القمة العربية بتونس تتطلع لإعادة تشكيل معادلات المشهد العربي

مراقبون يرون أن قمة تونس التي ستجمع زعماء العرب ستكون منبرا لحوار عربي صريح حول كيفية التعامل مع أزمات المنطقة، إضافة إلى تعزيز التعاون والعمل العربي المشترك.
الثلاثاء 2019/03/19
تونس تُبدي اهتماما بالغا لإنجاح هذه القمة

تونس- ارتفع منسوب الاستعدادات السياسية في تونس، للقمة العربية المُقرر عقد دورتها العادية الثلاثين مع نهاية الشهر الجاري، وسط تطلعات كبيرة لإعادة رسم المواقف السياسية العربية، بما يتناسب مع معادلات المشهد الإقليمي والدولي، بأبعاده المختلفة.

وبدت مختلف القوى الفاعلة في البلاد، الرسمية منها، وكذلك أيضا الشعبية، كأنها عدّلت بوصلتها صوب هذه القمة التي يأتي عقدها في مرحلة صعبة تشابكت فيها التحديات المُتنوعة وتداخلت في مشهد مُعقد أثّر كثيرا على التوازنات السياسية في المنطقة العربية.

ورغم تضارب أولويات الدول العربية بسبب مقارباتها السياسية، في علاقة بالحسابات الدولية التي أملت معادلات جعلت من مسألة تحقيق التوافق لصيانة التضامن العربي، هدفا محوريا بأبعاد استراتيجيه، فإن تونس تُبدي مع ذلك اهتماما بالغا لإنجاح هذه القمة، وبالتالي تجاوز تلك الحسابات لتحقيق التوافق العربي الذي من خلاله يمكن كسر حلقة الانقسامات التي أضعفت العرب.

وعكس اللقاء الذي جمع، الأحد، بين الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي ووفد من المحامين العرب، ذلك الاهتمام، حيث خاطب سميح خريس، الأمين العام المساعد لاتحاد المحامين العرب، الرئيس قائد السبسي قائلا “أنقل لك رغبات أبناء كل الأمة العربية.. لا يجوز عقد القمة العربية في تونس إلا باستقبال كل الدول العربية ولنا ثقة فيك وفي حكمتك وقدرتك.. ولنا فيك ثقة على قيادة التوافق”.

ولم يمنع رد الرئيس قائد السبسي على ذلك بالقول “بالوضوح.. التوافق العام لسوء الحظ غير موجود، لكن في تونس لا إشكال لنا مع أي كان”، من تزايد تطلع القوى التونسية وكذلك أيضا العربية، إلى تحقيق هذا التوافق الذي باتت تُمليه التحولات في المنطقة العربية، لاسيما في هذه المرحلة التي تُوصف بالحرجة.

ويستند ذلك التطلع الذي تفرضه السياقات الجديدة لمُتغيرات المشهد العربي، إلى جملة من العوامل الأساسية، التي تبدأ بصورة تونس التي يُنظر إليها على أنها تُمثل صوت العقل والاعتدال في مواقفها، ولا تنتهي عند العلاقات الجيدة التي تربط بين تونس والمملكة العربية السعودية، التي ترأس حاليا القمة العربية، وبقية الدول العربية الأخرى.

سمير عبدالله: حضور الملك سلمان بن عبدالعزيز قمة تونس يعطي زخما لمجريات أعمالها
سمير عبدالله: حضور الملك سلمان بن عبدالعزيز قمة تونس يعطي زخما لمجريات أعمالها

ويرى مراقبون، أن تلك الصورة المدعومة بتلك العلاقات الجيدة، ستُشكل قاعدة متينة للخروج في قمة تونس بنتائج إيجابية، وبقرارات متوازنة إزاء جميع المتغيرات والأحداث، المُرتبطة بالملفات التي ستُطرح على طاولة البحث، بأبعادها العربية-العربية، وامتداداتها الإقليمية والدولية.

