القنوات الفضائية الجزائرية أمام مقصلة الحكومة

تلوّح السلطات الجزائرية بإغلاق أكثر من خمسين قناة فضائية من أصل ستين بدعوى تنظيم القطاع الإعلامي، الأمر الذي اعتبره الصحافيون والمتابعون حلقة جديدة من حلقات التضييق الحكومي على وسائل الإعلام والحريات في البلاد.
الثلاثاء 2016/05/24
قضية مجمع الخبر فتحت شهية الحكومة لجر الفضائيات إلى نفس المصير

الجزائر- أعلنت الحكومة الجزائرية عن حزمة إجراءات جديدة تؤدي إلى إغلاق 55 قناة فضائية، لإنهاء ما أسمته “الفوضى” في هذا القطاع الذي يعاني من إشكالات عديدة، فشلت السلطات المختصة منذ سنوات في إيجاد حلول لها.

وأمر عبدالمالك سلال، رئيس الوزراء الجزائري، بتطبيق القانون بحذافيره، بهدف تطهير القطاع السمعي البصري حتى يتم تنظيمه بصفة رسمية في أقرب وقت.

وقال سلال، في كلمة له الاثنين خلال ندوة نظمها “الديوان الحكومي للملكية الفكرية” بالعاصمة الجزائر، إن هناك 60 قناة تلفزيونية خاصة، 5 منها فقط معتمدة، مشيرا إلى عزم الدولة على إغلاق كل القنوات غير المعتمدة.

ويعاني العاملون في قطاع الإعلام بالجزائر من عدم صدور مراسيم تطبيقية توضح كيفية تنفيذ مواد قانون الإعلام الذي صدر 2012، وقُدم على أنه بداية عهد الإصلاحات.

وقال سلال إنه لن يسمح بتجاوز القانون وبأنه سيطبق بصرامة وفي كل الظروف، منوها إلى أن القنوات التي ستلتزم ببنود دفتر الشروط ستعتمد كقنوات جزائرية تستفيد من الدعم والتشجيع اللذين ينص عليهما القانون.

وتبدو تصريحات سلال وكأنها تريد منح ورقة براءة للحكومة من مشاكل القطاع الإعلامي، وتجاهل الدعوات المتكررة لتوضيح آليات تطبيق القوانين الفضفاضة التي تسمح بالتجاوزات، وتفتح باب التأويل على مصراعيه لمحاسبة الصحافيين والتضييق على حرية الصحافة في البلاد.

ورصد رئيس مبادرة كرامة الصحافي رياض بوخدشة، في هذا الصدد، 11 مادة من قانون الإعلام لم يتم صدور النصوص التي تشرح كيفية تطبيقها، على الرغم من مرور 4 سنوات من دخول القانون حيز التنفيذ.

ولاحظ بوخدشة أنه “لم تشكل سلطة ضبط الصحافة المكتوبة ومجلس أخلاقيات المهنة وأدابها، وسلطة ضبط السمعي البصري، واللجنة الدائمة المنتخبة لبطاقة الصحافي المحترف، ولم يصدر القانون الأساسي الخاص بالصحافي”.

ويعتبر الصحافيون أن عدم تشكيل لجنة ضبط الصحافة المكتوبة أدى إلى وجود فراغ قانوني، باعتبار أن هذه السلطة هي المخولة بدراسة ملفات إنشاء الصحف ومنحها الاعتماد.

القنوات مطالبة بمطابقة أمورها مع قانون السمعي البصري الجديد، لكنها تخشى التعرض للمضايقات

وأدى تأخر تعيين سلطة ضبط السمعي البصري في الجزائر إلى استمرار الفوضى في الإعلام المرئي والمسموع، حيث ظهرت العشرات من القنوات الإخبارية والمنوعة، دون أن يكون لها الإطار القانوني الذي تنشط فيه.

ولمواجهة هذا الوضع، لجأ بعض المستثمرين إلى فكرة إنشاء قنوات خاصة خارج البلاد، وطلب ترخيص فتح مكاتب لها في الجزائر، مما يجعل من كل القنوات الخاصة حاليا أجنبية في نظر القانون رغم أن برامجها تخص فقط الجزائر.

