القوات الأممية أزمة جنوب السودان

الاثنين 2016/08/15

منذ ولادة دولة جنوب السودان قبل خمسة أعوام، وهي في أزمات مستمرة، ما إن تتجاوز واحدة إلا وتدخل في خضم أخرى أشد تعقيدا، حتى أصبحت نموذجا يُضرب به المثل في الفشل الشامل، السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي.

لم تفلح محاولات إنقاذها من العثرات المركبة، بل تسببت التدخلات الخارجية في المزيد من الإخفاقات الداخلية، جراء التباعد في الأجندات التي تحملها الأطراف المنخرطة في الصراع الدائر هناك، والمعنية به، وعلى أوتاره تكسرت جهود، وتولدت أطماع، حتى أصبح التوتر الدائم عنوانا رئيسيا للدولة.

عندما جرى إرسال بضعة آلاف من القوات الأممية لحفظ السلام عقب الاستقلال مباشرة، ذهبت تكهنات كثيرة إلى أن جنوب السودان دولة ولدت لتكون واحة للأمن والاستقرار، وسط بيئة مليئة بالعواصف السياسية والأمنية.

لكن القوات التي وصل عددها الآن إلى حوالي 14 ألف جندي، أخفقت في الوصول إلى هدف حفظ السلام، وانصب عملها على توفير الحماية لنحو أربعين ألفا من المدنيين، والسعي لوقف الانتهاكات التي كانوا يتعرضون لها، وبقي مئات الآلاف من المواطنين بلا ملاذات آمنة.

يوم الجمعة الماضي اتخذ مجلس الأمن الدولي موقفا نوعيا، وأصدر قرارا تحت رقم 2304 يقضي بإرسال أربعة آلاف عنصر، من كل من كينيا وإثيوبيا وراوندا، ضمن قوات أممية جديدة، تختص مهمتها بحماية بعض الأماكن الحيوية في العاصمة جوبا، أملا في وقف الاشتباكات التي تجددت بين قوات الرئيس سلفا كير وغريمه نائبه الأول (المُقال) رياك مشار، الذي فر من جوبا بعد معارك حدثت في 7 يوليو الماضي، مؤكدا أنه لن يدخلها مرة أخرى قبل وصول قوات دولية تؤمن حياته ومعاونيه.

قرار مجلس الأمن الذي جاء على هوى مشار، رفضه سلفا كير، الأمر الذي جعل مهمة القوات الدولية محل مجازفة في ظل تراكم مخازن السلاح، ومع أن القرار 2304 صدر مصحوبا بتهديدات لمن يعطل تنفيذه، غير أن الواقع على الأرض يبعث على القلق من نواح عدة.

منظمة “الإيغاد” التي تشرف على الوساطة بين سلفا ومشار، تسود بين دولها انقسامات، وموافقتها على إرسال قوات أممية مؤخرا، لن تحول دون تأثير خلافات أعضائها على خط سير الأزمة، فالدول الثلاث (كينيا وإثيوبيا وراوندا) التي تتشكل منها القوات، تقف على مسافة ليست قليلة من دولة مثل أوغندا، مهمومة ومنخرطة في الأزمة، من حيث دفاعها عن الرئيس سلفا كير، لذلك أعلنت عدم استعدادها لإرسال قوات جديدة إلى جوبا، وهي التي سبق لها أن أرسلت قوات لمساندة رئيس جنوب السودان، عقب اندلاع أزمته مباشرة مع مشار.

المهمة الأساسية للقوات الأممية الإضافية، هي توفير الهدوء والأمن والاستقرار في البلاد، وإقناع مشار بالعودة إلى جوبا، الذي أصدر سلفا كير قرارا بعزله وتعيين تعبان دينق بدلا منه في منصب النائب الأول للرئيس، وبالتالي فالتراجع عن هذا القرار يحتاج مرونة سياسية وحنكة دبلوماسية، وهذا غير موجود الآن.

العكس ربما يكون صحيحا، فوصول القوات الدولية التي تلبي رغبة مشار، وتتناقض مع إرادة سلفا كير، يمكن أن يساهم في المزيد من التعقيدات، لأن عددها لن يكون كافيا للسيطرة على الأوضاع الملتهبة في العاصمة جوبا، التي تقع غالبية مناطقها تحت هيمنة قوات سلفا كير، الرافض أصلا لوجود قوات أممية.

بدلا من أن تكون القوات عنصر ضبط للموازين والمعادلات الأمنية، يمكن أن تتحول إلى ثغرة لزيادة حدة الاحتقانات والتوترات، ويتبدل دورها من طرف محايد وإيجابي إلى طرف سلبي له باع في توسيع نطاق الأزمة، وجر الدول المشاركة إلى مربع غامض، حرصت على أن تكون بعيدة عنه مبكرا.

الحاصل أن الولايات المتحدة الأميركية التي تبنت القرار الدولي الأخير، حاولت أن تظهر في صورة الحريص على أمن واستقرار جنوب السودان، وهي التي ساعدت عن قصد أو دونه في تفاقم الأزمة، إذ تقاعست منذ البداية عن القيام بدور سياسي يوقف النزيف بين الغريمين، وتركت المعارك تتزايد، ولم تقدم هي ودول كثيرة على التدخل لوضع حد عملي لها منذ الأيام الأولى لاندلاعها.

وبدت تصرفاتها المبدئية متذبذبة، فتارة تكون قريبة من سلفا كير، وأخرى من مشار، وعلى هذا المنوال كانت الأزمة تواصل اشتعالها، ولم تكلف نفسها البحث عن حلول سياسية عملية، ورسمت عن بعد الخطوط العريضة للوساطة الأفريقية، مع أنها تدرك أن التوازن الهش للقوى يطيل أمد الحرب، والتداخل الظاهر في أدوار وحسابات بعض القوى الإقليمية عائق محوري أمام التهدئة.

الحماس المفاجئ الذي ظهر على مواقف واشنطن، ومساوماتها لكل من روسيا والصين لعدم الاعتراض على قرار إرسال القوات (اكتفتا إلى جانب مصر وفنزويلا بتسجيل تحفظ على القرار) كشف عن انحيازها لفريق مشار، وفقدان الثقة في سلفا كير، الذي أصبح محاصرا بين قوات أممية ستقف على أبوابه في جوبا، واتجاه إقليمي ودولي نحو ممارسة أنواع مختلفة من الضغوط والتهديدات.

لذلك أصبح الاختيار صعبا أمامه، بما قد يدفعه إلى أن يلجأ إلى سلاح الميليشيات، خاصة أنه ينتمي إلى قبائل الدينكا نقوق ذات الأغلبية في جنوب السودان، والتي تريد الحفاظ على مكاسبها التاريخية، ومنع مشار وقبيلته (النوير ثاني أكبر القبائل) من السيطرة على المفاصل الرئيسية في البلاد.

الوصول إلى هذه النقطة يجعل مهمة القوات الدولية على محك الدور القادم الذي يمكن أن تقوم به الميليشيات، وفي دولة تلعب فيها هذه العناصر دورا مركزيا في حالتي الهدوء والتوتر، سوف تكون الأسابيع المقبلة غاية في الحساسية، ما لم يغير سلفا كير موقفه، أو تتمهل واشنطن في الدفع نحو التنفيذ العملي للقرار الأممي.

الواضح أن تمسك الأطراف الفاعلة بمواقفها المتصادمة، ربما يفتح نافذة جديدة للتوتر وليس الهدوء، وفي دولة تتسم بقدر كبير من الفوضى والانفلات تصبح عملية حفظ السلام في مهب الريح.

كاتب مصري

9