القوات اللبنانية من مسايرة العهد إلى معارضته من الداخل

سيناريو محاصرة جنبلاط يتكرر مع جعجع في "غفلة" من الحلفاء.
الجمعة 2019/09/06
زيارة دعم

حزب القوات اللبنانية يواجه اليوم منفردا حملة تستهدف الضغط عليه لإجباره على مغادرة الحكومة، بيد أنّ الأخير يبدو مصرّا على عدم السماح لهذه الأطراف وفي مقدمتها التيار الوطني الحر على تحقيق هدفها، وعلى تبنّي نهج المعارضة من الداخل.

بيروت - أطلق رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع في الأيام الأخيرة سلسلة مواقف بدت حادة تجاه أداء العهد، سواء في التعاطي مع الاستحقاقات الاقتصادية أو تجاه التوتر الذي استجد بين حزب الله وإسرائيل، حيث بدت فيه الدولة مهمّشة ولا تملك سلطة القرار بيدها.

ويطرح تصعيد جعجع تساؤلات من قبيل هل قرر رئيس حزب القوات إنهاء مسايرته للعهد، والانتقال إلى تصدر المعارضة من الداخل؟ أم أن ما حصل هي انتفاضة لحظية لمسار بات يستنزف الدولة ويجردها كليا من سيادتها ويحولها لمجرد رقم في معادلة ما يُعرف بمحور “الممانعة”؟

وكشف التوتر بين حزب الله وإسرائيل مدى هشاشة الدولة اللبنانية ومؤسساتها التي انحصر دورها في تتبع الأحداث مع استجداء قوى دولية مثل واشنطن وموسكو للتدخل والحيلولة دون تفجّر الوضع، الأمر الذي دفع جعجع للتحرك وإطلاق جرس إنذار، محذرا من جرّ البلاد لدفع ثمن صراع “لا ناقة لها فيه ولا جمل”، ومنبّها إلى خطورة تجاوز القرار الأممي 1701.

وعلى ضوء المواقف التي صدح بها يرجّح أن يواجه جعجع المزيد من الضغوط من القوى الداخلية التي تتربص به في الفترة المقبلة، خاصة مع انحسار حلقة الحلفاء لدوافع عديدة.

واستقبل جعجع في معراب (مقر القوات)، الخميس السفير السعودي في لبنان وليد البخاري في حضور الوزير السابق ملحم الرياشي ومدير مكتبه إيلي براغيد، حيث بحث المجتمعون وفق بيان وصل “العرب” نسخة منه آخر التطورات السياسيّة على الساحتين المحليّة والإقليميّة.

ويقول محللون إن زيارة السفير السعودي إلى معراب هي رسالة دعم لجعجع الذي يواجه مسعى واضحا لعزله سياسيا، بدأ الاشتغال عليه منذ مشاورات تشكيل الحكومة في العام 2018، وتواصل مع تجاهل مقترحاته بشأن موازنة العام 2019، ليأخذ بُعدا جديدا من خلال إقصائه من المجلس الدستوري الشهر الماضي وسط ترجيحات أن يتكرر ذات السيناريو في باقي التعيينات.

ويتوقّع المحللون أن تشهد الفترة المقبلة المزيد من المناوشات الكلامية بين حزب القوات والأطراف المقابلة أي التيار الوطني الحر وحزب الله، حيث من المتوقّع أن يعمل الطرفان على تكثيف حملة محاصرة القوات، خاصة وأن القوى التي شكلت ركيزة 14 آذار مشتتة اليوم، بعضها يراهن على تعزيز التقارب مع رئاسة الجمهورية والتيار الحر على غرار رئيس الحكومة سعد الحريري، والبعض الأخر يفضّل الركون إلى العاصفة والانزواء.

وتقول أوساط سياسية مقرّبة من القوات إن التيار الوطني الحر المدعوم من حزب الله يحاول جاهدا اليوم التضييق على القوات ودفعه إلى الاستقالة من الحكومة، بما يفسح له المجال لتمرير صفقات مشبوهة، تخدم مصالحه الضيقة وحساباته الشخصية وطموحاته السياسية، حتى وإن اقتضى ذلك رهن الدولة وسيادتها لصالح قوى الإقليمية.

وتُلفت الأوساط إلى أنّ سيناريو مشابها لذلك الذي تعرّض له قبل فترة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط يعاد تكراره مع القوات، لكنّ الأخيرة ستبقى رغم كل الضغوط حاضرة في الحكومة، وستصعد إن اقتضى الأمر لكشف وفضح كل الممارسات ووضع اللبنانيين في صورة ما يحدث.

