القناع الأرواحي واكتشاف النار

السبت 2015/08/08

لعلّه للحظة اكتشاف الإنسان القناع الأرواحي أن تكون متزامنة مع لحظة اكتشافه النّار. وسواء أكان كلا الاكتشافين متزامنين، أم متعاقبين في برهتين غير متباعدتين، فقد كان لهما أن ينخرطا، منذ اللحظة الأولى لحضورهما المشترك على تخوم نظام ثقافي إنسانيّ يتهيّأ للتّشكّل، في مسار علاقة تفاعلية مطّردة أتاحت لهما الوصول إلى لحظة تواشج عميق أفضى انبثاقها إلى إشعال جذوة الثقافة الإنسانية، والبدء في إطلاق إرهاصات تنبئ بإمكانية توفّر ما يكفي من المعطيات لشروع هذه الثقافة البدئية في تشكيل نظامها المنفتح على صيرورة دائمة واكتشافات وتحوّلات لا تكفّ، أبدا، عن إضاءة أحياز جديدة في ذلك السّديم الأرواحي الغامض الذي وجد الإنسان نفسه في قلبه ليتأقلم معه ساعيا إلى اكتشافه وتعرّفه كي يذهب، في ما بعد، إلى الوقوف قبالته ليحيله إلى مسكن يليق بإنسانيته المتحفزة لاكتشاف نفسها وإدراك جوهرها، وإلى مجال حيويّ يرسّخ فيه وجوده الفاعل في قلب وجود ظلّ يبحث، ولم يزل، عن معنى وجوده فيه.

وقد كان لاكتشاف الإنسان النّار، سواء أكان أسلاف الجنس البشري المعاصر أم أسلاف جنس بشري سابق عليه هم من حقّقوا هذا الاكتشاف، أن يفتح أمام الإنسان أفق الشّروع في مراقبة تجليات هذه النّار لتعرّف طبيعتها، وتبيّن خصائصها، وإدراك طاقاتها الظاهرة والكامنة، وتحديد الوظائف التي يمكن أن تؤديها بما يسهم في تمكينه من مواجهة الضرورات الطبيعية والتّحدّيات التي كان عليه مواجهتها لحماية نفسه وتأمين حاجاته الحياتية الملحّة، وذلك تمهيدا للشروع في عمل حثيث سيمكنه، في لحظة لاحقة، من اكتشاف طرائق الاحتفاظ بالنّار لأطول أمد ممكن لاستعمالها وقتما وحيثما تطلّبت الحاجة، وذلك قبل التّمكن من معرفة كيفيات إشعالها والسيطرة عليها بغية الاستمرار في توظيفها على نحو يستجيب لتلبية حاجاته الحياتية، العملية والرّوحية، ويفتح أفق شروعه في خوض مغامرته الوجودية المفتوحة على صيرورة دائمة وتحوّلات.

في هذه المرحلة الأرواحية البدئية، مرحلة الالتقاط والصّيد، أو العصر الحجري القديم، لم يكن الإنسان قادرا على الوعي بخصوصيته، مثلما لم يكن قادرا على إدراك وجود ماهيات مستقلّة ومتمايزة للأشياء والكائنات والموجودات، أو على إقامة أيّ نوع من التمايز بين أيّ منها وأيّ من الظواهر الطبيعية ومكوناتها، فاندفع، مسكونا بالدّهشة والخيال الطليق، يعتقد بالأرض أمّا ولودا تنبثق منها الأشياء الحيّة، وبالطبيعة روحا جبّارة مفعمة بالحياة؛ أي قوّة هائلة تتساكن فيها الأشياء والأرواح في وحدة كلّية ملتحمة لا تنفصم، فلم يكن لتصوّره المفعم بالخيال والسّحر أن يشطر العالم فاصلا ما بين الشيء والفكرة المكوّنة لديه عنه، أو بين الجسد والرّوح التي تسكنه، فالفكرة والمضمون والاسم والرّوح، كانت جميعا محض وقائع مادية تتسم بقابلية التّجسّد المستمر في أشكال ماديّة ذات تجليات وتناسخات وتحوّلات لا تتوقّف ولا تتناهى.

وفي ظلّ الأخذ بنظام الأشياء- الأرواح المتساكنة الملتحمة بأجسادها وتشكّلاتها وتجلياتها المتنوّعة بلا انفصام، أي بنظام “طغيان الأفكار” المتشيّأة أو المجسدنة في وقائع مادية وكيانات تفتقر إلى تمايز الأبعاد وتفصح عن رؤية أرواحية كلّية للعالم، وتأسيسا على ما يصل بين النّار والرّوح من توق أثيريّ واشتعال وتوقّد لهّاب وإنارة ساطعة، وعلى ما يتوافر عليه علم الإناسة ونظريات تطوّر الثقافة والفنون من معطيات ذات صلة ومن ضمنها كون صواعق النّار وتجلياتها وتحولاتها من أوّل ما لفت الإنسان في ظواهر الطبيعة، نستطيع أن نخمّن أنّ أوّل قناع أرواحيّ شكّلته يد إنسان، ساحر وشاعر وفنّان مسكون بالدّهشة الأولى وتوقّد الخيال، إنما كان هو قناع النّار الذي شرعت يد هذا الإنسان في تشكيله لحظة تمكّنة من إشعال النّار ليوظّفها في تشكيل هذا القناع الذي أعتقد أنّه يستطيع، عبر التّقنّع به وتوظيفه في سياق طقوس سحرية تكسب مرتديه هويّة النّار وجوهر خصائصها، أن يتحكّم في روح النّار، أخيّرة كانت أم شريرة، وأن يوجّهها لما يستجيب لمشيئة الجماعة البشرية التي ينتمي إليها، ملبّيا حاجتها ومحقّقا ما يؤمّن حمايتها أو يفتح مسار تطوّرها على ما يحقّق خيرها، ويشرع في تجلية جوهر هوّيتها الإنسانية وترسيخ وجودها المفتوح على ممكنات إدراكها تحقّقا وجوديّا أسمى وأكمل وأكثر فاعلية في الوجود.

كاتب من فلسطين مقيم في سلوفاكيا

16