القوات العراقية تقلب ميزان القوى دون أن تمحو صورة الجيش الضعيف

استطاعت القوات العراقية بمواجهتها المقاتلين الأكراد وسيطرتها السريعة خلال الأيام الأخيرة على مناطق متنازع عليها مع إقليم كردستان، وأبرزها كركوك، وبعد طردها تنظيم الدولة الإسلامية من مناطق واسعة في شمال العراق وغربه، قلب ميزان القوى في البلاد، لكنها لم تنجح بعد في استعادة ثقة العراقيين في مؤسستهم العسكرية ومحو صورة انهيار الجيش الضعيف أمام داعش في الموصل وتنظيف سجلاته من الفساد والمحسوبية والطائفية.
السبت 2017/10/21
نصر ولكن...

بغداد – عندما كانت قوات الأمن العراقية تتأهب للتوغل غرب الموصل في فبراير 2017 أعلنت صحيفة وزارة الدفاع العراقية، خيمة العراق، إحياء مسرح الجيش العراقي، وهي مؤسسة كانت سابقا تحتضن أعمالا موسيقية ومسرحية على مسرحها الذي يعود إلى عهد صدام حسين. وأعلنت الصحيفة عن اتفاق بين وزارتي الدفاع والثقافة من أجل “توثيق انتصارات جيشنا لرفع معنويات مقاتلينا الأبطال”.

ولجأت وزارة الدفاع العراقية إلى المبادرات الفنية والثقافية لإعادة الثقة المفقودة في الجيش العراقي منذ هرب الجنود من الموصل صيف 2014، بعد أن فشلت الانتصارات العسكرية التي تحققت بعد ذلك في الموصل وفي مختلف المناطق التي سيطر عليها داعش، في إعادة نظرة العراقي إلى جيش بلاده، وحتى عندما حسمت القوات العراقية أمر الخلاف مع إقليم كردستان على كركوك، ظل هذا النصر في نظر العراقيين نصرا منقوصا.

خلال الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية كانت الكلمة الرئيسية لقوات الحشد الشعبي، وتحديدا لميليشياتها التابعة لإيران، لذلك لم ينجح التقدم الحاصل ضد التنظيم الإرهابي، رغم أهميته، في محو مرارة صورة البدلة العسكرية العراقية الملقاة على الأرض، على إثر فضيحة انهيار الجيش العراقي أمام تنظيم داعش واستحواذه على الموصل في العاشر من يونيو 2014.

استعادت القوات العراقية الموصل لكن هيبتها مازلت مفقودة، ومازال ذكرها يأتي مرفوقا بتوصيفات لها علاقة بالفساد والطائفية. ولم يختلف الأمر كثيرا مع سيطرة الحكومة المركزية على كركوك. فالقوات العراقية لم تحقق نصرا بالمفهوم العسكري بل مجرد تقدم على أرض انسحبت منها قوات البيشمركة، وسط حدث عن اتفاق عراقي كردي بإشراف إيراني.

الاستقرار والتطور الاقتصادي في إقليم كردستان العراق منذ العام 2003 أثرا على العقلية العسكرية للمجتمع الكردي

تقدم دون قتال

خلال 14 عاما، وفي مواجهة جيش حكومي ضعيف، سيطرت قوات البيشمركة بشكل منهجي على مناطق متنازع عليها بين بغداد وأربيل. لكن الأوضاع انقلبت تماما خلال الأسبوع الحالي، إذ لم يستغرق الأمر سوى 48 ساعة كي تستعيد القوات المركزية العراقية السيطرة على جميع تلك المناطق من دون أي مقاومة تقريبا.

وانتزعت القوات العراقية الجمعة آخر منطقة كانت لا تزال خاضعة لسيطرة مقاتلي البيشمركة في محافظة كركوك في أعقاب معركة استمرت ثلاث ساعات. وتقع منطقة التون كوبري، أو بردي بالكردية، على الطريق بين مدينة كركوك التي سقطت في يد القوات العراقية يوم الاثنين وأربيل عاصمة إقليم كردستان شبه المستقل في شمال العراق.

وقالت مصادر أمنية عراقية إن قوات البيشمركة انسحبت من البلدة التي تقع على نهر الزاب بعد اشتباك مع القوات العراقية المتقدمة بالأسلحة الآلية وقذائف المورتر وقاذفات الصواريخ.

وتقدمت القوات العراقية إلى محافظة كركوك دون مقاومة تذكر إذ أن معظم قوات البيشمركة انسحبت دون قتال. ويكشف موقع نقاش بعض تفاصيل دخول القوات الكردية إلى كركوك، حسب رواية بعض مقاتلي البيشمركة، إلا أنه في منتصف ليلة السادس عشر من أكتوبر سهر معظم أهالي كركوك أمام شاشات التلفزيون ومواقع التواصل الاجتماعي، وكانت الأخبار حول كركوك تتوارد لحظة بلحظة، وكانت جميعها تتحدث عن أن البيشمركة تخوض معركة شرسة ضد الجيش العراقي والحشد الشعبي، ولكن فجأة حدث أمر مختلف؛ كانت قوات البيشمركة تترك خطوطها لحظة بلحظة كما لو أنها تلقت أوامر مباشرة بعدم خوض مواجهات.

