القهر والتسيب كلاهما خطر على بنية الأبناء النفسية والجسدية

السبت 2015/03/21
الأطفال الذين يتعرّضون للقسوة داخل الأسرة يعانون من الاكتئاب

القاهرة - القهر الاجتماعي الذي تمارسه الأسرة أو المجتمع مع الأبناء يعدّ سمة أساسية في المجتمعات الفقيرة والمتخلّفة، كما يعدّ سببا رئيسيا في السقوط في هاوية الإدمان على المخدرات بأنواعها وتزيد ممارسة العنف مع الأطفال من حالات الرسوب أو الانتحار.

أكد الدكتور أحمد أبوالعزايم، أستاذ الطب النفسي ونائب رئيس الجمعية الدولية للطب النفسي، أن القهر والتسيّب من جانب الأسرة كلاهما خطر على بنية الأبناء نفسيا وجسديا وهما البذرة الأولى لسلوك اجتماعي شاذ وطباع تنحو نحو الجريمة والعنف والإيذاء الجسدي والعاطفي والاعتداء الجنسي.

ودعا الدكتور أبوالعزايم الآباء والأمهات إلى اعتماد منهج وقائي قبل الوقوع في المشاكل والأزمات وتنمية السلوك الصحي النفسي عند الناشئة لما له من أثر جيد على حياتهم النفسية، مشيرا إلى أن إحساس الطفل بالأمان والطمأنينة والحب داخل الأسرة هو خط الدفاع الأول له، حيث ينعكس ذلك على سلوكياته، بينما الطفل الذي ينشأ وسط أسرة لا تمنح الحب والأمان تدفع به في المستقبل للاعتماد على العقاقير والكحوليات لتكون وسائل دفاعية غير ناضجة في شخصيته.

وأكد على أن الأسرة هي محور بناء الطفل والابن بناء سليما نفسيا وجسديا، وباعتمادها المنهج الوقائي في التنشئة، نكون قد تخطينا مشكلة مستقبلية يمكن أن يقع فيها هؤلاء الأبناء، وإذا نظرنا إلى الأطفال الذين يولدون لأمهات تدمن الكحوليات، فإن احتمالات موتهم نتيجة التسمّم بهذه الكحوليات مرتفعة ويمكن أن يصاب الطفل باضطرابات مرضية في فترة تكوين الجنين، كما أن الحالة النفسية للأم أثناء فترة الحمل تمثّل خط الدفاع النفسي الأول للطفل القادم للحياة، لأنه في حالة اضطرابها انفعاليا، فإن ذلك يؤدي إلى اضطرابات في بيئة الجنين من خلال ارتفاع نسبة الأدرينالين في دم الأم وبالتالي ارتفاع نسبته المدفوعة إلى الجنين مما يؤدي إلى ارتفاع درجة الحساسية عنده، ولذا يولد طفل ذو نمط انفعالي شديد وكل الأدلة تشير إلى أنه غير مستقر نفسيا ويندفع للاعتماد على المخدرات والكحوليات أكثر من الطفل المستقر نفسيا.

معظم الآباء يبدأون معايشة صراع الاستقلال مع أطفالهم بداية من سن الثانية، وتستمر في طفولة وشباب أبنائهم

وأشار الدكتور إلى أن القهر وعكسه التسيب من أكثر الوسائل التي تؤدي بالشاب أو الفتاة أو الطفل إلى إتباع سلوك شاذ وإلى طباع سيئة تعود على هذا الابن وعلى أسرته وعلى مجتمعه بالسلب.

وأوضح أنه في الأسر التي يكون فيها القهر هو السائد، فإن الوالدين يصبحان عقلا وإرادة للطفل فينزعون إرادته ويحطّمونها فيكون بهذا سهل الانقياد لمجموعات فاشلة دراسيا واجتماعيا تقوده نحو الإدمان أو السرقة والعنف.

أما بالنسبة للأسر التي تتميّز بالتسيّب في تربية أبنائها وتبالغ في تدليلهم، فإنها ترتكب جرما لا يقل بشاعة عن الأسر التي تقهر أبناءها، فهذا التدليل يعطيهم الفرصة ليفعلوا ما يريدون، ومن هنا يفشلون في أن يتحكّموا في تصرُفاتهم وفي احترامهم لذواتهم، ولا يتحكّمون في سلوكهم لعدم قدرتهم على التمييز بين ما يضرهم وما ينفعهم.

