القنوات المصرية تستعيد مشاهديها من بوابة الدراما القديمة

الأعمال الحديثة شهدت تدهورا شديدا حيث لم يتمكّن صناعها من توفير مجد مقارب لما حقّقته روائع الدراما القديمة.
السبت 2020/09/12
مسلسل قديم لمشاهد جديد

تقبل القنوات التلفزيونية المصرية بقطاعيها العام والخاص في الفترة الأخيرة على إعادة بثّ عدد من مسلسلات “الزمن الجميل” التي تلقى إقبالا كبيرا من المشاهدين، فيعيد محبّوها مشاهدتها فيما يكتشفها آخرون للمرة الأولى.

القاهرة- لم يكن غريبا أن تشهد الأشهر القليلة الماضية عودة قوية لعروض الدراما القديمة في عدد من الفضائيات المصرية والعربية، بتقديمها الروائع السابقة المعروفة التي طالما أمتعت جمهور المشاهدين.

ويبدو اللجوء إلى مسلسلات حقبة الثمانينات والتسعينات حلا لزيادة أعداد المشاهدين القابعين في بيوتهم تطبيقا للتباعد الاجتماعي الذي فرضته كورونا. كان من الواضح أن توقف إنتاج معظم المسلسلات نتيجة الفايروس المباغت، سيؤدّي إلى فترات فراغ قد تطول، خاصة في فضائيات الدراما، التي وجدت لديها مساحات زمنية خالية ما يدفع إلى البحث عن بدائل ملائمة للحفاظ على الجمهور.

وأصبح شراء مسلسلات العرض الثاني والثالث حلا مجديا، فالمشاهد لا يقوم بالإقدام على المشاهدة إلاّ بعد قراءة ما طرح من رؤى نقدية حول مسلسل ما بعد عرضه الأول كي لا يتورّط في متابعة عمل يشعر بضعف مستواه.

وضربت الفكرة عدة عصافير بحجر واحد، فقد تناسبت مع ضغوط مالية شديدة الوطأة واجهتها الكثير من الفضائيات نتيجة تراجع عائداتها في فترة الجائحة، ما جعلها غير قادرة على شراء مسلسلات حديثة، حتى لو كانت في العرض الثاني أو الثالث. ناهيك أن عددا من الفضائيات لم تسدّد ديونها المستحقة عليها منذ سنوات.

رسالة نقد مبطنة

الدراما الحديثة أعلت من شأن النجم الواحد على حساب المضمون
الدراما الحديثة أعلت من شأن النجم الواحد على حساب المضمون

إذا كان البعض يقدّر قيمة العرض الأول لأي مسلسل جديد على الساحة العربية بما يتراوح بين ثلاثة وأربعة ملايين دولار، فإن قيمة عرض أي مسلسل قديم قد لا تتجاوز ثلاثة آلاف دولار.

في الوقت ذاته، بدا الأمر كرسالة نقد مبطنة موجهة للدراما الفنية الآنية، والعاملين فيها من ممثلين ومخرجين ومؤلفين وموسيقيين، وغير ذلك، إذ يرى البعض أنها شهدت مؤخرا تدهورا شديدا، حتى أن صناعها لم ينجحوا في توفير مجد مقارب لما حققته روائع الدراما القديمة، عندما كانت تخطف اهتمام وانتباه المشاهدين في معظم الدول العربية، فيحتشدون أمام الشاشات سعيا وراء المتعة.

ولامست إعادة عرض المسلسلات القديمة حنينا جارفا لدى قطاع كبير من الجمهور نحو الماضي بكل ما فيه من مكونات، سواء كانت مشاهد أو عادات وسمات مجتمعية ومظاهر زمنية وشخوص وأعمال فنية.

وأكّد ذلك مصطلح شائع يتم تداوله، وهو “زمن الفن الجميل”، مركزا على أن الزمن الفائت كان بالضرورة زمنا أكثر جمالا وأعلى ذوقا من الزمن الآني.نموذج الأم الأصيلة

وتماهى ذلك مع تصوّرات شعبية تسود المجتمع العربي مفادها أن القديم دوما أفضل من الجديد، والسابق أجمل من الحالي، وكل ما مضى ينطوي على لذات إنسانية ومشاعر دافقة مليئة بالرضا والسعادة.

