القمة العربية.. خليجية

الأحد 2014/03/23

لا شيء في قمة الكويت العربية المرتقبة في الخامس والعشرين والسادس والعشرين من الشهر الجاري أهم من الموضوع الخليجي، بل يمكن القول بكل ثقة إن القمة العربية هي قمة خليجية كون أزمة سحب السعودية والإمارات والبحرين سفراءها من قطر هي العنوان الأبرز الذي غطّى على كل العناوين الأخرى.

ثمّة موضوع آخر سيطرح نفسه أيضا، إنه موضوع العلاقة بالعراق في ضوء الخطاب التصعيدي لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الذي أثار المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة التي تضامنت مع الرياض وذهبت إلى حدّ مقاطعة وفدها لكلمة ممثّل العراق في دورة مجلس وزراء الداخلية العرب التي انعقدت حديثا في مراكش.

قبل خمسة أيام من القمة، عقد الشيخ صباح الخالد نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية والدكتور نبيل العربي الأمين العام لجامعة الدول العربية والشيخ محمد عبدالله المبارك وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء مؤتمرا صحافيا.

أعلن وزير الخارجية الكويتي أن شعار القمة سيكون “قمة التعاون من أجل مستقبل أفضل”، فيما أشار الشيخ محمد العبدالله إلى أن ثلاثة عشر رئيس دولة أكدوا حضور القمة حتى الآن. أما الأمين العام لجامعة الدول العربية فكشف أن المقعد السوري سيظل “خاليا” على الرغم من أنه سبق لاجتماع وزاري عربي انعقد قبل سنة أن حسم موضوع شغل المقعد لمصلحة “الائتلاف الوطني”. لكنه أوضح أن تنفيذ القرار ما زال يحتاج إلى اجراءات. سعى العربي بعبارات ذات طابع بهلواني إلى تبرير عدم شغل “الائتلاف الوطني” المقعد السوري في قمة الكويت.

هنا في الكويت، كل مسؤول سياسي تلتقيه أو إعلامي تناقشه أو خبر تقرأه، يركّز بقوة، بل بشكل حصري، على الأزمة الخليجية وما إذا كانت مرشحة للتصعيد أو التهدئة. يميل الديبلوماسيون الكويتيون بطبعهم إلى الابتعاد عن الإثارة وهم الذين تخرجوا من مدرسة الأمير الشيخ صباح الأحمد الذي توّج تاريخه العريق بلقب أطلقه عليه الأمين العام للأمم المتحدة… “زعيم الإنسانية”. تراهم خلية عمل حاملين ملفاتهم المتعددة وكأن القمة تعقد في ظروف طبيعية، وحين تسألهم عن القادم من وساطات وتسويات يبتسمون ويكتفون بعبارة: “تفاءلوا بالخير”. هل يكفي التفاؤل بالخير حتى تمرّ قمة الكويت بسلام؟

لماذا تحرص الكويت على رأب الصدع في البيت الخليجي وتحديدا في هذه المرحلة؟ نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية أعطى جزءا من الإجابة حين قال إن مجلس التعاون الخليجي أساسا هو فكرة كويتية، تبلورت في أيار- مايو 1981 في قمة أبوظبي برعاية الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله،. طرح الفكرة الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد. كانت هذه الفكرة ضرورية لمواجهة عواصف إقليمية في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي، استشعرت وجودها القيادة الكويتية وعملت على تأسيس كيان يحصن هذه المنطقة ما أمكن من تداعيات المحيط.

وفّر مجلس التعاون لدول الخليج العربية الغطاء المطلوب لدول الخليج طوال الحرب العراقية- الإيرانية التي استمرّت ثماني سنوات والتي كان يخشى في كلّ لحظة امتدادها إلى دول الجوار، على رأسها الكويت.

نسأل وزير الإعلام الشيخ سلمان الحمود الصباح هل تتصرف الكويت بموجب أنها “أمّ الصبي” كونها صاحبة فكرة إنشاء المجلس؟ يبتسم ويجيب: “إذا كان الأمر يتعلق بمسعى يصب في النهاية لمصلحة التنسيق والعلاقات المشتركة والاستقرار والتقارب، فالكويت ليست فقط أمّ الصبي في الخليج، بل تتصرّف على هذا النحو في أي أزمة تتطلب حضورها التوفيقي”.