وكشف أن إحساس الطفل بالأمان والطمأنينة والحب النابع من داخل الأسرة يعدّ هو خط الدفاع الأول له، حيث ينعكس ذلك على سلوكياته، بينما الطفل الذي ينشأ وسط أسرة لا تمنح الحب والأمان، تدفع به في المستقبل للاعتماد على العقاقير والكحوليات لتكون وسائل دفاعية غير ناضجة في شخصيته، وقد أثبتت الأبحاث العلمية أن ثلثي من يتم علاجهم من الإدمان قد عانوا من الإيذاء الجسدي أو العاطفي أو الاعتداء الجنسي أثناء الصغر، ولكن في حالة حدوث الاعتداء في سن صغيرة، فإنه من الصعب الحكم على هذا العامل باعتباره أن هناك أسبابا أخرى مصاحبة قد تؤدي إلى السقوط في الإدمان كالفقر والتفكك الأسري.

الدكتور أحمد أبوالعزايم: ثلثا من يتم علاجهم من الإدمان عانوا الإيذاء الجسدي أو العاطفي أثناء الصغر

ووجدت أبحاث علمية أن الأطفال الذين يتعرّضون للقسوة داخل الأسرة ينشئون قليلي الاحترام للنفس ويعانون من الاكتئاب، وحول هذا الموضوع أوصى الدكتور أحمد أبوالعزايم بأن لا يواجه الوالدان انفعال الطفل بانفعال مضاد يتمثّل في الضرب والقسوة، ولكن على الوالدين ضبط النفس وألا ينعكس ويتطوّر هذا الانفعال إلى الضرب وترك المكان مؤقتا حتى يمكنهم إيجاد البديل أو الحل للمشكلة بدلا من الضرب والعنف.

مشددا على أن الضرب في حقيقة الأمر يعكس مشاكل أخرى لدى الوالدين، فعادة قد تضرب الأم طفلها العنيف دون أن تجد حلا لمشكلته، لأنها مشغولة في المطبخ مثلا ولا تجد لديها الوقت الكافي للإقناع، أما في حالة ما إذا تشاجر الأطفال مع بعضهم أو غيرها من المشكلات التي تحدث بينهم، فإن الأم تلجأ إلى الضرب نتيجة لحالة التوتر التي تسيّطر عليها فهي لا تبحث عن حل لمشكلة الطفل، ولكنها تحاول أن تحل هذه المشكلة بالضرب.

وأشار إلى أن معظم الآباء يبدأون معايشة صراع الاستقلال مع أطفالهم بداية من سن الثانية وتبدأ حرب الإرادة التي تستمر في فترة طفولة وشباب أبنائهم، ويمكن للآباء تحويل حياتهم من معارك خاسرة إلى قوة في اتجاه بناء وتحضير أبنائهم لكي تكون مرحلة نضجهم سريعة لصالحهم وصالح أبنائهم في ذات الوقت، وتعديل سلوكيات الطفل تحتاج إلى مهارة وفكر خلاق من الأبوين في استجابتهم ورؤيتهم لمطالبه السلبي، وبدلا من النظر إلى سلوكه على اعتباره أنه سلوك سلبي وأنه سيء التصرف، فإنه يجب على الوالدين تحويل تلك السلوكيات السلبية إلى إيجابية، وذلك من خلال البحث عن الوسائل التي تقوّي وتدعّم سلوك الطفل.

وحول إمكانية أن يحول القهر الطفل إلى شخصية انتقامية في المجتمع، قال الدكتور أبوالعزايم إن الأطفال الذين يتعرّضون للقهر أو التخويف أو الضرب نجدهم يعمدون إلى القوة للانتقام وقد يوجّهون الأذى للآخرين لأنهم يشعرون بالألم والانتقام عندهم يحدث في سن الثانية من خلال بصقهم للطعام وقلبهم للأطباق بيدهم، والانتقام في سن الـ16 يكون بتعاطي المخدرات والرسوب في الامتحانات والانتحار والأطفال عندما يمارسون معارك القوة وسلوكيات الانتقام فإنهم يفعلون ذلك لأنهم عاجزون ولا يجدون أسلوبا إيجابيا للتواصل مع المجتمع.

21