وتترجم بعض الأمثال الشعبية المتداولة في مصر وبعض الدول العربية ذلك التصوّر، فيقال مثلا “من فات قديمه تاه”، ويقول آخر “التاجر عندما يفلس، يفتش في دفاتره القديمة”، وكأن الحل دائما في الارتداد إلى الماضي.

وقبل شهر واحد، تلقيت سؤالا غريبا من ابنة شقيقتي ذات التسعة سنوات، التي تتصوّر بحكم شغلي أني ملم بكل شيء، سألتني الفتاة الصغيرة عمّا أعرفه عن رأفت الهجان، وهو اسم مسلسل مصري شهير يستعرض جانبا من حرب الجاسوسية بين مصر وإسرائيل.

أجبت سؤال الصغيرة بسؤال آخر عمّا تعرفه هي عن الرجل، ومن أين عرفته؟ فحكت لي ما قدّمه المسلسل الشهير من رواية لحكاية أشهر جاسوس مصري في إسرائيل، وهو رفعت الجمال، ثم أخبرتني أمها أنها تتابع منذ أيام بشغف شديد حلقات المسلسل الذي يعاد بثه مرة أخرى على إحدى الفضائيات.

ردتني الإجابة إلى زمن انقضى، كنا نتحلق فيه ونحن صبية أمام الشاشات في شهر رمضان لنتابع ما فعل ذلك الجاسوس الوسيم مع الأعداء.

أتذكّر جيدا كيف كنا ننفعل بمشهد، ونكتم أنفاسنا مع آخر، ونحلم بيوم نعمل فيه جواسيس وطنيين، ونسافر، ونخاطر، ونصاحب الجميلات، ونفكّر بدهاء. كان كل منا يرسم في ذهنه صورة للبطل السري تشبه بطل المسلسل الفنان الراحل محمود عبدالعزيز، بنظراته الناعمة، وأناقته اللافتة، وحديثه اللطيف.

أسعدني التذكّر، فعدت أبحث عن دراما ساحرة ما زالت بعض مشاهدها محفورة في ذاكرتي، لأجد العشرات من المسلسلات الجميلة العذبة تُعرض بانتظام وتبثّ في تتابع رائق، رغم بدائية الصورة في بعض الأحيان.

بضغطة زر صار بوسعي استعادة أعمال رائعة وخالدة مثل “ليالي الحلمية” بأجزائها الست، و“المال والبنون”، ومسلسل “هو وهي”، و“أرابيسك”، و“ذئاب الجبل”، و“هند والدكتور نعمان”، وغيرها من الروائع.

مشاهدة رائقة

استثمار الدراما المنسية لجذب المشاهدين
استثمار الدراما المنسية لجذب المشاهدين

انجرفت أُقلّب بحثا عن ذكرى هنا أو لفتة هناك، واندفعت شغفا إلى مشاهدة حلقة كاملة من مسلسل “الشهد والدموع”، المنتج عام 1985، حيث يدور الصراع بين الخير والشر، بين النبل الإنساني والغبن في نفوس بشر انتهازيين.

بدت مشاهد الفنانين رائقة تحمل الطلات الأولى ببراءتها، وصدقها الفني، وشعرت بأن الفنانة عفاف شعيب، بطلة المسلسل، نموذجا غائبا للأم الأصيلة بطيبتها وعزتها وحنوها على أبنائها وبأسها في صيانتهم والدفاع عنهم.

لم يقتصر الأمر على الفضائيات الخاصة، وإنما امتد إلى فضائيات حكومية حملت كلمة “زمان” لتبث أعمالا درامية وفنية سابقة كانت يوما جاذبة بجمالها وروعتها، ويبدو أن العاملين على إدارة تلك الفضائيات فطنوا إلى إمكانية استعادة قطاع من المشاهدين اعتمادا على ثروات الدراما المنسية.

