القهوة نبيذ مقدس في أثيوبيا

في إثيوبيا ليس سرّا أن تكون للقهوة مكانة مقدّسة، فهي ليست مجرّد منتج زراعي له أهميّته في اقتصاد البلاد أو مصدر رزق ما يفوق ربع الإثيوبيين، بل أحد أهم الطقوس الدينية والتراثيّة المبثوثة في مختلف نواحي الحياة الاجتماعية في هذا البلد الأفريقي.
الجمعة 2015/05/22
القهوة لها دور اجتماعي وديني يجمع الأثيوبيين بغض النظر عن طوائفهم وفئاتهم

"أقدّس شرب القهوة لأنها تمنحني الراحة النفسية ولدي اعتقاد أنها ترتبط بالجانب الروحي، لذا أدمنتها منذ صغري”. بهذه العبارة بدأ الإثيوبي حجي آدم، 45 عاما، حديثه عن القهوة، وأضاف قائلا عنها “أنا اعتدت شرب القهوة منذ كنت صغيرا، حيث تمثل جلسة تناول القهوة عند الصباح والمساء شيئا أساسيا في أسرتنا لارتباطها باعتقادنا الديني في أن جلوسنا محفوف بالبركة في حضرة الشيخ عبدالقادر الجيلاني، وهو أحد مشايخ الصوفية الكبار”.

وأضاف حجي، الذي كان يتحدث عن القهوة الإثيوبية بشيء من الفخر والاعتزاز، أنها “واحدة من أبرز الثقافات الإثيوبية”.

وقال إن القهوة أو “بنا” كما تعرف باللغة الأمهرية “تعتبر واحدة من الثقافات الإثيوبية المرتبطة بالجانب الروحي عند المسلمين والمسيحيين على حد سواء”، مضيفا أن “أفضل ما يتم تقديمه للضيف عند الأسر الإثيوبية هو القهوة التي يتساوى الفقراء والأغنياء في الاهتمام بها”.

وأشار حجي إلى أنه “حتى الأسر الإثيوبية التي تعتمد على وجود الخادمات تجد أن دور الخادمة ينتهي بإعداد القهوة، وتتولى الأمر بعد التجهيز صاحبة المنزل بنفسها والتي تقوم بتقديم القهوة للضيف حتى لو كانت زوجة مسؤول كبير، لأنّ ذلك يمثل أهمية كبرى في احترام الضيف”.

وأضاف أنه “من العادات الإثيوبية المرتبطة بالقهوة عند الأسر الإثيوبية أنه عندما يحضر شخص لطلب يد ابنتهم عادة ما يربط شربه للقهوة بالاستجابة لطلبه”.

ولا تقل مراسم إعداد القهوة في إثيوبيا أهمية عن تناولها، حيث تبدأ الفتاة الإثيوبية التي تتولّى إعداد القهوة في الأسرة برش المكان ونثر العشب الأخضر، أو “قيطما” كما يطلقون عليه بالأمهرية، كرسالة للفأل الحسن كما يعتقد الإثيوبيون، وغالبا ما ترتدي الفتاة الزي التقليدي ليكون مكمن سعادتها أن تعد القهوة وسط حضور أسري ومشاركة من الجيران أحيانا.

25 مليون إثيوبي من أصل 90 مليونا يعملون في مجال القهوة وترويجها

وترى رومان بيلاي، 47 عاما، أن “شرب القهوة شيء مقدّر ومقدس بصورة عالية”، قائلة “إنني احتفل بتناولها باعتبارها اجتماعا للأسرة، كما أنها تمثل عندنا حالة من التعبد والتقرّب إلى الرب بالدعوات”.

وأضافت بيلاري أنّ “جلسة تناول القهوة هي مناسبة خاصة في العائلة للتفكر والشعور بوجود الله”.

تكلا تلوسا، وهو زوج رومان، يعتبر جلسة القهوة “علامة على السلام ووجود روح الله”. وقال “إذا لم أجد القهوة مجهزة عندما أحضر إلى بيتي، أعرف تماما بأن أمرا ما حدث لزوجتي وأنها في وضع غير طبيعي، لذا أسارع في معرفة ما جرى لها”.

وأضاف تلوسا “حتى قبل زواجي لو حدثت لي أيّ خلافات مع أحد أفراد الأسرة، ألجأ إلى تناول القهوة، فهي تهدئ من الحالة السيئة التي تنتابني”.

وبحسب أحمد زكريا، كبير مستشاري معهد الدراسات الإثيوبية، فإنه “قبل القرن الـ6 كان شرب القهوة عند الإثيوبيين شيئا يعرض صاحبه للإدانة باعتباره أمرا غير مباح لدى بعض الطوائف الدينية من الكاثوليكية والمسلمين، نظرا لطبيعة القهوة كمنبّه”.