ألمانيا تستأنف تدريب البيشمركة
برلين - قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الألمانية إن بلاده تأمل أن تستأنف مهمة تدريب مقاتلي قوات البيشمركة الكردية يوم الأحد إذا لم يتفاقم الصراع بين الأكراد والحكومة العراقية.

وعلقت ألمانيا مساهمتها في تدريب البيشمركة معللة ذلك بتزايد التوتر بين بغداد والأكراد بعد أن صوت إقليم كردستان شبه المستقل في شمال العراق في استفتاء غير ملزم لصالح الاستقلال عن البلاد.

وانضمت ألمانيا إلى دول غربية أخرى وبغداد وجيران العراق في رفض الاستفتاء لأسباب منها مخاوف من أنه قد يضعف التركيز على المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية التي لعب فيها الأكراد دورا رئيسيا.

وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع الألمانية “إذا لم تحدث تغيرات ميدانية خطيرة فمن الممكن جدا أن يستأنف التدريب يوم الأحد”.

وأضاف أن ألمانيا اتخذت قرار استئناف التدريب بعد مشاورات مع الجانبين الكردي والعراقي والولايات المتحدة.

جاء ذلك في اليوم الذي أكملت فيه القوات العراقية تقدمها لاستعادة السيطرة على محافظة كركوك المتنازع عليها من أيدي الأكراد الذين دخلوا المنطقة في 2014 لمنع تنظيم الدولة الإسلامية من الاستيلاء على حقول النفط. وقدمت ألمانيا 32 ألف بندقية ورشاش، بالإضافة إلى أسلحة أخرى تقدر قيمتها بنحو 90 مليون يورو منذ عام 2014.

ويقدم حوالي 150 عسكريا ألمانيا تدريبا لمقاتلي البيشمركة من أجل محاربة متشددي تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق.

لا تزال هذه الأخبار بالنسبة لمواطني كردستان غير قابلة للتصديق، حيث كانوا يسألون كيف يمكن لكل تلك القوات التي تم تحشيدها في كركوك أن تترك مواقعها بهذه السرعة؟ وكيف يصدر القادة العسكريون أوامر بالانسحاب في حين كانوا قد أعلنوا الليلة السابقة أن الجيش والحشد الشعبي لن يدخلا كركوك إلا على جثثهم؟ لم تتضح الصورة كاملة، إلا أن جميع التفسيرات تتجه إلى أنه كان هناك اتفاق سري بين الجانبين العراقي والكردي دون وضوح الهدف.

وأدى تقدم القوات الحكومية إلى تغيير ميزان القوى في شمال العراق ومن المرجح أن يقوض تطلعات الاستقلال لدى الأكراد الذين أيدوا الانفصال بأغلبية ساحقة في استفتاء يوم 25 سبتمبر واعتبروا حقول النفط في كركوك خاضعة لهم. وتسعى القوات العراقية إلى إعادة فرض سلطة بغداد على المنطقة التي سيطرت عليها القوات الكردية خارج الحدود الرسمية لمنطقة الحكم الذاتي مباشرة والتي وضعت يدها على معظمها منذ عام 2014 خلال الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية.

معنويات متدنية وفساد ومحاباة

بعيد الغزو الأميركي للعراق في العام 2003، أقدم الحاكم المدني الأميركي حينها بول بريمر على حل القوات الأمنية العراقية التي اعتبرها آنذاك أداة بيد نظام صدام حسين. وفي ذلك الوقت، كان أكثر من نصف القوات العراقية عبارة عن “جنود أشباح”، أي أسماء وهمية يتلقى أصحابها رواتب من دون أي تواجد لهم على الأرض، وفق ما يقول أحد المدققين. وتطلب الأمر سنوات لإعادة تشكيل القوات العراقية بمساعدة العديد من جيوش الدول الغربية. وكانت القوات العراقية في أسوأ حالاتها خلال الهجوم الواسع لتنظيم الدولة الإسلامية في يونيو 2014، عندما سيطر التنظيم المتطرف على نحو ثلث مساحة البلاد. ويقول إميل حكيم، الباحث في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، إن “معنويات القوات كانت متدنية جدا”، وكانت “تعاني من الفساد والمحاباة في القيادة”.

في عهد رئيس الوزراء حيدر العبادي، أقدمت الحكومة على إصلاحات في المؤسسة الأمنية، مستعينة بمدربين أجانب كانوا غادروا البلاد في العام 2011. ويؤكد التحالف الدولي أنه درب منذ العام 2015، 119 ألف عنصر من القوات الأمنية بينهم 43900 عسكري، 20700 شرطي، 14400 من قوات مكافحة الإرهاب، و22800 من البيشمركة.

