القمة العربية: "رغم أي ظروف عصية"

لا توجد أي دولة تعتمد بالكامل على قدراتها التصنيعية المحلية، وهذا لا يمنع تلك الدول من تحقيق أضعف الإيمان من الاكتفاء الذاتي في مجال الاحتياجات العسكرية والصناعية والغذائية.
الثلاثاء 2018/04/17
تغيير من التبعية إلى التفكير

أثبتت وقائع مؤتمر القمة العربية المنعقدة في الظهران هذا الأسبوع أن المواطن العربي لا يرضخ لهيمنة القوى الخارجية، بل ويرفض كل أشكال التَّبعيَّة. أذكر تحديدا التبعية الاقتصادية، أو خضوع الدول في مرحلة التنمية إلى الدول القوية تجاريا وغذائيا وتنمويا.

لنكن واقعيين، رغم خروج الاستعمار منذ عشرات السنين، إلا أن وضع بعض الدول العربية اليوم ليس بالضرورة مستقلا سياسيا أو اقتصاديا. علينا أن نعترف أن بعض الدول العربية لا تزال تقع تحت هيمنة الدول الكبرى بطريقة أو أخرى. الملك سلمان بن عبدالعزيز قالها بشموخ عربي وصراحة صارمة “إننا إذ نجدّد التعبير عن استنكارنا ورفضنا لقرار الإدارة الأميركية المتعلق بالقدس، فإننا ننوه ونشيد بالإجماع الدولي الرافض له، ونؤكد على أن القدس الشرقية جزء لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية”. أما على المستوى الاقتصادي، فإن الرياض لن تسمح لأي دولة، مهما كبرت، أن تجني أي نفع من مواردنا دون مراعاة مصلحة اقتصادنا الوطني وسياساتنا التنموية المستقلـة. السعودية الحديثة تنتقل من مرحلة التبعية الاقتصادية في توفير الاحتياجات الأساسية لمواطنيها، إلى واقع واعد لتأمين الغذاء والسلاح ذاتيا، بحيث لا تصبح علاقاتنا لصالح الاقتصاد الخارجي المسيطر.

رئيس مؤسسة الفكر العربي الأمير خالد الفيصل أكد خلال منتدى فكر 16 في دبي هذا الأسبوع، أنه منذ الحرب العالمية الثانية والدول العربية تُقَسَم وتُحْكَم من قبل الآخرين، وأن الوعي والفكر لدى الإنسان العربي بدآ يتغيران من التبعية إلى التفكير. لم تأتِ هذه الفكرة من فراغ، بل جاءت قوية وصريحة لتكذيب كل الروايات المنقولة عن “تبعية” الدولة السعودية للقوى العظمى.

خطة السعودية التنموية واضحة المعالم، ولكنها لن تكون سهلة، بل تتطلب العمل الجاد والمستمر. علينا رفع مستوى المعيشة، وخفض نسبة البطالة، والاستفادة من مواردنا البشرية. كذلك أمامنا تحدي الانتقال من الإنفاق على استيراد السلاح إلى التصنيع المحلي، وتحقيق نسبة عالية من الاكتفاء الذاتي والاستفادة من القدرة الإنتاجية.

لا بد وأنكم تتذكرون تساؤل الأمير محمد بن سلمان في مقابلة تلفزيونية قبل عامين، “هل يعقل أن السعودية في عام 2014 هي أكثر رابع دولة في العالم تنفق عسكريا والثالثة في العام 2015 وليست لدينا صناعة محلية؟”. السياسة السعودية الحديثة واضحة؛ الدولة “التابعة” فاقدة للتكامل الذاتي، وبالتالي لن نسمح للخارج بممارسة الهيمنة علينا أو التحكم بسياساتنا الاقتصادية.

في معرض القوات المسلحة لدعم التصنيع المحلي (أفد 2018) في الرياض، كان الهدف توطين الصناعات التكميلية وفقا لرؤية المملكة 2030 التنموية. علينا اليوم تضييق الهوة بين هيكل الإنتاج وهيكل الاستهلاك، ونقل التقنية وتوطينها، وليس فقط استيرادها دون أي عائد وطني مجز.

ولكن لعلي أكون أكثر واقعية. لا توجد أي دولة بما فيها الدول الكبرى، تعتمد بالكامل على قدراتها التصنيعية المحلية، إلا أن هذا لا يمنع تلك الدول من تحقيق أضعف الإيمان من الاكتفاء الذاتي في مجال الاحتياجات العسكرية والصناعية والغذائية.

لا أتفق بتاتا مع مقولة إن الشباب السعودي متكاسل، ويعتمد بدرجة كبيرة على الدولة في تلبية احتياجاته الأساسية. علينا تغيير هذه الصورة النمطية المتشائمة.

في ختام كلمته في مؤتمر القمة العربية قال الملك سلمان بن عبدالعزيز “أؤكد لكم أن أمتنا العربية ستظل بإذن الله، رغم أي ظروف، عصيّة برجالها ونسائها، طامحة بشبابها وشاباتها”. أعتقد أن الرسالة وصلت.

9