القنيطرة المغربية: ملتقى الطرق التجارية الرئيسة و"حلق المعمورة"

الاثنين 2013/08/19
آثار قصبة المهدية ذاكرة القنيطرة الحية

المغرب- أشرف وزير الثقافة المغربي أواخر شهر يوليو على تدشين معرض ثقافي وتاريخي، يعد بمثابة كتاب مفتوح على ذاكرة مدينة القنيطرة خلال النصف الأول من القرن العشرين وإلى غاية عهد الاستقلال.

ويشكل المعرض مناسبة لرصد جانب من التراث الجماعي لمدينة القنيطرة، من خلال صور تؤرخ لجانب من تاريخ الوجود الفرنسي وذاكرة الميناء التجاري وميناء البحرية الفرنسية والميناء النفطي والسكة الحديدية والتعمير والمباني السكنية والبنايات الإدارية الأولى بالمدينة.

وتستمد القنيطرة اسمها من القنطرة الصغيرة التي كانت تمتد فوق بحيرة الفرات والتي حطمت سنة 1928، أطلقت السلطات الاستعمارية الفرنسية على المدينة اسم "بورت ليوطي" سنة 1933، واسترجعت اسمها الحقيقي بعدما استرجع المغرب استقلاله من الاستعمار الفرنسي سنة 1956، كما كانت تسمى "حلق المعمورة" و"حلق سبو" وعرفت الاحتلالين البرتغالي سنة 1515 والأسباني سنة 1614، وتمكن السلطان إسماعيل من تحريرها سنة 1681.

وفي عام 1912 تم توقيع اتفاقية فاس بين السلطان عبد الحفيظ والحكومة الفرنسية، أعطى السلطان الجيش الفرنسي كل الصلاحيات لقمع القبائل الأمازيغية المتمردة ضد طغيان حكومة المخزن، وأصبحت القنيطرة مركزا تجاريا كبيرا استعملته سلطات الحماية لاستيراد ترسانتها العسكرية من فرنسا لأنها موجودة بالضفة الجنوبية لنهر سبو أي على بعد 12 كلم من المصب بالمحيط الأطلسي عند مصطاف المهدية.

ويعتبر صدور قرار الإقامة العامة في فاتح يناير 1913، والذي تم بموجبه فتح ميناء القنيطرة النهري للملاحة التجارية منعطفا حاسما في تقوية وتعاظم دور مدينة القنيطرة واتساع نفوذها ومجال إشعاعها.

و احتل الأميركيون مطار القنيطرة العسكري من سنة 1942 إلى سنة 1947، وبعد ذلك تم توسيع المطار العسكري لمدينة القنيطرة ليصبح قاعدة جوية كبرى تحت قيادة وزير الدفاع الأميركي آنذاك لويس جونسون لتشمل أكثر من عشر آلاف جندي أميركي وتكون بهذا العدد ثاني أكبر قاعدة عسكرية أميركية في العالم خارج الولايات المتحدة الأميركية.

مرت حضارات وشعوب عديدة من القنيطرة كالأميركيين والفرنسيين، في حين بقيت بعض آثار الوجود الفرنسي ماثلة إلى اليوم بالمدينة، تلاشت بصمات الوجود الأميركي، إلا بعض البقايا التي يمكن تعقبها من خلال الروايات الشفاهية وبعض الصور في الحانات والنوادي التي كان يرتادها الأميركيون. ومن بين ما تركه الأميركيون مكان غير معروف يتمثل في قبر الجندي المجهول في مدخل قصبة المهدية، بجانب تمثال لسمكة وضعت شعارا لوجود المرسى البحري بالشاطئ، وسبب وجود هذا القبر، برأي محمد بلاط، أستاذ التاريخ المهتم بأحداث القنيطرة، يكمن في المواجهات الضارية التي شهدتها قصبة المهدية بين الفرنسيين والأميركيين بداية الأربعينيات من القرن الماضي.

وأصبحت القنيطرة عاصمة إدارية ومركز إشعاع لمنطقة شاسعة تضم مدن الغرب مثل الشراردة وزمور زعير منذ استقلال المغرب نظرا لوزنها الديموغرافي في المملكة ولأهميتها صناعيا وتجاريا وخدماتيا، وعملت الدولة المغربية على ترقية مدينة القنيطرة منذ 1965 إلى عاصمة إدارية بامتياز لمنطقة شاسعة ضمت إضافة إلى إقليم القنيطرة إقليمي الخميسات وسيدي قاسم الحاليين.

وشكلت جهة الغرب (الشراردة، بني حسن) بحكم موقعها بين شمال المغرب وجنوبه، وكذا مؤهلاتها الطبيعية محطة عبور واستقرار بالنسبة إلى العديد من الحضارات عبر حقب مختلفة من التاريخ، فهي تزخر بالعديد من المواقع والمعالم الأثرية التي تشهد على الماضي الزاهر للمنطقة.

ويوجد بالمدينة عدة مواقع أثرية منها موقع "تموسيدة" أو سيدي علي بن أحمد الذي يقع على الضفة اليسرى لنهر سبو أي على بعد 10 كلم من مدينة القنيطرة، ويرجع استيطان الإنسان بالموقع إلى فترة ما قبل التاريخ كما تدل على ذلك البقايا الأثرية التي تم الكشف عنها بالمنطقة.

وأبانت الحفريات التي أجريت بالموقع على بقايا منازل ترجع للفترة المورية وعدة أواني فخارية ترجع في غالبها للنصف الأول من القرن الثاني قبل الميلاد، وقد كشفت الأبحاث الأثرية التي تجري حاليا بالموقع على بقايا من الفخار المغربي القديم.

وخلال العهد الروماني عرفت المدينة تطورا عمرانيا مهما، كما تميز الموقع بإنشاء معسكر روماني إضافة إلى منشآت عمومية نذكر منها المعبد والحمامات والمباني الخاصة، وخلال الربع الأخير من القرن الثاني الميلادي، أحيطت المدينة بسور يحتوي على عدة أبواب وأبراج.

أما الموقع الأثري الثاني فهو قصبة المهدية التي تقع عند مصب وادي سبو، على المحيط الأطلسي، على بعد 12 كلم من مدينة القنيطرة، وقد بنيت فوق منحدر صخري ولا زالت أطلال أسوارها بارزة إلى اليوم على الساحل الأطلنطي وذلك من أجل التحكم في هذه المنطقة الساحلية وحمايتها.

تاريخ هذه المدينة لا زال يلفه الغموض، فبعض المؤرخين اعتبروا قصبة المهدية موقعا قرطاجيا يرجع إلى القرن الخامس ق. م، والبعض الآخر يرجع تاريخ تأسيسها إلى بني يفرن، وحاليا هناك مجموعة من البنايات لا زالت بارزة داخل القصبة والتي تجسد أهمية الموقع منها السور والبابين اللذان يربطانها بالخارج.

بالإضافة إلى هذه البنايات، تضم القصبة بعض البنايات الأخرى ذات الطابع الهندسي المتميز، نذكر منها منزل القائد الريفي والذي بني خلال القرن السابع عشر الميلادي وحمامه الخاص ذا النمط الأسباني الموريسكي، ومخازن المياه والسجن والمسجد وكذلك مجموعة من الفنادق والمحلات.

12