وأضاف زكريا أن “القهوة أصبحت الآن جزءا لا يتجزأ من الطقوس الدينية في إثيوبيا”، مشيرا إلى أن “المسلمين الإثيوبيين يتناولون القهوة في فترتي الصباح والمساء بصورة مستمرة، أما يوم الجمعة فلها برنامج خاص عند المسلمين حيث يتم تناولها بعد صلاة الجمعة وغالبا ما تكون في البيت الكبير للعائلة، بخلاف المسيحيين الذين يفردون لها يوم الأحد برنامجا خاصا وربما لا يختلفون عن المسلمين في أن يكون تجمّعهم مع الأسرة الكبيرة”.

وقد يتم تناول القهوة في بهو الفنادق الكبرى والمطاعم وجوانب الطرق في أديس أبابا وغيرها من المدن الكبرى في البلاد، والتي تختلف طريقة تناولها وعملية إعدادها، ولكن تظل القهوة بذات نكهتها المميزة وتأثيرها المتفرد في نفسية متناوليها وأمزجتهم.

إعداد القهوة يعتبر مقياسا لوعي الفتاة وثقافتها

ومثلت القهوة لدى المرأة الإثيوبية، خاصة الفتيات، مصدرا للرزق ومتنفسا من ضيق الجلوس في البيوت بسبب ندرة فرص العمل.

وتعتبر سلام كحساي، 25 عاما، واحدة من الفتيات اللاتي وجدن في بيع القهوة مصدرا أساسيا للرزق يتكسبن منه، مشيرة إلى أنّها تدير منذ 3 سنوات متجرا صغيرا لبيع القهوة بسوق هايوليت بالعاصمة أديس أبابا.

وأضافت كحساي “عندما بدأت العمل كنت أعتقد أن مالي الذي بدأت به مشروعي سيضيع سدى، إلا أن عملي نجح وهو ما جعل حياتي سعيدة”، موضحة أنها توفر 200 بر يوميا، ما يعادل 10 دولارات.

أما لملم قيتاجو، وهي بائعة قهوة بسوق ماركاتو، أكبر أسواق أديس أبابا، فإنها تعمل ببيع القهوة “بنا” منذ أكثر من عشر سنوات وتنفق منها على الأسرة التي تتكوّن من خمسة أفراد.

وتحدثت قيتاجو عن أمزجة زبائنها في تناول القهوة وطريقة تناولهم لها، قائلة إن “الزبائن يتفقون على أن القهوة شيء أساسي في حياتهم ومن الطقوس الدينية وأغلبهم يهتم بنكهة البن ويتناولونها وهي ساخنة قبل أن تبرد بقليل من السكر( نصف ملعقة صغيرة)، ويأتون في شكل مجموعات ويتبادلون أطراف الحديث أثناء احتساء فنجان القهوة”.

وتابعت “أنا أشعر أنني أعمل في مجال من مجالات الثقافة التي تتبارى الفتيات في إعدادها”، معتبرة إعداد القهوة “مقياسا لوعي الفتاة وثقافتها”.

ويقوم الحاضرون الذين ينتظرون احتساء فنجان القهوة بمتابعة معدة القهوة بشيء من الاحترام والتقدير، والتي تقوم بتمرير القلاية، وهي الآلة التي يتم فيها غلي البن، لتوزّع على الحاضرين نكهة القهوة المحمّصة ولتعطيهم إحساسا بجودة البن ونكهته”.

وأخذت جلسة القهوة بإثيوبيا تمثل مزيجا من الحياة الثقافية والاجتماعية والدينية، وهو ما يعكس تميز القهوة الإثيوبية ليس لجودتها فحسب وإنما كونها أحد رموز حضارة الشعب الإثيوبي الذي يعتبر نفسه المكتشف الأول لنبتة البن في العالم.

ويعتقد المؤرخون أن البن اكتشف لأول مرة في منطقة كافا، بجنوب إثيوبيا، وأن أصل كلمة قهوة باللغة الإنجليزية أو “كوفي” اشتق من كلمة كافا، ويطلق على صادرات البن الإثيوبي “بن أرابيكا”.

وشجرة البن تعتبر الاسم العلمي لنبتة البن الشائعة، وكانت تنمو نموا بريا في إثيوبيا أصلا، وفي فترة متأخرة زرع البن في كلّ من جاوه وسومطرة وأجزاء من الهند والجزيرة العربية وأفريقيا الاستوائية وهاواي والمكسيك وأميركا الوسطى والجنوبية وجزر الهند الغربية. وتأتي الولايات المتحدة في المرتبة الأولى كأكبر مستهلك للبن في العالم، فهي تستهلك خُمس ما ينتجه العالم سنويا، حيث يتناول الأميركيون 400 مليون كوب من القهوة يوميا.

وقال جيتاهون بيكورا، مدير تسويق البن بوزارة الصناعة الإثيوبية إنّ بلاده تخطط لجني عائدات بقيمة 862 مليون دولار، من صادرات البن خلال العام المالي 2014/ 2015، وذلك بزيادة 20 بالمئة مقارنة بعائدات العام الماضي، التي بلغت 718 مليون دولار.

20