القناع سبيلا إلى البوح

كاتب السيرة الذاتيّة، فإنّ تعهّده برواية قصّة حياته الشخصيّة، يجعله في نظر القارئ المسؤول الأوّل المباشر عن النصّ ومضمونه.
الأحد 2019/02/17
ممثّل واقعيّ للعالم الروائيّ التخييليّ

عدّ تضمين الكاتب العربي نصه الروائي عناصر من حياته الحقيقية مظهرا من مظاهر التقنع والتخفي. وعلى هذا الأساس اعتبرت الرواية السيرذاتية العربية سيرة ذاتية مقنّعة، وقرئت روايات من قبيل “إبراهيم الكاتب” للمازني، و”سارة” للعقاد، و”الحي اللاتيني” لسهيل إدريس، و”التجليات” للغيطاني، و”ثلاثة وجوه لبغداد” لغالب هلسا وغيرها، سيرا ذاتية مكبوتة مقموعة تتوكأ التخييل الروائي لتخفي ما عاشه الكتّاب فعلا لا رواتهم التخييليون.

ومطمح هذه المقالة أن تناقش هذا الرأي النقدي الذي سار مسار المسلمات، وتبيّن تعدد وجوه هذه المسألة وتشابكها، وتكشف أنّ القناع وإن كان يطلب للحماية، فإنّ له قدرة على التعرية ودفع الكاتب إلى الاعتراف وحسن اكتشاف الذات.

لعلّ أهمّ وظائف القناع توفيـر الحماية لمن يكتب قصّة حياته وحيـاة ذويه وأحبابه. فمن شأن القناع أن يقيم حاجزا بين الأحداث المرويّة وحياة المؤلّف الحقيقيّة، فيضمن له ولمن يحيطون به قدرا من الصيانة والستر يقيه ويقيهم من الافتضاح والهتك. وعلى عكس السيرة الذاتيّة، يمنح المتخيّل الروائيّ الكاتب فضاء من الحريّة وسيعا. وتتجاوز هذه الحريّة النصّ لتتوسّط علاقة الكاتب بالقارئ، إذ تضمن الرواية للكاتب انفراده بوجوده التاريخيّ الشخصيّ في استقلال عن النصّ والقارئ. فبفضل الراوي التخييليّ، يستطيع الروائيّ أن يخلق عالما روائيّا مشاكلا للواقع دون أن يضطرّ إلى أن يبرّر للقارئ خياراته ويدافع عن مواقف شخصيّاته، إذ حمل الرّاوي عبء ذلك كلّه.

أمّا كاتب السيرة الذاتيّة، فإنّ تعهّده برواية قصّة حياته الشخصيّة، يجعله في نظر القارئ المسؤول الأوّل المباشر عن النصّ ومضمونه. ذلك أنّه قبل طوعا أن يتحمّل هذه المسؤوليّة وحده وأن يعرض شخصيته عارية أمام الجمهور مع كلّ ما يحفّ بهذا العرض من مخاطر. وليس يعني ذلك طبعا أنّ الرواية فضاء آمن من الرقابة، يوفّر الحماية الكاملة من سوء الفهم والاتّهام. فالواقع يكذّب هذا الأمل الذي ينتظره الكاتب من الرواية.

للرواية مقدرة عالية على المباعدة بين النصّ وشخصيّة المؤلّف
للرواية مقدرة عالية على المباعدة بين النصّ وشخصيّة المؤلّف 

وتاريخ كل من الروايتين الغربيّة والعربيّة معا من “فلوبير” إلى “نجيب محفوظ” و”حيدر حيدر” مليء بأمثلة قاسية ممّا قد يتعرّض له الروائيّ بسبب ما يكتب من المحاصرة والمحاكمة وحتّى التحريض على القتل.

