القهوة.. أخت الوقت

السبت 2016/10/08

القهوة خيال وسفر يومي إلى مدن الدهشة، وهي المكان الذي تختاره وحدتك بعناية فائقة، لتعقد في حضرتها جلسة سرية تغفر لك فيها كل سخافات اليوم السابق دون محاكمة. لا تتذكر متى وكيف؟، لكن هذا السائل الداكن قد يشبه كثيرا وجها ضيّعته في الزحام، رحيقا سارحا من قارورة عطر قديمة أو صوتا لخريف بعيد تلمحه ولا تستطيع أن تقبض عليه، تطارده في الرائحة التي ترتديك ودهشة المذاق وخطوط البخار المتعرجة وهي تغادر الفنجان لتبحث عن شيء ما لا تعرفه، فيراوغك بريقها في ملامح حلم قديم.

استغرقت مني عملية البحث في المصادر ثلاث ساعات وأربعة فناجين من القهوة التركية وكأسا كبيرة من الكابتشينو، في محاولة فاشلة للتوصل إلى حل لغز القهوة وظروف اكتشافها ومنشئها وأنواعها وسبب استعبادها هذا العدد المهول من البشر، الذين استساغوا طعم أغلالها وعشقوها. أما هؤلاء فهم، بحسب المصدر الأخير، سيعيشون أكثر من غيرهم، وهو الاكتشاف الأقرب إلى قلبي، والأمر طبعا لا يتعلق بسنوات إضافية من العمر بقدر ما يتعلق بالفرص المتاحة لاستهلاك المزيد من هذا المشروب الرائق أطول وقت ممكن.

تقول إحدى الأساطير بأن راعي غنم في إثيوبيا واسمه كالدي اكتشف أن قطيعه بدأ يتصرف بطريقة غريبة أثناء تناوله نباتا غريبا عرف في ما بعد بأنه بذور قهوة. القطيع كان قد تناول كميات من القهوة النيئة قبل أن يتاح للإنسان تحويرها بالطرق المعروفة حتى وصلتنا بين محمص ومطحون، ومع ذلك مازلنا نتصرف بغرابة تحت تأثير سحرها الذي لا يشبهه شيء في الكون.

على الرغم من أنها تاريخ بداية كل الأيام، إلا أن الأول من أكتوبر هو اليوم العالمي للاحتفال بالقهوة، حيث يتم استغلاله لدعم تجارتها وزيادة الوعي حول مشاكل زراعة البن. ومنذ سنوات اتخذت القهوة أسماء وأشكالا غريبة بمزجها بعناصر أخرى كالسكر والحليب والشيكولاتة، فظهرت أنواع مثل الكابتشينو، الموكتشينو، والإسبريسو والتي تعد أساس البعض من مشروبات القهوة الأخرى مثل كافيه لاتيه والقهوة الأميركية.

الكابتشينو مثلا هو مشروب قهوة إيطالي يصنع على قاعدة خلطه مع الإسبريسو مع رغوة الحليب على البخار، أما الإسبريسو فيتكون من القليل من الماء المغلى مع حبوب البن الأصلية المطحونة ويحتوي على نسبة كافيين عالية. كل هذا وأكثر نجده في أجمل الأدوار التي لعبتها القهوة في السينما. كان ذلك في الفيلم الأميركي “لديك بريد” لتوم هانكس وميغ رايان، الذي يتحدث عن علاقة بين بائعة الكتب المثقفة والمنافس التجاري لها، حيث تدور البعض من مشاهده في أحد المقاهي المشهورة “ستاربكس” وهي شركة المقاهي الأميركية الرائجة، التي افتتحت للمرة الأولى في سياتل عام 1971.

القهوة ذاتها هي التي جعلت البطل يفتتح مكتبته الكبيرة ويتسبب في خسارة منافسته، حيث استطاع أن (يسحب) زبائنها من خلال تقديم القهوة في ركن أنيق، ليفسح لهم الاستمتاع بالقراءة أثناء تذوق الكابتشينو الفاخر!، إلا أن المقاهي المنتشرة على امتداد الشارع ذاته كانت سببا آخر للقائهما وتتويج عداوتهما بقصة حب رومانسية.

لكن مهما تعددت المذاقات والإضافات يبقى لنكهة القهوة العربية والتركية سّرها الخاص. ويحدث هذا الأمر يوميا، حيث يحلو لنا ارتشاف فناجين لا حصر لها من القهوة الممزوجة برماد الحروب ورائحة الدماء وخيبات الأمل، مثلما حدث في حكاية عشق كبيرة وصفها محمود درويش ذات صباح قائلا “القهوة أُخت الوقت. تُحتَسى على مهل.. على مهل.. القهوة صوت المذاق، صوت الرائحة، هي القراءة العلنية لكتاب النفس المفتوح.. والساحرة الكاشفة لما يحمله النهار من أسرار”.

كاتبة عراقية مقيمة في لندن

21