القنوات الليبية استنفدت معاجم الكراهية في التعاطي مع أزمات البلاد

تتحمل وسائل الإعلام الليبية وفي مقدمتها القنوات الفضائية مسؤولية كبيرة في تفشي الخطاب التحريضي والداعي للعنف، وهذا يُعدّ مؤشراً على مقدار اللامسؤولية في التعامل الإعلامي مع المرحلة التي تعيشها ليبيا.
الخميس 2017/08/31
لكل قناة أجندتها السياسية الخاصة بأحد أطراف الصراع

طرابلس - تحولت وسائل الإعلام الليبية، وخاصة المرئية منها، إلى إحدى أدوات الصراع عبر خطاب تحريضي يصب الزيت على نار النزاع المحتدم بين الأطراف المتقاتلة، في غياب أي نوع من المحاسبة أو الرادع القانوني والمهني.

وتناولت وحدة الرصد والتوثيق بالمركز الليبي لحرية الصحافة تعاطي القنوات الفضائية مع الأزمات المتتابعة في ليبيا. وقال أنها أمعنت بتبنّي منهج تحريضي مؤسف، يُستخدم في البرامج التلفزيونية ونشرات الأخبار، وهذا يُعدّ مؤشراً على مقدار اللامسؤولية في التعامل مع المرحلة التي تعيشها ليبيا، وغياب المنطق والموضوعية في التعامل مع الأزمات العنيفة التي تعصف بالبلاد .

وأوضح المركز أن القنوات التلفزيونية استخدمت جميع أساليب ومعاجم الكراهية والتحريض، وبلغ الأمر مع بعض مقدمي البرامج والناشطين والفاعلين السياسيّين إلى السبّ والشتم والتنميط والتحقير لأطياف مختلفة من المجتمع عبر شاشات التلفاز، في حين وُظّفت صور العنف والدماء ونُشرت تسجيلات إرهابية، وغير ذلك من الإخلالات المهنية الفظيعة التي يشهدها التلفزيون الليبي نتيجة غياب التنظيم القانوني ومجالس التعديل الذاتي.

وجاء تقرير ”إعلام زلحة لتغذية النزاع في ليبيا” ليظهر جلياً مدى استخفاف وسائل الإعلام التلفزيونية بعقل المشاهد الليبي ودرجة الوعي، وعملها وفق أساليب غير منطقية، لمحاولة الإقناع وتأجيج الوضع والتعبئة السلبية وتأليب الرأي العام دون مراعاة لهشاشة النسيج الاجتماعي وتفككه.

ويقول محمد الناجم الرئيس التنفيذي للمركز الليبي لحرية الصحافة: “إن التحدي الحقيقي أمام مالكي وسائل الإعلام ورؤساء التحرير هو إجراء الإصلاحات الشاملة في السياسات التحريرية وهو وقف هذا الخطاب المشبوه بحجج محاربة الإرهاب أو شعارات الثورة وغيرها، وعلينا جميعا العمل على الإصلاح الهيكلي والقانوني للقطاع بعد الانهيار والسقوط الذي يُعانيه، ولعل هذه النتائج بالدراسة البحثية هي لتعزيز دفاعات المجتمع وتوعيته بما يدور من حوله جراء الإخلالات المهنية التي تُرتكب بالفضاء العام“.

وإذا كان لكل طرف في الصراع الليبي مجموعاته المسلحّة ومؤسساته الخاصّة، فإن لكل طرف كذلك ترسانته الإعلامية وقنواته المرئية تحديدًا الموجّهة للترويج لأجندة هذا الفريق من جهة وللتحريض على خصومه من جهة أخرى.

وأصبح من المتعارف عليه أن الإعلام الليبي بات حربيًا بامتياز وهو ما يؤكده الصحافيون أنفسهم.

وتصدرت قناة التناصح القنوات الأكثر ممارسةً للإخلالات المهنية، بنسبة بلغت 25.08 بالمئة، تليها قناة النبأ بنسبة 24.44 بالمئة التي عادت إلى قائمة الرصد شهر أبريل بعد الهجوم الدامي الذي تعرضت له، إلا أنها لا تزال تمارس الخطاب ذاته وتبثّ مواد مرئية تُشجع على تمجيد الإرهاب والاقتتال.