ومع ذلك فإنّ سخط السلطة الدينيّة أو النظام السياسيّ أو المجتمع ينصبّ على الروائيّ حين يقترب من الدّين أو السياسة أو الأخلاق، بوصفه مبدعا لأثر أدبيّ تخييليّ يحسب له حساب في إفساد المعتقد أو التّأليب على صاحب السّلطان أو نشر سوء الخلق، ولا ينصبّ عليه بوصفه الممثّل الواقعيّ للعالم الروائيّ التخييليّ. فإذا كان البطل في الرواية ملحدا فلا يعني ذلك أنّ الكاتب بالضرورة ملحد، وقد تمنع الرواية من التداول ولكن دون أن يحاسب الكاتب على عقيدته الدينيّة. وإذا ما قام العالم الروائي على اختراق المحظور الديني والأخلاقي في ما يهمّ الجنس، فقد تصادر الرواية “حفاظا على الأخلاق العامّة” ولكن لا يحاسب الكاتب بوصفه المخترق الحقيقيّ للأخلاق، الآثم الفعلي في النصّ.

فمهما تكن شدّة الرقابة ومهما تكن قراءة السلطة أو المجتمع عدائية سطحيّة في ربطها بين النصّ الروائيّ وصاحبه، يظلّ المتخيّل الروائيّ مع ذلك، قادرا على أن يضمن مسافة فاصلة بين النص والواقع التاريخيّ وبين الشخصيّة الروائيّة وخالقها الكاتب. وإذا ما حوسب الكاتب فإنّما يحاسب لأنّه خلق تلك الشخصيّة لا لأنّه اعتقد ما اعتقدت في الرواية من آراء دينيّة أو تمرّد مثلها على ما تمرّدت عليه من نظم سياسيّة أو اجترح ما اجترحت هي من آثام أخلاقيّة وعاش ما عاشت من تجارب جنسيّة.

للرواية إذن مقدرة عالية على المباعدة بين النصّ وشخصيّة المؤلّف وحماية حياته الخاصّة ومواقفه الدينيّة والسياسية من التعرّي والافتضاح. وقد يصل هذا التباعد إلى حدّ التنافر التام بين الروائيّ وبطله وبين حياته وأحداث الرواية. وليس “بلزاك” المنتصر للأرستقراطيين في الواقع، السّاخر منهم في رواياته مثالا فريدا على ذلك. فلطالما انقلب الروائيّ في نصه على شخصيّته الاجتماعية ليبتدع شخصيّات بعيدة عنه ومال إلى رؤى للعالم غريبة عمّا عرف عنه في الواقع. وما بالأمر النّادر أن تشهد علاقة الكاتب بنظم المجتمع ومواضعاته وطابوهاته تحوّلا جذريّا في الرواية. فكثير من الكتّاب المتديّنين، المطمئنّين إلى معتقداتهم، أبدعوا شخصيّات قلقة تنزع إلى التصادم مع الدّين، وكثير ممن كانوا في وفاق مع النظام السياسي، تمرّدت عليهم شخصيّاتهم واتّخذت من السلطة غير ما اتّخذوا من مواقف…

على نقيض الروائيّ، يجد كاتب السيرة الذاتيّة نفسه محروما من الحماية التي توفّرها الرواية، مجبرا على أن يعرّي نفسه أو يصمت. فبغضّ النظر عن صدق كاتب السيرة الذاتيّة أو كذبه، فإنّ التزامه بالميثاق السيرذاتيّ يجعل كل ما يرويه عن نفسه دليلا إلى شخصيّته ووثيقة يمكن أن يحاسب عليها ويساءل عنها وقد تغيّر نظرة معاصريه إليه. ولذلك فإنّ كلّ اقتراب من المحرّمات الدينية والسياسية والأخلاقية في السيرة الذاتيّة عمل حرج ومجلبة للشكوك وقفز إلى المجهول، إذ لا يمكن أن يتخيّل الكاتب لا سيّما إذا كان شخصيّة مشهورة من أيّ المواقع يمكن أن تنطلق إليه السهام بدءا من العائلة فالأصدقاء والصحافة وممّن عرف من الأدباء والسياسيين وممّن لم يعرف أيضا. ويكفي أن نتذكّر هنا الضجّة الكبيرة التي أحدثها اعتراف نجيب محفوظ بتردّده قبل الزواج، على دور البغاء السريّ في القاهرة. ولعلّه ليس من باب الصّدفة أن عدّ حديث الكاتب عن علاقته بالدّين والجنس والسياسة محرارا تقاس به درجة نزاهته وتحدّد على أساس جرأته والتزامه الحقيقة قيمةُ سيرته الذاتيّة.