ويقول المحامي والحقوقي بوجمعة غشير، “نظرا لكون المجال السمعي البصري محتكر من قبل السلطة في الجزائر، فإن العديد من القنوات التلفزيونية ظهرت لكنها تبث من خارج الوطن، ومسجلة في دول عربية أو غربية (مصر، الأردن، سويسرا، فرنسا..) وتعامل في الجزائر على أساس أنها قنوات أجنبية رغم أن مالكيها جزائريون، واهتمامها منصبّ على الشأن الجزائري”.

وأضاف غشير أن “هذه القنوات مطالبة بمطابقة أمورها مع قانون السمعي البصري الجديد، لكنها تخشى إن فعلت ذلك أن تتعرض لبعض المضايقات، كونها قنوات عامة في حين أن قانون السمعي البصري لا يجيز ذلك للخواص ويحصر نشاطها في موضوعات متخصصة”.

وينبئ هذا الوضع بتعميق حالة التضييق على حرية التعبير في الجزائر، رغم الخطاب الرسمي الذي يظهر عكس ذلك، حيث قامت السلطات في اليوم العالمي لحرية الصحافة بتنظيم احتفالات أشادت بالمكتسبات التي حققتها الصحافة الجزائرية في مجال الحريات.

ولفت سلال إلى أنه لن يقدم أي امتياز لبث قناة تلفزيونية بصفة غير شرعية، موضحا أن الخط الأحمر هو احترام مبادئ المجتمع الجزائري وكرامته. وتابع القول “نعم لحرية التعبير لكن ضد الابتزاز أو الضغط على كافة إطارات الدولة، نعم لحرية التعبير لكن ضد خطابات الفتنة ولغة العنف والكراهية، الشعب والحكومة سيكونان خصما لمن يريد استغلال مهنة الإعلام للمساس بالجزائر”.

ولم يخف سلال تضامن الحكومة مع وزير الاتصال حميد قرين الذي يواجه انتقادات واسعة بسبب اعتراضه على صفقة بيع المجمع الإعلامي الخاص “الخبر” إلى رجل الأعمال يسعد ربراب، حيث ينتظر أن يفصل القضاء في القضية، الأربعاء.

وهذا التضامن يضع حكومة سلال على الضفة الأخرى من الصحافيين الذين رفضوا هذه الدعوى واعتبروها إحدى آليات السلطة لإحكام قبضتها على الصحافة. ووقعت مجموعة من المثقفين والنشطاء الحقوقيين والكتاب الصحافيين، السبت، على بيان يعلنون فيه مساندتهم وتضامنهم ضد الممارسات التي تتعرض لها صحيفة “الخبر” من قبل السلطة.

وقال البيان، “إن الصحافة الجزائرية دفعت ثمنا باهظا في مشوار الدفاع عن حرية التعبير، والآن هي في مواجهة محاولة خنقها من طرف السلطة، وجريدة ‘الخبر’ معرضة للتحرش الممنهج والعنيد بإجراءات تدفع الجميع إلى الوقوع في فخ السلطة”.

وبدورها قالت الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان في بيان، إن حرية التعبير في الجزائر تعيش أدنى مستوى لها منذ إقرار التعددية الحزبية والإعلامية في الجزائر قبل أكثر من ربع قرن.

وأضافت الرابطة، أن السلطة تتعامل مع ملف الصحافة المكتوبة والسمعية البصرية، بارتباك غريب، فهي لا تريد السماح للإعلام بكل وسائله بأن يأخذ المدى الطبيعي الذي لا بد أن يكون عليه، فمن جهة تقول في عدة مناسبات إن هناك نية حقيقية للإصلاح والنهوض بالصحافة والإعلام، ومن جهة أخرى نلاحظ تشبث السلطة بمفهومها الخاص للإعلام والحق في الإعلام، أي السيطرة والتدخل بطرق عديدة ومختلفة في مخرجات المؤسسات الإعلامية واعتبارها امتدادا لها.

وبحسب آخر تصنيف لمنظمة “مراسلون بلا حدود” لحرية الصحافة في العالم لسنة 2016، تراجعت الجزائر في مجال الصحافة وحرية التعبير بعشر مراتب وحلت في المرتبة 129 بين 180 بلدا بعدما كانت في المرتبة 119 العام الماضي، وقال التقرير إن وضع حرية الإعلام في البلاد “قاتم”.

18