"القندس" رواية تعري واقع العلاقات الهشة

فازت مؤخرا رواية «القندس» للكاتب السّعودي محمد حسن علوان بجائزة معهد العالم العربي للرواية العربية، وقد نافست الرّواية من قبل على القائمة القصيرة في جائزة البوكر العربية في نسختها السّابعة. الرواية تعبر إلى حدّ بعيد عن مأزق الإنسان العربي اللامنتمي، والدور الذي يلعبه مجتمع الجدب والجفاف وغياب العاطفة. وقد أثارت منذ صدورها ردود فعل متباينة لدى القراء والنقاد على حدّ سواء.
السبت 2015/10/24
نجح الكاتب في تعرية العلاقات الداخلية والخارجية بين دواخل النفوس وفي المجتمع

تنتهي رواية القندس لمحمد حسن علوان الصّادرة عن دار الساقي في طبعتين، بصدمتين أو خيبتين للراوي غالب تضافان إلى خيباته التي مني بها على طول حياته الأربعينيّة التي عاشها مهزوما وفاشلا دون أن يحقّق نجاحا يذكر سوى اللّهاث على الغرف والفنادق خلف عشيقته غادة، علّه يأتي اليوم ليجتمع الشمل معها، وبعد أن تحقّق له اللقاء بها على مدى شهر تمنّى عودتها. الخيبة الأولى تمثلت في فجيعة ميراث الأب بعد وفاته، أما الصدمة الثانية فتمثلت في الإهانة التي سببتها له عشيقته غادة حين عادت بعد جلسة صلح إلى زوجها الدبلوماسي محسن الذي خانها وتزوج من مغربية.

أحداث الرواية موزّعة بين الرياض وبورتلاند بالولايات المتحدة الأميركية، التي تبدأ منها الأحداث، بالزيارة الثانية للراوي المهزوم داخليّا، وقد فارقها قبل عشرين عاما وهو الآن قد تجاوز الأربعين و الهزائم لا تزال تلاحقه، حيث يجلس على ضفة نهر “ويلامت” في حالة بوح «وقفت لعلي أرى صفحة الماء بوضوح»، كما يأمل فيتهادى إليه صخب الماضي.

حب محرم

تعرض الرواية لقضايا شائكة في المجتمع السعودي المـغلق، حيث التعلّق بالأنساب ذات الأسماء البراقة في الزواج، وهو ما كان مبررا لرفض زواج غالب من غادة التي يحبّها، وقد تعلّق بها منذ أن رآها خلسة من خلف نافذة في جدة، ورغم علاقة الحبّ بينهما فإن الأعراف القبلية تحول دون ارتباطهما، إذ العائلتان متعاليتان على بعضهما، ولهذا قررا عدم الدخول في معركة خاسرة، والإبقاء على علاقة سرية بينهما، فيرتحل خلفها إلى مدن مختلفة كي يلتقي بها فيمارسا عشقهما خفية.

"القندس" تتطرق إلى مشاكل اجتماعية نتيجة لحالة الانغلاق مثل الخيانة الزوجية، كما تقدم صورا للمتغيرات الاجتماعية

وكما تقدم تبرز الرواية صورا للمتغيرات التي طفت على سطح بنية المجتمع، وقد ظلّت تمارس خلف الأحجبة والسّدود. فيستعيد الرّاوي علاقته بعائلته كاشفا عن خلل ما تسرّب إلى التراتب العائلي بعد تدفّق الأموال لدى الأب راعي الأغنام وصاحب دكان السّجاد في «أبها» والذي ينتقل إلى الرياض ليبدأ رحلة الثراء، إثر دخوله في أعمال تجارية وعقارية حقّقت له أموالا طائلة. آلت المتغيرات التي حلّت على الأسرة إلى علاقات هشّة داخل العائلة.

وهذه الهشاشة استشعر بها الأب مبكرا فقرّر أن يطليهم بالصمغ «ويلصق بعضنا ببعض كيفما اتفق حتى نبقى معا ولو كانت قلوبنا شتى» كما يعترف غالب، إلا أن سياسة الأب فشلت وبقيت “العائلة بكماء في ما بينها ثرثارة في محافل الآخرين”، فلم يجتمع الأبناء إلا مرتين الأولى في موت والدهم والثانية عندما ذهبوا إلى المحكمة للميراث.

تتطرّق الرواية إلى مشاكل اجتماعية نتيجة لحالة الانغلاق مثل الخيانة الزوجية كما في علاقة غادة زوجة السّفير السعودي في لندن وغالب، أو العشق المحرّم الذي يدفع إلى الطلاق كما في علاقة صديقه فيصل وزوجته التي طلبت الطلاق لأنّها تحب آخر، فيتهمها بأنها خانته انتقاما لشرفه.

أو مشاكل العنوسة التي جعلت الفتاة تقبل أيّ عرض حتى لو لم يكن المتقدّم إليها مناسبا كما فعلت أخته نورة التي تجاوزت الثلاثين، فعندما جاءها العريس الذي لا يستطيع أن ينهي إجراءات سفره قبلت به. كما تكشف الرواية عن حالات التمرّد وتعدّد العلاقات العاطفية كما في نموذج أخته نورة.