الجزء الآخر من الإجابة تجده عند مسؤولين رفيعي المستوى رفضوا ذكر أسمائهم، ويتمثل في العبارة الآتية: “إذا كنا موحّدين وعلى قلب واحد وضمن اتحاد واحد فيمكن أن نصمد بصعوبة في مواجهة القادم من الأيام، فما بالكم والانقسامات تكاد تنحر مجلس التعاون؟”. إنها صراحة ليس بعدها صراحة تعكس القلق الخليجي من استمرار الانقسامات بين دول المجلس في وقت لم يعد سرّا أن هناك شبه قطيعة بين السعودية والإمارات والبحرين من جهة وقطر من جهة أخرى. ويضيف هؤلاء المسؤولون أن سياسة الرئيس أوباما التي عبّر عنها في حديثه الأخير لـ”بلومبرغ فيو” لا تبشر بالخير، خصوصا إذا عطفنا الحديث على إعجاب أوباما بالاتفاق مع إيران وعلى حديث سابق له يفيد بما معناه أن تمكن الولايات المتحدة من إنتاج النفط الصخري سيحررها من العلاقة مع دول الخليج”.

يكمل هؤلاء أن أوباما “طلب من حلفائه السنة في المنطقة “التكيّف” مع المتغيرات التي فرضها الاتفاق الجديد مع إيران، وأنه وجّه رسالة قوية إلى دول الخليج عند حديثه عن التطرفين السني والشيعي من خلال إشادته بإيران ورؤيتها وسياستها وقوله إنها “دولة لا تريد أن تنتحر”.

وفي ظل ما يجري سوريا وعراقيا ويمنيا وبحرينيا ولبنانيا، يدرك المسؤولون الكويتيون أن اتجاهات الريح قد لا تجري بما تشتهي سفن الخليج، خصوصا أن العلاقات الخليجية- الأميركية لم تكن في تاريخها مبنية على انعدام الثقة كما هي اليوم، وأن “الشقيقة الكبرى” المملكة العربية السعودية تشعر أنها تضرب من بيت حليفها الدولي ومن بيت أبيها المحلي، ولذلك نحت سياستها قليلا إلى الحزم بعكس المرونة التي كانت تبديها سابقا، والسبب كما يقول وزير سعودي في الفريق الممهد للإعداد للقمة: “إن الاجتهادات في اللحظات المصيرية غير مستساغة”، وفي المقابل، يرى القطريون أنهم يوافقون على كل القرارات المتعلقة بالبيت الخليجي لكن من حقهم الحصول على هامش في ما يتعلق بالسياسة الخارجية. هل يمكن لهذا الهامش أن يجدد مبرّرا له عندما يتعلّق الأمر بخطر من النوع الذي يشكلّه “الإخوان المسلمون” الذين يعملون عبر تنظيمهم العالمي على إثارة القلاقل في كلّ دولة خليجية بما يمسّ الاستقرار ويسيء إلى السلم الاجتماعي؟

لكن السؤال هو هل يمكن فصل السياسة الخارجية عن الشؤون الداخلية للبيت الخليجي خصوصا بعد وضع لائحة الإرهاب وفي قلبها “الإخوان المسلمون” و”حزب الله” (السعودي)؟ بمعنى آخر هل يمكن أن يبقى إيقاع السياسة الخارجية الخليجية متناغما مع دولة مثل إيران سعت بكلّ ما تمتلكه من إمكانات إلى اختراق الدولة العربية الأكبر، على كلّ الصعد، طوال السنة التي أمضاها الإخواني محمّد مرسي رئيسا لمصر؟

الأمر نفسه ينسحب على التطورات في سوريا والعراق واليمن… وهنا تبرز أهمية أن تكون الكويت هي الطرف المستقبل للقمة ومشاكل دولها كونها ما زالت حتى الآن تتمتع بعلاقات جيدة وممتازة مع دول الجوار، وهي الطرف الذي يتوسط لإخماد شرارة الخلافات من دون التقليل منها أو الاستهانة بها لأن النيران الكبيرة دائما من… مستصغر الشرر.

هنا يقولون “تفاءلوا بالخير”… القمة بعد أيام. لننتظر.

3