ويوضح حكيم أن الإصلاحات “المهمة” التي قام بها العبادي والمصحوبة بـ”جهود أميركية واسعة لتسليح ودعم” العراق، أثمرت “قوة أكثر انضباطا والتزاما وأفضل مستوى في التماسك الذي أظهر قدراتها العسكرية في ساحة المعركة”.

ويرى رئيس تحرير مجلة جاينز الأسبوعية المتخصصة بشؤون الدفاع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن القوات العراقية اليوم هي ثمرة ثلاث سنوات من تدريب وتسليح من جانب التحالف. لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن “العراقيين أيضا حسنوا على الأرجح أسلوبهم في مواجهة مشاكل الفساد والضعف اللوجستي وفي كيفية رفع المعنويات المتدنية” للقوات. وكان يمكن أن يبعث ذلك ببارقة أمل ويحوز على ثقة وتقدير الكثير من العراقيين، لكن صورة الحشد الشعبي وميليشيات إيران تأتي لتلقي بظلالها الداكنة على الوضع. فقد حصلت القوات الحكومية على دعم قوات الحشد الشعبي التي تضم فصائل ذات غالبية شيعية مدعومة من إيران، تعد أكثر من 60 ألف مقاتل وتشكلت في العام 2014 بعد فتوى جهادية من أكبر مرجعية شيعية في البلاد لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية.

وتخضع تلك الفصائل حتى الساعة لقيادة رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة حيدر العبادي، وإن كان الطرف الأقوى فيها يأتمر بأمر إيران. وتهيمن أنباء تجاوزات قوات الحشد الشعبي في مدينة كركوك على مشهد استعادة السيطرة على المدينة، مذكرة بما حدث في ديالى وتكريت والموصل وغيرها من المناطق التي استعادتها القوات العراقية من داعش بمساعدة الحشد الشعبي.

العكس لقوات البيشمركة

عندما تقدم تنظيم الدولة الإسلامية باتجاه مدينة أربيل، كان حال البيشمركة حال القوات العراقية آنذاك، ومستعدة للفرار، لولا الدعم الذي قدمته لها إيران. ولم تشارك البيشمركة في معركة استعادة الموصل، وكانت تقف على بعد ثلاثين كيلومترا إلى شرق المدينة، ولم تخض أيضا معارك لاستعادة تلعفر أو الحويجة ولم تشارك في أي من معارك محافظة الأنبار في غرب البلاد.

ورغم أن كركوك تقع خارج منطقة الحكم الذاتي يعتبرها الكثير من الأكراد قلب وطنهم التاريخي ويعتبرون نفطها حقا خالصا لهم. وتجعل خسارتها مطلبهم بالانفصال أمرا بعيد المنال إذ ستسلبهم نحو نصف عائدات النفط التي سعوا إليها خلال حملتهم.

الجيل الجديد من قوات البيشمركة ليست لديه القسوة والتماسك اللذان يمتلكهما المقاتلون القدامى

ودخلت قوات البيشمركة كركوك دون قتال عام 2014 وبسطت سيطرتها على المواقع التي انسحب منها الجيش العراقي مع تقدم مقاتلي تنظيم داعش.

ويرى حكيم أن تقهقر القوات الكردية في كركوك “سببه انعدام التوافق السياسي”، موضحا أن “الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية غطى على خلل الإدارة الكردية منذ سنوات”. لكن بعض الجنود لديهم رأي آخر أدلوا به لموقع نقاش، مشيرين إلى أن قوات البيشمركة كانت تخوض المعركة عندما أتتها أوامر من الجهات العليا بمغادرة المنطقة فورا، ثم تقدم الجيش العراقي والحشد الشعبي نحو المواقع المستهدفة دون مقاومة.

وظهر عدد كبير من البيشمركة في القنوات الإعلامية وهم يبكون ومستاؤون من قادتهم، كانوا يرددون العبارة نفسها وهي “لقد تم بيعنا”، في إشارة إلى أن قادتهم اتفقوا مع الجيش العراقي والحشد الشعبي ولم يسمحوا لهم بالمقاومة.

لكن ومهما كانت الظروف المحيطة بمعركة حسم الصراع على كركوك بين أربيل وبغداد، فالأكيد حسب حكيم أن الجيل الجديد من البيشمركة “ليست لديه القسوة والتماسك اللذان يمتلكهما القدامى”، لأن “الاستقرار والتطور الاقتصادي لكردستان العراق منذ العام 2003 أثرا على العقلية العسكرية للمجتمع الكردي”.

وأثر الفساد والخلافات السياسية والأزمة المالية بدورها على الوضع، حيث لم يعد مقاتلو البيشمركة يتسلمون إلا نصف رواتبهم منذ العام 2005، ما ينعكس سلبا على معنويات هؤلاء المقاتلين. ومثلما تغيرت صورة الجندي العراقي كثيرا بعد سقوط الموصل، تغيرت أيضا صورة مقاتل البيشمركة القديم الواقف على جبل بشاربين طويلين ووجه أسمر مجعد وكوفية تقليدية على رأسه وسروال عريض مدافعا عن أرضه في ظروف قاسية.

6