القوات العراقية على مشارف نصر عسكري جديد في تلعفر

حققت القوات الأمنية العراقية تقدما عسكريا سريعا في عملية تحرير مدينة تلعفر من تنظيم الدولة الإسلامية، ينبئ بتباشير نصر قريب وبنجاح عملية الإطباق على داعش. وليس هذا النصر بغريب على مدينة تاريخها حافل بالمقاومة، ومحاولاتها التغلب على كل أشكال الاحتلال خاصة الاحتلال الأميركي عام 2003، وخلال سيطرة داعش عليها لتصبح من أبرز معاقله بعد مدينة الموصل. ورغم ما يحققه الأمن العراقي من تقدم في عملية تطهيرها من الإرهاب إلا أن مستقبل المدينة يثير مخاوف مدنييها أمام حجم التحديات الإنسانية وضغوط القوى الإقليمية الكبرى لتوظيف الانتصارات لصالح نفوذها بالداخل العراقي خاصة من قبل الجانبين التركي والإيراني.
الاثنين 2017/08/28
القتال حتى النصر

تلعفر (العراق) - واصلت القوات العراقية الحكومية الأحد مع قوات الحشد الشعبي وبدعم من التحالف الدولي، عملية الإطباق على عناصر تنظيم الدولة الإسلامية في مدينة تلعفر، التي تعتبر واحدة من آخر معاقل التنظيم الجهادي في البلاد.

وأعلنت قيادة العمليات المشتركة السبت بعد أسبوع من انطلاق المعركة، أن القوات العراقية باتت تسيطر حاليا "على 94 في المائة من المدينة، أي على 27 حيا من أصل الأحياء الـ29" التي تتكون منها هذه المدينة الواقعة في محافظة نينوى.

واستعادت القوات العراقية كامل سيطرتها مطلع يوليو الماضي على الموصل ثاني مدن البلاد، والواقعة على بعد 70 كيلومترا شرق تلعفر.

ويشير مراقبون إلى أنه بعد تحرير الموصل، أصبحت لتلعفر أهمية خاصة بالمقارنة مع المناطق الأخرى التي يسيطر عليها داعش ومنها الحويجة في كركوك، والقائم في الأنبار، حتى أنها أصبحت توصف بالعاصمة المؤقتة لتنظيم داعش في العراق. وزاد من أهمية تحرير المدينة وجود أكثر من 1500 عنصر إرهابي فيها، 600 منهم من الأجانب، بالإضافة إلى عدد كبير من القيادات العليا للتنظيم. ومن هذا المنطلق يعد تحرير المدينة خطوة هامة باتجاه استعادة الإقليم وإنهاء وجود التنظيم في شمال العراق.

وأكد قائد عمليات "قادمون يا تلعفر" الفريق الركن عبدالأمير رشيد يارالله السبت أن "قوات مكافحة الإرهاب حررت حي القلعة وبساتين تلعفر وهي ترفع الآن العلم العراقي على أعلى بناية في القلعة" موضحا أن العملية مازالت مستمرة. وتركز القوات العراقية المتقدمة حاليا على استعادة بلدة العياضية الواقعة على بعد 15 كيلومترا شمال تلعفر، لأنها تقع على الطريق التي تربط تلعفر بالحدود السورية.

وأوضحت القيادة المشتركة للعمليات أنه في مجمل منطقة تلعفر “تمت استعادة السيطرة على 1155 كلم مربعا من أصل 1655 كلم مربعا، أي سبعين في المئة من المنطقة".

وفي المقابل في سوريا البلد المجاور حيث تدور حرب أهلية، مازال يتواجد جهاديون في محافظتي دير الزور وكذلك الرقة التي اتخذها تنظيم الدولة الإسلامية عاصمة له في سوريا.