إن أعمالا فنية عظيمة قدّمها فنانون عظام، تميزوا بإمكانات رائعة، تشابكت مع قصص معبرة عن قيم أصيلة في المجتمع، لتصنع تراكما إبداعيا أثّر في أجيال وأجيال، وما زالت تلك الأجيال تنظر إلى تلك الأعمال نظرة رضا بل ونظرة إكبار وتقدير، موقنة أنها لن تتكرّر مرة أخرى.

زمن الفن الجميل، ليست عبارة زائفة، فالثمانينات والتسعينات مثلت بالفعل حقبة انتعاش حقيقي لفن الدراما المصري. وليس هناك دليل على ذلك أكثر حجية من اهتمام أطفال ولدوا بعد عواصف الربيع العربي بمتابعة مسلسل كتبه المؤلف الراحل صالح مرسي من ملف صغير لم يتجاوز بضعة ورقات قدّمها له جهاز المخابرات المصرية ليرسم منها عوالم ملحمة إنسانية ممتعة ومدهشة.

وتأكّد أن وقوف الدولة خلف الإنتاج التلفزيوني أفضل كثيرا من قيام شركات القطاع الخاص بالإنتاج في الزمن الحالي، فعندما تنتج الأولى، تركّز على القيمة الفنية الممتدة جيلا بعد آخر، بينما تستهدف الشركات الخاصة في أعمالها الربح العاجل، وهو أمر لا يعيبها، لكن يضعف قيمة العمل.

الفن الجميل

ويهتم الإنتاج الحكومي غالبا بالقصة وما تبثّه من قيم، وما تتركه من آثار نفسية واجتماعية على المشاهد، ويراعي التنوّع والتقارب بين فريق العمل. أما الشركات، فتلجأ أولا إلى نجم جماهيري معروف، وتعتبر باقي تفاصيل العمل من الثانويات، بما فيها محتوى القصة، وفي الغالب لا تتجاوز ثيمات مكرّرة يمكن التعرّف عليها من مشاهدة حلقة واحدة من مسلسلات الفنان محمد رمضان، الذي يصف نفسه بأنه “نمبر وان” أو رقم واحد.

يمكن القول إن الزمن الجميل المنقضي كان جميلا بمبدعيه وفنانيه المدهشين، خاصة من كتاب السيناريو الذين كانت الكتابة التلفزيونية بالنسبة إليهم إبداعا وجمالا يتحقّق، وليست مجرد عمل نظير أجر مالي.

ويمكن ببساطة التدليل على ذلك من عدم معرفة الجمهور العام بأسماء مؤلفين وكتاب سيناريو مسلسلات اليوم، بينما كنا وما زلنا نحفظ أسماء الكتاب الكبار أمثال أسامة أنور عكاشة، ومحمد صفاء عامر ومصطفى محرم.

ويمتد الجمال المستحق إلى أغاني تترات المسلسلات، والتي كان يكتب كلماتها شعراء متميزون، مثل سيد حجاب وعبدالرحمن الأبنودي، وكان يغنيها مطربون لهم أصوات عذبة، مثل محمد الحلو، وعلي الحجار، ومدحت صالح وحنان ماضي.

ثمة سبب آخر يجعل المشاهد أقرب إلى متابعة الدراما القديمة والاهتمام بها وتفضيلها على الجديدة، يتمثل في طول مساحات الإعلانات الموزّعة عبر كل حلقة في الأعمال الحديثة، ومعروف أن أي مسلسل يُعرض للمرة الأولى يتم قطعه لمرات عديدة بأوقات طويلة لتحقيق عائدات تُكافئ القيمة المالية المدفوعة فيه، إلاّ أن المسلسلات القديمة تُعرض في الغالب دون انقطاع، حيث يُكتفى بالإشارة إلى عرضه برعاية الشركة الفلانية، ويقتصر ذلك على ما قبل مقدّمة المسلسل، وبات الأفضل للكثير من المشاهدين توفير جانب معقول من الوقت من خلال تجنب مشاهدة كم ثقيل وممل من الإعلانات كل يوم.

15