المجتمع المغلق

حالة المجتمع المـغلق كانت مناخا خصبا لأن تمارس الصّحوة سلطتها وهو ما كان تأثيره واضحا على شخصيتي سلمان الذي كان في بداية طور شبابه وقد انضمّ إليهم، وأيضا شخصية بدرية التي تمثلت لأفكارها فارتدت لبوس التدين وذهبت بانتظام إلى مدارس حفظ القرآن وكانت “تشارك في دروس تطوعية لغسل الموتى”، وهي التي كانت من قبل مغرمة بمطربها المفضّل عبدالكريم عبدالقادر، وتحتفظ في خزينتها بشرائطه المتعددة.

الكشف عن خفايا المجتمع الشائكة وهزيمة الذوات المنغلقة
وفي مقابل الصحوة تسربت العلاقات الشائكة بين المحارم، وهو ما عرضه الكاتب في غموض وبإشارات تفصح ولا تفضح كما في توجس نورة منه بعد لقائهما في الحمام، فانفرط عقد العلاقة بينهما، بعد أن ظنته راغبا فيها و«هو ما بنى بينهما السّدود تلو السّدود»، ومنها أيضا ما حدث مع غانم نفسه عندما استرقّ النظر إلى زوجة أبيه وهي عارية، وبعد أن كانت هي الطريق الآمن إلى حقل أبيه الشائك، اهتزت هذه اللوحة الجميلة، وجرحت فذهبت صورة الأم وحلّت صورة أخرى. وبالمثل علاقة عمّ غادة بها الذي زعم أنّه يعلّمها كيف يتشكّل الطفل في الرحم.

لا تقتصر رؤية الكاتب على تعرية الداخل فقط، بل إنه يعرّي أيضا الداخل في علاقته بالخارج فيتناول مشكلة العمالة والمستقدمين، وما يتعرضون له من إذلال وتحقير، في صورة باسل السّوري وزكي النوبي وشفيق الباكستاني. فباسل كان مهندسا حكوميّا في بلده ثمّ جاء ورضي أن يكون سكرتيرا وميّسرا للأمور لدى الشيخ وأبنائه، ومع ما يتعرض له من مهانة وتوبيخ من قبل الشيخ، وتحقير بتناول طعامه في المطبخ مع الخدم وغير ذلك، إلا أنه صابر لا يبدي تذمرا أو اعتراضا، ولم يثر إلا عندما سبّ الشيخ أباه.

الرواية ليست قائمة على حبكة، وإنما ترتكز على لحظات الاستعادة الممزوجة بالتأمل، فالسّرد يميل في كثير من جوانبه إلى التأمّل، مازجا بين حالات الاستبطان الدّاخلي والبوح الشّاعري، وهو ما أكسب اللغة شاعرية، وإن مالت في كثير من جوانبها إلى التشبيه، حيث المقارنات التي كانت ركيزة بناء الرواية منذ استهلالها بين القندس والعائلة.

كما يتوزّع السّرد بين مكانين وزمانين مختلفين، إذ راوح السّارد بين بورتلاند، ويسرد بالزمن الحاضر عنها، وبين الرياض التي تعيش فيها أسرته ويتنقل بين أبها والرياض، في شبه استعادة لأماكن الطفولة، في مراوحة كذلك بين الناصرية والمربع وما ارتكبه فيها من موبقات أثناء تخطيه مرحلة المراهقة وبيت الفاخورية الذي انتقلت إليه الأسرة في الرياض.

تنجلي حالة الانهزامية التي كانت سمة أصيلة في شخصية غالب، فهو شخصية ضدّ بامتياز، تهيمن على معظم الشخصيات في الرواية، غالب وصديقه الفلبيني كونرادو، وفيصل، وداوود خاله، ودرية، وأم غالب بعد طلاقها، ثم حالة الثراء التي حلّت على زوجها أبوغالب أصابتها بانهزامية خاصّة وأوضاع زوجها الموظف الحكومي انتكست فدخلت في حالة انهزامية توجتها بدعائها على غالب قبل سفره بألا يعود، ومن أبها كانت شخصية ثابت صديق والده الذي ارتضى البقاء في قريته دون أن يبارحها إلا للضرورة رغم كافة المغريات التي جاءته، ففي حديثه مع غالب لم يكن ناقما بل كان متصالحا ومستسلما للهزيمة. الشخصية الوحيدة التي نجت من الانهزامية هي غادة، حيث استطاعت أن تكون شخصية إشكالية قاومت التقاليد بعلاقتها بغالب، وقاومت مؤسسة الزواج ومللها بالتمرد والتحليق في علاقات مع غالب، وعندما اكتشفت زواج زوجها، هجرته ثم عادت بشروطها التي أوصلتها لوسيطها.

إن انهزامية الأشخاص ناتجة عن واقعها المفرط في الرفاهية، وحالة سلمان الذي صار متحكما في مال أبيه بعدما فقد الأب الثقة في ابنه الأكبر غالب، هي مثال لذلك. وتنتهي الرواية بحالة سلام نفسي على الأقل لدى الرّاوي على عكس بدايتها، فيواسى سلمان الذي بكى بعدما تبيّن حالة والده المادية. وكأن موت الأب كان بمثابة استعادة لذاته المفقودة التي بحث عنها على النهر وفي مركز التدريب، واتضح في النهاية أنها كانت تائهة في سلطة الأب.

17