على أنّ كاتب السيرة الذاتيّة سواء اعترف بالحقيقة أو تستّر، لا يسلم في كلتا الحالتين من انتقاد النّاس. فإذا اختار أن يقول كلّ شيء في ما يهمّ الجنس، فإنّه واقع لا محالة، لا سيّما إزاء أقاربه، موقع الاتّهام والمساءلة وغالبا ما ينظر إليه على أنّه مثال أخلاقيّ أعلى تهاوى وسقط. وإذا اختار أن يقول حقيقة آرائه السياسية ومواقفه من النظام الحاكم، فإنّه سيجلب لنفسه غضب السّلطة ومحاصرتها إيّاه، هذا إن سمح للكتاب أن يرى النور أصلا. أمّا إذا اختار الكاتب أن يتجنّب “المحرّمات” فيبرز خضوعه للسلطة الدينية والسياسية والأخلاقية، وهو ما قد يكون حقيقة فعلا، فإنّ أغلب القرّاء سيصابون بخيبة أمل. فستبدو لهم حياة المؤلّف عاديّة لا بطولة فيها، ولن يجدوا فيها من التمرّد والتحدّي والفوضى ما يؤهّلها لتكون موضوع سيرة ذاتيّة يقبل عليها القرّاء.

لهذا ربما وفرّت الرواية بما تتيح من فرص للتخفّي والتقنّع، فضاء مناسبا للحديث عنّ الذّات في حقيقتها وجوهرها، بآثامها وآلامها وعقدها دونما خشية من الافتضاح والتعرّي. فقد حمل الراوي عن المؤلّف وزر كلّ ما أتى البطل من “كبائر” واجترح من آثام.

على هذا النّحو تبدو الرواية الملاذ الذي لجأ إليه الكاتب العربيّ لتدوين قصّة حياته وتجاوز العوائق النفسية والاجتماعية والحضارية التي تحول دونه وصياغة هذه القصّة في نصّ سيرذاتيّ صريح. وبذلك كانت وظيفة المتخيّل الروائيّ بما يوفّر من أقنعة، سدّ نقائص الواقع وتلبية حاجة المؤلّف إلى الحرية الغائبة وحمايته وصيانته من الرقيب الذاتي والخارجي معا. أمّا فضل القناع الروائيّ على الأدب فهو فتح منفذ يستطيع به جنس السيرة الذاتيّة وإن على سبيل الاستعارة والمواربة أن يفتكّ له موقع قدم في ساحة الأدب العربيّ.

كاتب السيرة الذاتيّة سواء اعترف بالحقيقة أو تستّر لا يسلم في كلتا الحالتين من انتقاد النّاس
كاتب السيرة الذاتيّة لا يسلم من انتقاد النّاس

بيد أنّ العودة إلى الروايات السيرذاتية العربية وقبول تجديد النظر في قضيّة القناع فيها بعد أن غدت مسلّمة محسوما أمرها، يكشفان لنا أنّ كلّ مظاهر التقنّع تجاورها وتداخلها وتزاحمها شواهد على نزوع مؤلّفي الرواية السيرذاتيّة إلى التعرّي والافتضاح والتخلّي عن غطاء المتخيّل الروائيّ لكشف الذّات ورواية قصّة الأنا. ومن شأن ذلك أن يدعونا إلى النظر إلى القناع في الرواية السيرذاتيّة نظرة نسبيّة وإعادة البحث عن دوافع الكاتب إلى اختيار الرواية بديلا للسيرة الذاتيّة ووضع ما سلّم به عدد من النقّاد موضع شكّ وسؤال: فهل إنّ الرواية السيرذاتيّة لا تزيد فعلا عن أن تكون مجرّد سيرة ذاتيّة مقنّعة؟

إنّ القناع في الرواية السيرذاتيّة قناع شفيف كشّاف يفضح أكثر ممّا يستر ويبرز أكثر ممّا يخفي. فالحدود تبدو ضبابيّة زلاّقة بين القناع ونزع القناع، وبين الهروب والمواجهة، والتخفّي والتجلّي، والتستّر والبوح. وإذا كان هذا الاستنتاج لا يعني بالمرّة أنّنا ننكص على أعقابنا وننفي ما كنّا قد أثبتناه سابقا من أهميّة القناع في الرواية السيرذاتيّة، فإنّه يؤكّد ما لمسناه في نصوص الرواية السيرذاتية من تأرجح قلق ونوسان لا يكلّ بين الظهور الخفيّ والخفاء الظّاهر.

