القناع الطوطم ورأس الكائن

السبت 2015/08/15

مع شروع الحياة الإنسانية في مواكبة تبلور الإرهاصات الأولى لانبثاق حضارة الإنسان في المجالين الحيويين، الكوكبي والكوني، تجسّدت روح النّار السّديمية الغامضة ومثلت في قناع شكّلته من مواد الطبيعة يد إنسان مكّن جماعته من الإمساك الطقوسي السّحري بهذه الرّوح بغية التّحكّم بطاقاتها وقواها.

وتأسيسا على الاعتقاد الذي ساد في المرحلة الأرواحية من تاريخ الحضارة الإنسانية والذي مؤدّاه أنّ السيطرة التي يحوزها الإنسان على الأفكار تمكّنه من حوز سيطرة مماثلة على الأشياء، وأنّ العلاقة التصوّرية أو التّخيّلية التي تنشئها ملكات الإنسان الإدراكية الناشئة بين أمرين أو شيئين متصوّرين أو متخيّلين إنما هي علاقة قائمة في الحيّز الفعليّ مثلما هي قائمة في الحيّز التّصوّري، تيقّنت مخيّلة الإنسان من أنّ الفعل السّحري الذي توقعه الطّقوس التي يمارسها على الرّوح المجسدنة في قناع هو الرّوح والجسد في آن معا، وبلا أدنى تمايز أو انفصام، إنما هو معادل حقيقيّ للفعل الواقعي الذي يقع تحقّقه على الجسد الفعلي القائم في الواقع، والمروْحن في التّصور التّخيّلي، في اللّحظة ذاتها.

وقد كان لهذا النّمط من التفكير التّخيّليّ الطّاغي والمسكون برؤية أرواحية كلّية للعالم، ألا يتوسّل في سعيه إلى التأثير على الأرواح (القوى) المتحكّمة في مقاليد حياته ومصائره إلاّ الفعل السّحري الذي كان في بداياته نوعا من “الشّعوذة” المتجاوبة مع طبيعة ذلك التفكير وتلك الرّؤية، فالسّحر، في رأي أدولف ريناخ، هو “استراتيجية نظرية الأرواح”، وهو، في رأي سيغموند فرويد، “تكنيك نمط التفكير الأرواحي” أو هو “الجزء الأكثر أصالة وأهمية في التكنيك الأرواحي”. وبهذا المعنى، لم يكن ذلك السّحر إلا “تشاكليّا” يتجاوز البعد المكاني تخاطريّا، ويعامل الارتباط السابق معاملة الارتباط اللّاحق، ويرى في الجزء ممثّلا للكلّ ومحتويا له، بل إنه لا يرى في أيّ جزء من كلّ إلا كلّا، ولا يتصوّر وجود فكرة منفصلة عن تظاهرها الحسّي، فالأجساد والأشكال- الأرواح، والأقنعة التي تجسّدها، إنما هي أسماء تقبض (تخيّليّا) على التّصورات والأفكار والرّؤى. لقد تصوّر إنسان الكهف أنّ مجرّد حفر رسمة على حائط كهفه تجسّد طريدة أصابها سهمه، كصيّاد، فأرداها فريسة، إنما هو أمر قد تحقّق بالفعل، في اللحظة نفسها، في مكان آخر.

وإذ تصوّر إنسان الكهف في هذه المرحلة الأرواحية البدْئيّة، وفي المرحلة الطّوطمية التي تداخلت معها وأعقبتها، أنّ رأس الكائن هو مصدر القوّة الهائلة ومركزها، فإنّه جسّد الأرواح، خيّرة وشرّيرة، في أقنعة عديدة كانت إلى جانب استخدامها في ممارسة الشعائر والطقوس الاعتقادية السّحرية أشكالا بدْئيّة مبكّرة من أشكال الفن والدّين.

ومع ظهور إرهاصات أولى للشروع في تمييز الكائنات والأشياء والنّاس وتصنيفها على نحو غائم في فصائل ومجموعات وقبائل، ولا سيما عقب بدء انفصال الكائن الإنساني عن الكائن الحيواني أو النباتي أو عن أشياء الطبيعة وموجوداتها وظواهرها، والانتقال إلى المرحلة الطّوطمية التي احتفظت للإنسان بصلة قربى حميمية وعميقة بأي حيوان أو نبات أو شيء انفصل عنه، ليقدّسة، معتبرا إيّاه “طوطما” أي روحا حارسا وحاميا قويا للجماعة البشرية، التي هو أصلها الأوّل، يحفظ عليها حياتها ويمدّها بالطعام والأمن، كان للأقنعة أنْ تواصل الحضور في أشكالّ متنوّعة تركّز أغلبها في تجسيد رأس الكائن الذي فيه تتجلّى روحه الحارسة وتتمركز قوته الهائلة الحامية، وذلك من دون مفارقة التّصوّر الذي يؤكّد أنّ أيّ جزء من أجزاء الكائن إنما هو الكائن كلّه.

ومع أخذ تبصّرات علماء الإناسة وتوضيحاتهم المتباينة في الخلاصات والتّوجّهات بشأن الطّوطمية من حيث كونها وضعية ثقافية مشروطة بمجتمع مشاعيّ بدْئيّ يؤسّس علاقة أصل تقوم على صلة قربى حميمية ووثيقة بين جماعة بشرية وكائن حيواني أو نباتي أو شيء أو ظاهرة طبيعية، بعين الاعتبار، ومن دون إغفال حقيقة استمرار وجود تجليات طوطمية في الثقافات الإنسانية المعاصرة، ومن ضمنها تلك التي تزعم لنفسها حداثة أو ما بعد حداثة منقطعة النّظير، فإننا نشير إلى حقيقة وجود صلات قربى وترابطات جذورية عميقة تصل ما بين الطّوطمية التي يزعم أفولها، وما يجري تصنيعه وترويجه وتسويقه في عصرنا الرّاهن على يد الهياكل والمؤسّسات السياسية والثقافية والإعلامية المؤدلجة والإيديولوجيات التّخيلية الاستبدادية الظّلامية المقنّعة بالأساطير والدّين من “نجوم” متعددي الألوان، و”زعماء”، و”فقهاء”، و”حاخامات” و”كهان” و”أئمة معصومين”، يراد لأيّ منهم أن يحتلّ مكانة “الوثن” أو “الصّنم” أو أي “مقدّس″ أنتجته ثقافة بدْئية كانت تتلمّس طريق فجرها في سديم غامض!.

كاتب من فلسطين مقيم في سلوفاكيا

16