وتؤكد أن نهج الحزب سيظل ثابتا على ثنائية المعارضة البناءة من الداخل مع دعم أي خطوات تخدم مصلحة اللبنانيين، وليس المعارضة لمجرد المعارضة وتسجيل موقف في إطار المزايدات التي أضحت سمة تميّز الساحة السياسية.

وفي خطاب ناري هذا الأسبوع بمناسبة ذكرى شهداء المقاومة اللبنانية، وجّه جعجع انتقادات حادة للتيار الوطني الحر، ورئيسه جبران باسيل، واضعا أصبعه على هنات العهد الذي بدل أن يؤسس لمشروع بناء دولة قوية ذات سيادة، شرّع الباب أمام تكريس هيمنة حزب الله.

زيارة السفير السعودي إلى معراب هي رسالة دعم لجعجع الذي يواجه مسعى واضحا لعزله سياسيا، بدأ الاشتغال عليه منذ مشاورات تشكيل الحكومة في العام 2018

وقال جعجع في معرض كلمته “نأسف أشد الأسف أنّ العهد الذي أردناه وما زلنا عهد استعادة الدولة من الدويلة، عهد بحبوحة وازدهار، لم يكن حتى اليوم على قدر كل هذه الآمال، إن لم نقل أكثر، والشيء بالشيء يذكر، يكفينا فخرًا أن رئيسًا (بشير الجميل) من صفوفنا أمضى عشرين يوما ويوما فقط كرئيس منتخب فقط، ومنذ سبعة وثلاثين عاما، وما زال اللبنانيون حتى اليوم يترحمون على عهده، بشير حيّ فينا”.

وأضاف جعجع أنّ “الدولة القوية التي أردنا قيامها من خلال هذا العهد، باتت اليوم تخسر أكثر فأكثر من رصيدها ومقومات وجودها، في شتى المجالات والميادين، فأنياب الدويلة (حزب الله) بارزة أكثر من أي وقت مضى، وأركان الدولة بالذات يمالئون الدويلة ويغسلون أيديهم من الدولة، وكأني والحال هكذا بالدولة اللبنانية تصرخ عاليا: من بيت أبي ضربت، إذا كان رب البيت لا يريد أن يبني فعبثا يحاول البناؤون، فقد سقط مفهوم الدولة، وفقدت هيبتها، وتراجعت دولة القانون، واهتزت صورة القضاء، غابت وحدة المعايير وحضرت الزبائنية والمحسوبية والاستئثار بأبهى حللها، واستشرى الفساد وفتحت المعابر الشرعية وغير الشرعية، ومن أين يُرجى للبنان تقدم وسبيل حكامه غير سبيله”.

وبشأن محاولات عزل “القوات”، قال جعجع “إن محاولات عزل ومحاصرة القوات من الأقربين والأبعدين، ليست جديدة علينا بل هي ملازمة لمسيرتنا التاريخية”. واستطرد “صحيح أن بعض أرانب السياسة اليوم تتوهم بأنها تسابق القوات بمجرد أنها تقفز يمينا ويسارا وتصدر الأصوات والضوضاء وتركض سريعا أمامنا وتخلف على دربنا الحصى وتثير الغبار، ولكنها مهما ركضت وقفزت وافتعلت بهلوانيات، تبقى مجرد أرانب، وتبقى القوات هي الأساس”.

وبدا واضحا من تصريحات رئيس القوات اللبنانية وجود خيبة أمل كبيرة، خاصة وأنه أول من ساند التسوية السياسية التي أتت بالعماد ميشال عون رئيسا للجمهورية وسعد الحريري رئيسا للحكومة، وكان ذلك نتاجا لتفاهم معراب الذي أنهى قطيعة بين القوات والتيار الحر استمرت لعقود.

وبات جعجع على قناعة من أنه تعرض لخديعة من قبل التيار الذي كان هدفه من اتفاق معراب هو ضمان وصول عون لقصر بعبدا، بما يمهد له الطريق لفرض سطوته على الشارع المسيحي.

وتقول الأوساط القريبة من القوات إن جعجع الذي يلقبه اللبنانيون “الحكيم” يشعر بحالة من الخذلان أيضا من الرئيس سعد الحريري الذي يبدو أنه خيّر التقارب التكتيكي مع باسيل بما يعنيه ذلك من تفاهمات حول تقاسم التعيينات وغيرها على التحالف الاستراتيجي مع القوات الذي يستند أساسا على مبدأ الدفاع عن سيادة الدولة، والتصدي لكل محاولات تدجينها خدمة لأجندات إقليمية.

2