يدفعنا هذا الرأي إلى أن نعيد النظر في ما توصّل إليه كثير من النقّاد من اعتبار الرواية السيرذاتيّة العربيّة سيرة ذاتيّة مقنّعة. فأحد وجوه الخطأ في هذا القول ليس الحديث عن صلة الرواية السيرذاتيّة بالقناع وإنّما النظر إلى القناع على أنّه مطلق ثابت. لكنّ الحقيقة التي قادتنا إليها النصوص هي عكس هذا الحكم تماما. فرغم أنّ مبتدأ أيّ مشروع روائيّ سيرذاتيّ والأسّ الذي ينهض عليه هما المواربة والتقنّع والحديث عن الذّات داخل غطاء المتخيّل، فإنّ المسار الذي يتّخذه هذا المشروع في ما بعد داخل السّرد ليس غير نزع الأقنعة والانعتاق من المتخيّل إلى شفافيّة الإحالة المرجعيّة. فلعلّ من الأسلم أن نصف الرواية السيرذاتيّة بأنّها الرواية التي تضع القناع لا لتثبته بل لتقتلعه وتدكّ الحواجز بين العالم التخييليّ والعالم المرجعيّ.

إنّ القناع متاح لكاتب قصّة حياته سهل الوصول إليه منذ أن يختار التخييل الروائي أداة للتعبير. فكلّ أدوات الكتابة الروائيّة من الميثاق الروائيّ والراوي إلى الشخصيّات والأحداث والأطر، كفيلة بأن توفّر الغطاء الذي يستطيع المؤلّف أن يختفي وراءه فلا يقع له القارئ على أثر ولا يأخذه أيّ ارتياب في بعد المسافة بين الشخص التاريخيّ كاتب النصّ، والشخصيّة الروائيّة بطلة الأحداث.

ولهذا أمكن بيسر للرواية التاريخيّة مثلا بفضل القناع الروائيّ تعمّد الإسقاط التاريخيّ والحديث عن الحاضر في لبوس من الماضي وسرد أخبار الذّات متلفعة بقصص من أقاصيص الماضين. وليس ذلك بمقصور على الرواية التاريخيّة فمن اليسير جدّا على كلّ روائيّ أن يتحدّث عن نفسه وعن أشخاص يعرفهم في الواقع دون أن يتفطّن إليه ويفتضح أمره بشرط أن لا يفضح هو نفسه ويحافظ على صرامة القناع.

أمّا كاتب الرواية السيرذاتيّة فلا شيء أحبّ إليه من أن يبثّ الإشارة تلو الإشارة دالاّ على حضوره في النصّ، ولا أمتع عنده من أن يراكم بين يدي القارئ القرائن التي تهدي إليه وتعرّيه وهو في ذلك لا يبخل ولا يقتصد وكأنّ أكبر خشيته أن لا يفطن إليه القارئ فيهمل اقتفاء أثره. إنّنا ونحن نقرأ الروايات السيرذاتية العربية، نكاد نسمع أصوات المؤلّفين وهي تتعالى همسا أحيانا وجهرا أحيانا أخرى، تخترق حجب المتخيّل وتهتك أستاره لتدلّنا إلى أصحابها وتدعونا في رفق يخالطه إلحاح إلى أن نغادر نحن القرّاء كذلك سديم المتخيّل ونخرج منه وإن إلى حين، إلى العالم المرجعيّ الواقعي. فليس القناع في حدّ ذاته هو بغية الروائيّ السيرذاتيّ بل وهم القناع. لذلك فما إن يزرع في أذهاننا الوهم بأنّ النصّ قائم على التقنّع حتّى يسارع فيأخذ بأيدينا لننزع معه القناع ونرى الوجه الحقيقيّ.

ينشر الملف بالاتفاق مع مجلة "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

13