه بعض القوى الوطنية الدفع بالأمور نحو التغيير السياسي، تحاول القوى السائدة، من جهتها، عرقلة كل المساعي، في هذا الاتجاه، عبر استخدام مختلف وسائل الإكراه والقمع المادي، كما تجلى ذلك في حركة دائبة، دخولا وخروجا، من السجون المدنية والعسكرية لعناصر القوى المعارضة، في أغلب البلدان العربية، وخاصة في ستينات وسبعينات القرن الماضي.

وإذا كانت كفة التغيير، بواسطة النخب العسكرية، هي الراجحة خلال فترة الستينات والسبعينات، فإن تنوّع إخفاقات تلك النخب في الوفاء بوعودها، وربما تخليها الصريح والواضح عن تلك الوعود والشعارات المرتبطة بها في مختلف المجالات وفي مختلف مراحل وجودها على رأس هرم السلطة، أدّى إلى انفصال شرائح اجتماعية واسعة عن القواعد الشعبية التي أيّدتها، بهذا القدر أو ذاك، في بادئ الأمر إلى أن أصبح بعضها معزولا إلى أقصى درجات العزلة.

وهذا التحوّل أفرز تناقضا رئيسيّا، الأمر الذي أدى بالتالي إلى تصاعد القمع المسلط على القوى الاجتماعية الحالمة بالتغيير السياسي الجذري، والحاملة لمشروع مجتمع جديد يناهض توجهات القوى الاجتماعية والسياسية السائدة.

وقد أسهم ذلك في وسم تلك المرحلة بأنها مرحلة أزمة بنيوية، مزمنة، شاملة، عميقة، وخانقة على كل المستويات، وفي مختلف المجتمعات العربية. وإذا كانت المحاولات التي بذلت من أجل تفكيك عقدها المترابطة، متنوعة وكثيرة، خلال العقدين المنصرمين، تحت ضغط عوامل داخلية وخارجية، فإنها لم تنته إلى نتائج ملموسة في هذا الاتجاه.

المعالجة الموضوعية تستهدف تجاوز السلبيات المتراكمة جراء ممارسات تحكمت فيها نزعات انعزالية على حساب المشترك

وهناك أسباب كثيرة تضافرت في صنع هذا الواقع، بعضه نظري فكري وأيديولوجي، وبعضها يكمن في صلب الاستراتيجيات السياسية والعسكرية لدول محلية وإقليمية في علاقاتها مع القوى الدولية الوازنة على ساحة العلاقات الدولية، وبعضها الآخر مرتبط بالمزاج الشعبي العام وتقلباته في المنطقة، حيث نسب البطالة والفقر والأمية قياسية في ارتفاعها، في أغلب الأحيان، وحيث الاستبداد السياسي سمة مشتركة، ولو بتفاوت، من حيث الدرجة والشمولية والاتساع، لا من حيث النوع في جلّ الأحوال.

شروط المعالجة

تعدّ مسألة تشخيص الأزمة، في مختلف مستوياتها وأبعادها، متقدّمة على كل محاولات المعالجة، لأنّ التشخيص الصحيح هو شرط لا بد منه لتحديد طبيعة المعالجة. وبطبيعة الحال، فإنّ كل تشخيص جدي ينبغي أن يشمل العناصر الموضوعية ذات العلاقة بالوقائع الملموسة في مختلف المجالات، كما ينبغي أن يتعرض لمجمل العوامل الذاتية المرتبطة بالواقع، ذلك أنّ تأثير هذه العوامل مجتمعة لا يحدد شكل الأزمة ومضامينها فحسب.

بل إنّ كل معالجة لا تأخذ بعين الاعتبار تدخل هذه العوامل أو تلك في هذه المرحلة النوعية أو تلك، لن تكون فعالة في التعاطي مع الأزمة بالنّجاعة الضرورية والفعالية المنتظرة منها، وإنّما ستؤدي إلى الفشل، الأمر الذي سيساهم في تعفين الأزمة وتعميق مفاعيلها السلبية وتوسيع دائرة مضاعفاتها غير المرغوب فيها، والتي غالبا ما تصبح خارج سيطرة المجتمعات والدول مهما اعتبرت نفسها قوية وقادرة على تجاوز تداعيات هذا النوع من الأزمات الهيكلية العميقة.

وعلى أساس هذه الأفكار الأولية، يمكن تناول عدد من القضايا النظرية والسياسية الأساسية، باعتبارها من شروط إمكان معالجة الأزمة الراهنة ومن بينها:

* أولا، مسألة طبيعة الأيديولوجيا السائدة في المجتمعات العربية في علاقاتها الجدلية المتنوعة مع معطيات الواقع الاجتماعي الملموس، كما في علاقاتها مع القوى الذاتية التي تحاول توظيف تلك الأيديولوجيا أو تعطيل مفعولها في هذا المجال أو ذاك. ولذلك فإنّ إعادة النظر في الثقافة السياسية السائدة في الوطن العربي قد أصبحت مطلبا شعبيا في مختلف البلدان، لكونها قد عانت، جميعها، وإن بشكل متفاوت، من المضاعفات السلبية لتلك الثقافة التي وضعت أسس الصراعات القصوى، إن لم تكن قد أسست لما يشبه الحروب الأهلية التي تشهدها عدة دول عربية في الوقت الراهن.

تضارب آراء الدول العربية، حول عدد من القضايا الساخنة، يدخل ضمن طبيعة الأشياء التي تفرضها التباينات السياسية والإستراتيجية

* ثانيا، إقرار جامعة الدول العربية بفشلها، في صيغتها التقليدية المتمحورة على ما تعتبره كل دولة مصالحها الإستراتيجية، والانفتاح العقلاني على مصالح غيرها من الدول المكونة لهذا الجسم العربي، بما يخدم أهدافها المشتركة من جهة، وجعل مصالح المجتمعات العربية في مركز الأولويات الأساسية عند رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية ضمن تصور شامل للتغيير وتحقيق التقدم إلى الأمام على مختلف المستويات من جهة أخرى.

* ثالثا، الانكباب على بلورة تصور موضوعي، في مختلف أبعاده التكتيكية والإستراتيجية، لطبيعة المرحلة العربية الراهنة في ضوء التحديات الوطنية والقومية التي تواجهها، وعلى قاعدة رؤية دقيقة لطبيعة سياسات الدول الإقليمية الأساسية واستراتيجياتها والتعرف على طبيعة مصالحها القومية وإلى أي مدى يمكن أن تتعايش أو تهدد المصالح القومية العربية في الحاضر والمستقبل على حد سواء.

وبذلك يمكن أن يسمح التقدم على طريق إنجاز هذه المهمات بالحديث عن حقبة عربية وقومية جديدة، تأخذ بعين الاعتبار مصالح جلّ الدول، في إطار جامعة الدول العربية، كما تضع نصب عينيها تحقيق مصالح شعوب تتطلّع إلى التقدم والرقي، منذ عقود طويلة، وعملت مرات عديدة على الحد من تدهور أوضاعها الاجتماعية والسياسية، إلى جانب دولها التي غالبا ما تخلّفت عن هذا الطموح، بغض النظر عن الاستثناءات، كما أنّها قد اصطدمت معه، في ظل ظروف سياسية وإقليمية ودولية لم تكن مساعدة في أحيان كثيرة.

6