محمد الناجم: التحدي الحقيقي أمام مالكي وسائل الإعلام هو وقف هذا الخطاب المشبوه

في حين تقدّمت قناة الحدث بنسبة تجاوزت 17 بالمئة، وهي إحدى الوسائل التي تمارس أشد أنواع التحريض والتضليل، وتروّج لأفكار ضد الديمقراطية وحقوق الإنسان، تليها قناة ليبيا 24 بنسبة 13 بالمئة التي تستخدم ذات الأسلوب بتوجه آخر يُعبّر عن رؤية لصالح أنصار النظام السابق، بينما حصدت قناة الإخبارية نسبة بلغت 10 بالمئة من الأساليب التي تستخدمها في التحريض والتضليل الإعلامي.

وقد تصدرت النشرات الإخبارية أكثر الأشكال التلفزيونية التي تقع فيها الإخلالات بنسبة بلغت 45 بالمئة، تليها البرموهات التلفزيونية بنسبة بلغت 28 بالمئة، ومن ثم البرامج السياسية بنسبة بلغت 15 بالمئة، ومن المؤسف أن تتصدر القنوات التلفزيونية الأكثر إنتاجاً الخروقات المهنية بنسبة بلغت 44 بالمئة، يليها مقدمو البرامج بنسبة بلغت 40 بالمئة.

وتتصدر “الاتهامات دون حجج” قائمة الإخلالات المهنية المرصودة في القنوات تليها حالات السب والتشهير وتتمثل بقية الإخلالات المرصودة بالدعوة للانتقام والإقصاء، وبث الإشاعات، التضليل الإعلامي، الوصم والتحقير، وعدم احترام كرامة الإنسان.

ويُعطي التقرير رسالة واضحة لأقطاب الإعلام الليبي بمختلف توجهاتهم، ومالكي هذه الوسائل الإعلامية المختلفة ومموليها، بأن يوقفوا ممارستهم اللامهنية وتوظيف التلفزيون لتوجهاتهم في إدارة وإشعال الصراع وتأجيج الرأي العام، ليصبح التلفزيون الليبي ساحة لتصفية الخلافات دون مساءلة قانونية أو عرف أخلاقي.

وأكّد المركز الليبي لحرية الصحافة مرارا على مسألة استفحال خطاب التحريض والكراهية في الإعلام الليبي، دون أن يكون هناك أي تجاوب من السلطات أو الجهات المعنية لوقف هذا الانفلات المهني.

كما كشف المركز مدى احتكار المال السياسي للقنوات الفضائية لتوجيه الرأي العام، وهو ما يزيد منذ سنوات في تأجيج الصراع، حتى بات المنبر الإعلامي بمرتبة القذيفة إن لم يكن أكثر خطورة. وتعود هذه الفوضى الإعلامية لغياب جهات رقابية وتعديلية وذلك انعكاسًا لحالة الانقسام المؤسساتي في البلاد بوجود ثلاث حكومات متصارعة في البلاد.

ويمثّل اليوم تجاوز خطاب الكراهية شرطًا جوهريًا لتعبيد الطريق نحو المصالحة الوطنية في البلاد. إذ يجب إيلاء ملف الإعلام الأهمية القصوى من طرف جهات الوساطة والقوى السياسية والاجتماعية في البلاد خلال هذه الفترة، للوصول لتهدئة إعلامية على المدى القريب تفرض تخليًّا عن خطاب التحريض والكراهية، بما يهيئ لمناخ صحّي لانتهاء الاقتتال وتحقيق المصالحة. كما يجب، في الأثناء، العمل على وضع تشريعات رادعة وإنشاء مؤسسات رقابية مختصة لضمان إعلام نزيه ومهني على المدى البعيد.

يذكر أن منظمة اليونسكو قامت بعدة مبادرات بهدف وضع مبادئ توجيهية بشأن خطاب الكراهية في الإعلام الليبي، من خلال اجتماعات لعدد من مديري وسائل الإعلام والصحافيين الليبيين في العاصمة التونسية للسماح لوسائل الإعلام بالتعرف على معايير مشتركة، من أجل تشجيع الالتزام المهني وتجنب التحريض. وهي جزء من استراتيجية اليونسكو المستمرة لتعزيز قدرات العاملين في مجال الإعلام الليبي ومساهمتها في بناء السلام والمصالحة الوطنية وإنجاز التقارير التي تراعي حساسية الصراع.

18