عدد المدنيين الذين بقوا داخل تلعفر قليل جدا، لم تبق إلا عائلات الدواعش، والبعض فر من جهة الشمال

تقدم سريع

تتقدم القوات العراقية مع قوات الحشد الشعبي بشكل سريع في تلعفر، بمساندة سلاح الجو العراقي وطيران التحالف الدولي اللذين يشنان ضربات جوية متلاحقة منذ أسابيع عدة في هذه المنطقة. وتختلف المواجهات التي تدور في تلعفر بشكل كبير عن تلك التي خاضتها القوات العراقية في مدينة الموصل، حيث تطلبت خوض معارك شرسة استمرت تسعة أشهر لتطهير الموصل من الجهاديين.

ويرجح قادة عسكريون قرب إعلان انتهاء المعارك واستعادة تلعفر. وبلغ عدد سكان تلعفر قبل دخول تنظيم الدولة الإسلامية إليها عام 2014 نحو 200 ألف نسمة غالبيتهم من الشيعة التركمان، أما اليوم، فباتت المدينة مهجورة وقد فر الكثيرون منها هربا من حكم الجهاديين. ولا تواجه القوات العراقية التي تواصل التقدم داخل تلعفر التي تحولت إلى مدينة أشباح، سوى مقاومة ضعيفة جدا من الجهاديين تقتصر على رصاص القناصة مع اقتراب مدرعات القوات العراقية. ولا تزال قوات الجيش تقاتل في المدينة بدعم من قوات الحشد الشعبي، فيما أعلنت قوات الشرطة الاتحادية وقوات مكافحة الإرهاب استعادة جميع المناطق التي كلفت بتحريرها.

وبمعزل عن تلعفر لا يزال تنظيم الدولة الإسلامية يسيطر على موقعين مهمّين في العراق هما الهدفان المقبلان للقوات العراقية.

فهناك أولا قضاء الحويجة الواقع على بعد حوالي 300 كيلومتر شمال بغداد في محافظة كركوك المتنازع عليها بين بغداد وإقليم كردستان، وثانيا بلدات القائم وعنه وراوة الواقعة على مقربة من الحدود العراقية السورية. وكان تنظيم الدولة الإسلامية قد شن هجوما واسعا في يونيو عام 2014 مكنه من السيطرة على نحو ثلث مساحة العراق.

تلعفر تاريخ مقاوم وحاضر متخوف مما بعد داعش
تلعفر (العراق) - يتربع قضاء تلعفر على مساحة ألف كلم مربع شمال غربي العراق، على بعد نحو 60 كلم من الحدود السورية ونحو 70 كلم من مدينة الموصل.

اشتهرت مدينة تلعفر تاريخيًا بمقاومة كل محتل حاول النيل منها، إلا أنها تشكو اليوم مخاوف مما بعد تحريرها من تنظيم الدولة الإسلامية.

قبل سيطرة داعش على قضاء تلعفر في صيف عام 2014، كان يسكنه نحو 300 ألف نسمة، الغالبية العظمى منهم من أصول تركمانية، إلى جانب أقلية من الأكراد وأخرى من العرب.

وتاريخ المدينة حافل بمقاومة كل من احتل العراق، إذ كان لها دور كبير في ثورة العشرين التي اندلعت إبان الاحتلال البريطاني ، كما شاركت في مقاومة الاحتلال الأميركي للعراق بعد عام 2003.

وتعتبر تلعفر اليوم من أبرز معاقل داعش، بعد الموصل، الأمر الذي يجعل خسارة التنظيم لها خسارة لكامل وجوده في مدن محافظة نينوى، خاصة منذ انطلاق العمليات العسكرية لتحريرها الأحد الماضي وتحقيقها مكاسب ميدانية ضده.

منها نزحنا وإليها نعود

مع خسارة هذا التنظيم المتطرف لسيطرته على أغلب مواقعه في العراق وسوريا، كثف الهجمات الدموية في قلب أوروبا موقعا الضحايا في إسبانيا وبلجيكا.

