القناع المزيف

الخميس 2014/07/10

يبدو أن الإعلام بحاجة إلى استعادة قيمه وحساسيته في مراجعة لخطاب يسهم في منح رجال الدين مساحة سياسية ليست لهم.

صناعة الخطاب الإعلامي تدرك أن رجال الدين ليسوا أكثر من سياسيين فاشلين، فلماذا تُلبسهم كل هذه الأقنعة وتقدمهم للجمهور بصفتهم صناع قرار.

بالأمس رفع ريتشارد ديرلوف الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات البريطاني (MI6) صوته أمام وسائل الإعلام، متهما إياها بتضخيم صورة التنظيمات الإسلامية كداعش، كما انتقد منح الإسلاميين المتطرفين “شهرة لم يحلموا بها”.

لقد سقط مراسلون محترفون في فخ الديني عندما استضافوا رجال دين بصفتهم سياسيين، فبدل أن يتحدث رجل الدين عما اجتهد فيه، صار متطفلا على دور لم يعد أصلا له، وعلى مر التاريخ لم ينجح رجال الدين في بناء دولة، فلم يسهم الإعلام اليوم بجعل الحل بين أصابعهم، مع أنهم مصدر المشكلة؟.

ثم لماذا يراد للإعلام اليوم أن يعيد دورة الديني والسياسي التاريخية في لجة الموت المتصاعد في الشرق الأوسط، وبدلا من أن يكون الإعلام شاهدا تلبس بدور الداعم!

يرى ألون بن مئير أستاذ العلاقات الدولية بمركز الدراسات الدولية بجامعة نيويورك ومدير مشروع الشرق الأوسط بمعهد السياسة الدولية، أن الشرق الأوسط ليس المكان الوحيد الذي قد يجبر فيه المعتقد الديني الناس على التصويت ضد مصالحهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

فمن الناحية الدينية، فكرة فصل الدين عن الدولة ليس لها عمليا أي سند في التفكير الإسلامي “الخميني كان يقول ومن بعده القرضاوي ‘من لا يدخل الدين في السياسة والسياسة في الدين لا يفهم في الدين ولا يفهم في السياسة’”، فالفكرة غريبة تماما لمعظم أتباع الإسلام التقليدي (الأرثوذكسي/السلفي).

وحتى لو كان هناك حزب سياسي علماني بالاسم، فإن أتباعه لا يتجرؤون على التخلي عن معتقدات الإسلام الأساسية.

وبالأمس كتب ديفيد غاردنر في صحيفة الفاينانشال تايمز عن قناع الدين الذي ترتديه الحروب في الشرق الأوسط، وهي في الواقع حروب على السلطة.

فلماذا يتناسى الإعلام دوره الفعلي ويساهم في هذه الحرب بتقديم من يضرمونها بصفتهم شهودا وهم في حقيقة الأمر ليسوا كذلك.

فعندما عجز المراسلون الصحفيون عن تقديم مادة خبرية عن الواقع المتفاقم في العراق، التجئوا إلى الهامش باعتباره مصدرا خبريا، واستضافوا رجال دين ينعمون بالهدوء في مساجدهم وحسينياتهم وحوزاتهم، بدلا من أن تكون عدساتهم في ميدان المعركة الفعلي. والصورة الصحفية اليوم تختصرها وجوه ملتحية وبعمامة سوداء أو بيضاء تحمل السلاح، فأي دور تورط فيه الإعلام ليقف معهم.

تلاشى الخبر وحضر هامشه، وأسهم الإعلامي بقصد أو دونه في تعزيز صورة رجل الدين كصانع للقرار السياسي.

وسائل الإعلام اليوم تقدم الدين كسلعة جدلية أشبه بإعلان تسويقي جاذب للجمهور، وليس كقيمة عليا متعالية عن المصالح السياسية، وهذا ما جعل من رجال دين، أصلا غير متسقين مع ذواتهم، نجوما في وسائل الإعلام.

18