وفي هذا السياق، قال الدبلوماسي التونسي السابق سمير عبدالله لـ”العرب”، إن الرئيس السبسي يُعد شخصية مقبولة عربيا وإقليميا ودوليا للحديث في هذه القضايا بعمق يعكس المصالح العربية، وبالتالي فإن قمة تونس العربية ستُشكل حدثا عربيا استثنائيا يكون في مستوى انتظارات وآمال العرب.

وتوقع في هذا الإطار أن تشهد قمة تونس حضورا عربيا قويا لضمان قمة ناجحة تكون منبرا لحوار عربي صريح حول كيفية التعامل مع أزمات المنطقة، إضافة إلى تعزيز التعاون والعمل العربي المشترك.

وقال إن حضور العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، قمة تونس “سيعطي زخما سياسيا لمجريات أعمالها، لافتا إلى أن انتقال رئاسة القمة من دولة عربية وازنة في محيطها العربي والإقليمي والدولي، هي السعودية، إلى تونس، دولة الاعتدال والحكمة، له دلالات كبيرة، لاسيما في هذه المرحلة التي مازال عدد من الدول العربية يعاني من مُخلفات الاهتزازات السياسية والاجتماعية التي تحولت إلى حروب ونزاعات خطيرة”.

وحولت تلك الأحداث المُتواصلة منذ العام 2011، إلى غاية الآن مسألة التضامن والتوافق العربي، إلى ما يُشبه الهاجس الرئيسي لكل مواطن عربي، حيث تردد صداه بقوة في أروقة القمة العربية السابقة التي عُقدت في مدينة الظهران بالسعودية في منتصف أبريل من العام 2018 تحت شعار “قمة القدس″.

واعتبر سمير عبدالله، أن نتائج قمة تونس ستكون في مستوى التحديات، وستفتح الآفاق الواعدة لتجاوز الوضع العربي الصعب، لافتا في هذا الصدد إلى أن مؤشرات نجاح قمة تونس في تضميد الجراح العربية، بدأت تلوح في الأفق، باعتبار أن السعودية عملت خلال رئاستها للقمة العربية على تغليب المصالح العربية، والدفاع عنها أمام التدخلات الخارجية.

وتتوقع الدوائر الرسمية التونسية، أن يحضر قمة تونس غالبية ملوك وقادة الدول العربية، فيما يغيب عنها الرئيس السوري بشار الأسد بسبب القرار العربي الخاص بتعليق عضوية سوريا في الجامعة العربية، ومع ذلك سيكون الملف السوري  على طاولة البحث، وسط توقعات بصدور قرار يُعيد مقعد سوريا في جامعة دول العربية إلى دمشق.

وكان عبداللطيف عبيد، الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية، ورئيس مركز تونس للجامعة العربية، قد أشار في وقت سابق إلى أن عودة سوريا إلى مكانها الطبيعي بالجامعة العربية “قد يتحقق مباشرة بعد قمة تونس على مستوى المندوبين ووزراء الخارجية والقمة الحادية والثلاثين بالجزائر سنة 2020″.

وأضاف في ذات الإطار أن “تونس المستضيفة للقمة الثلاثين حريصة على وحدة الصف العربي مثلما أكد ذلك كبار مسؤوليها، لكنها لا تستطيع أن تتجاوز القرارات السابقة التي تم اتخاذها بشأن سوريا على مستوى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، التي تظل ملتزمة بهذه القرارات ولا تستطيع أن تخرج عن نطاقها”.

وسيناقش القادة العرب في قمة تونس، الكثير من المسائل والمواضيع التي تهتم جميعها بقضايا العمل العربي المشترك، وسبل مكافحة آفة الإرهاب والتنمية، إلى جانب الملفات الحارقة المُرتبطة بالأوضاع في ليبيا وسوريا والعراق واليمن والقضية الفلسطينية.

ويُنتظر أن يكون ملف التدخلات الإيرانية في الشؤون العربية، حاضرا بقوة في هذه القمة أكثر من أي وقت مضى، ليبقى بذلك الأمل قائما في أن ينجح القادة العرب خلال قمة تونس في تحقيق التضامن والتوافق، وصولا إلى إعادة تفعيل الدور العربي القادر على التصدي لكل التحديات التي تواجه المنطقة العربية.

6