القهوة تفقد طقوسها في إيطاليا.. دولة الإسبريسو

الثلاثاء 2017/12/12
قواعد صارمة لتناول القهوة

روما – منذ زمن طويل كان صوت حفيف فناجين القهوة وهسيس تدفق هذا المشروب الساخن من آلة إعداد الإسبريسو، يلقيان توقيرا كبيرا من الزبائن بالمقاهي الإيطالية، ويمكنك أن ترى رجال الأعمال وهم يرتدون الحلل الأنيقة يقفون إلى جوار السائحين بملابسهم الجينز الممزقة وفقا للموضة، وكلهم جميعا ينتظرون بشغف الاستمتاع بتذوق مشروب القهوة في مقهى "سانت أوستاشيو" بروما.

وكانت مجموعات من السكان المحليين والزوار تحتشد في هذا المقهى طوال قرن تقريبا، للاستمتاع بتجربة تذوق مشروب الإسبريسو الأصلي الذي يعد معيارا تقاس به جودة القهوة، ولكن الجديد الذي طرأ على هذا المقهى العريق هو أن معدي مشروب القهوة أصبحوا يسمعون بدرجة أكبر هذه الأيام كلمة "دا اسبورتو"، التي تعني بالإيطالية اصطحاب المشروب مع الزبون لتناوله في الخارج بدلا من الجلوس للاستمتاع به داخل المقهى.

وتقول فيدريكا ريشي مديرة المبيعات في هذا المقهى الشهير الكائن بالقرب من البانثيون، وهو معبد روماني أثري بروما، "إننا نقدم القهوة للراغبين في أخذها معهم منذ نحو عام"، وتضيف أنه حتى الإيطاليين لم تعد لديهم بشكل متزايد فسحة من الوقت لكي يجلسوا لتناول مشروب القهوة، وتتوقع أن ينمو الاتجاه بأخذ الزبائن مشروب القهوة معهم مستقبلا.

تقديم القهوة في كوب يمكن إلقاؤه بعد ذلك لا يتماثل مع ثقافة تناول القهوة في إيطاليا

وينطبق نفس الحال على مقهى "لا كاسا ديل كافيه تازا دورو"، وهو مقهى حديث وإن كان لا يزال يحتفظ ببعض المظاهر التراثية ويقع في الناحية الأخرى من البانثيون، وكان هذا المقهى يقدم منذ افتتاحه الإسبريسو للمشترين عبر واجهة البيع المصنوعة من الألواح الخشبية ليصحبوا المشروب معهم.

وفي هذا المقهى يكون النشاط التجاري لبيع القهوة التي يأخذها الزبائن معهم قويا مثل القهوة ذاتها، وترى لاورا بيروزي العاملة بالمقهى أن تقديم القهوة في كوب يمكن إلقاؤه بعد ذلك لا يتماثل مع ثقافة تناول القهوة في إيطاليا، وتقول إن "القهوة التي يأخذها الزبائن هي سريعة الإعداد، ولكنها لا تنتمي إلى القهوة الإيطالية الأصلية".

وهناك قواعد صارمة لتناول القهوة في إيطاليا التي تعد دولة الإسبريسو في الأصل، فهذا الفنجان الصغير من القهوة يجب تسخينه مسبقا في درجة حرارة 40 مئوية، ويتم تقديم كوب من الماء مجاني معه.

وتقول مصادر شركة "فيرجنانو" التي تعد أقدم شركة في إيطاليا لتحميص البن، إن معظم الإيطاليين يراعون هذه الطقوس أربع مرات في اليوم، وتعد النوعية الأكثر تقديسا لدى الذواقة الإيطاليين هي "الحبة الصغيرة والسوداء"، وفي الوقت الذي يتم فيه إعداد مشروب القهوة تتشكل طبقة غير سميكة من رغوة الكريمة على السطح، ويجب تناول الإسبريسو بسرعة.

تناول كوب إسبريسو يستغرق نصف دقيقة

وهناك أنواع أخرى من القهوة مثل الأمريكانو تكون مناسبة بدرجة أكبر "للتيك أواي" لأنها تحتفظ بمذاقها لفترة أطول، وذلك وفقا لما يقوله ماسيميليانو بوجلياني مدير مجموعة القهوة الإيطالية "إيلي". ويجب تلبية بعض الشروط المسبقة للحصول على مشروب الإسبريسو المثالي، منها النوعية الجيدة لحبوب البن، ومهارة معد المشروب والوعاء الذي يتم فيه تقديم المشروب، ويقول بوجلياني إن هناك فارقا كبيرا بين ما إذا كانت شفاه الشارب تلمس “وعاء من البروسلين الناعم كالحرير” أو “مادة خشنة بها شقوق وتسبب الوخز للشارب”.

وهو أيضا لا يشكك في أن القهوة “التيك أواي” بمختلف أنواعها أصبحت أكثر رواجا في إيطاليا، ويقول “إننا نتوقع طلبا متزايدا على هذه النوعية في المستقبل”.

وثمة تعبير آخر ينم عن تغيير ثقافة تناول القهوة في إيطاليا ظهر بقدوم سلسلة مقاهي ستاربكس، وستقوم هذه السلسلة الأميركية العام المقبل ببناء أول مصنع لها لتحميص البن في أوروبا داخل مبنى البريد الضخم السابق بمدينة ميلانو الإيطالية، إلى جانب افتتاح مجموعة من المقاهي التابعة لها في مختلف المدن الإيطالية.

وبينما تقول شركة ستاربكس الأميركية العملاقة إنها تريد أن تعثر على مكان محترم في مدينة روما وباقي المدن الإيطالية لتزاول منه نشاطها، يرى النشطاء في المجال الثقافي أن هذا التوسع يعد هجوما على تراث تناول القهوة الإيطالية.

وكانت سلسلة مقاهي ستاربكس إلى جانب ظاهرة “التيك أواي” في تناول القهوة لها وجود طويل في دول أوروبية أخرى مثل ألمانيا، حيث أعرب الأشخاص فيها أيضا عن انتقاداتهم لتأثير تناول القهوة في أكواب تلقى بعد ذلك فارغة على البيئة.

ومع ذلك فإن هذا الوعي البيئي لم يصل بالكامل إلى إيطاليا بعد، وفي هذا الصدد تقول سيرينا ماسو من فرع منظمة “غرينبيس” المناصرة لقضايا البيئة في إيطاليا إنه “بالنسبة للكثير من الإيطاليين فإن فوارغ الفناجين تعد جزءا من حياتهم اليومية، ومنها الحفلات التي تقام في الهواء الطلق على سبيل المثال”.

ويعد تشجيع استخدام الأكواب المصنوعة من الورق المقوى بدلا من البلاستيك تقدما على الطريق الصحيح، وتضيف ماسو “غير أن هدفنا يتمثل في التخلص تماما من ثقافة الفوارغ”.

وقد تكون للجانب الثقافي الكلمة الأخيرة على أي حال، وفي حالة الإسبريسو لا تزال هناك حيرة كبيرة إزاء فكرة المشروب المحمول، ويقول الطالب داريو أمبروسيو “إن تناول كوب إسبريسو يستغرق نصف دقيقة، وبيع هذه الفترة الزمنية القصيرة في فنجان محمول لهو أمر لا حاجة إليه، مثلما ليست هناك حاجة لأن يأخذ الفرد ثلجا معه وهو ذاهب إلى القطب الشمالي”.

20