ولقد رافق تحقيق القوات العراقية تقدما أمنيا ضد داعش وقرب حسم المعركة لصالحها، عودة أبناء المدينة إلى ديارهم.

وعاد المقاتل التركماني عباس زكر يوسف من خط الجبهة مبتسما ليخبر رفاق السلاح بأنه وصل إلى منزله في حي الكفاح الشمالي في غرب تلعفر، الذي كان نزح منه قبل أكثر من ثلاث سنوات مع دخول تنظيم الدولة الإسلامية إلى المدينة. حال يوسف كحال الكثيرين من أبناء تلعفر الذين لبّوا نداء فتوى المرجعية الشيعية في العراق، وانضموا إلى فصائل الحشد الشعبي لمواجهة تقدم التنظيم المتطرف بعد سيطرته على مناطق واسعة في البلاد.

يقول يوسف الأربعيني الذي غزا الشيب شعره ولحيته لوكالة الصحافة الفرنسية “نزحت مع عائلتي إلى منطقة الديوانية في جنوب العراق، وتركت منزلي الذي قضيت عمرا في بنائه". ويضيف يوسف، الضابط السابق في الجيش العراقي وهو يمسح التراب والعرق عن جبينه بشال أخضر اللون عليه شعار “يا أبا الفضل العباس” ، قائلا “فرحتي كانت لا توصف عندما رأيت منزلي وأنا أحرره بسلاحي”. وكان يجلس إلى جانبه رفيقه وجاره أكرم قمبريس على حجر صغير قابلة المستوصف الطبي داخل الحي نفسه.

يشير قمبريس إلى المستوصف قائلا “كنت أعمل هنا. وقد تمّ اختياري كعنصر من الشرطة المحلية". ويضيف “بعد دخول الدواعش، نزحت العائلة كلها، وأنا الآن على مشارف منزل أختي"، مشيرا بيده إلى بيت زهري اللون مغطى بالقرميد.

يقول قمبريس إن "الكل يقاتل من أبناء تلعفر"، موضحا أن "الشباب يحملون السلاح على الجبهات والكبار يعملون بالمواكب".

وتمتد على طول الطريق إلى تلعفر مواكب من كافة المحافظات العراقية لتقديم الطعام والشراب مجانا للمقاتلين وكل المتوجهين إلى خط الجبهة.

لم تكن حركة النزوح ملحوظة من تلعفر مع بدء العمليات العسكرية، حتى أن المخيمات التي أنشئت لاستقبال الفارين لا تزال خالية إلا من قلة من الأشخاص.

يقول قمبريس إن "عدد المدنيين الذين بقوا داخل تلعفر قليل جدا، لم تبق إلا عائلات الدواعش، والبعض فر من جهة الشمال".

يقاطعه يوسف بالقول إن "أكثر القياديين الدواعش في تلعفر كانوا من عائلات معروفة. هناك دواعش أكراد، وقائدهم يدعى أبوعلاء التلعفري وكان الرجل الثاني بعد البغدادي".

ويضيف "أصلا أمراء الدواعش هم من تلعفر (…) ثم جاء أتراك وأجانب. البارحة سمعنا أتراكا يتحدثون عبر الجهاز ويقولون إنهم لن يستسلموا. فليذهبوا إلى الجحيم".

ودفعت تلعفر، المدينة العريقة التي يعود تاريخها إلى الآلاف من السنين، ثمنا باهظا للحرب، على غرار كل المدن والبلدات العراقية التي سيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية. وفي البلدة قلعة من العهد العثماني تضررت في العام 2014 حين فجر عناصر التنظيم بعضا من أسوارها.

على الخطوط الأمامية، يخرج من أحد المنازل مقاتل عرف عن نفسه بأبوزينب قائلا "فخخوا كل شيء". يشير أبوزينب الثلاثيني وهو ببزته العسكرية المغطاة بالتراب إلى أن “الدواعش يفخخون البيوت بقصد القتل أولا ومنع السكان من العودة ثانيا".

6