القواعد الأربعون للحب المطلق للبشرية

الخميس 2014/05/01

ظهر لي اليوم شعدون من مكان لم أتوقعه، لما علق على أحد منشوراتي اليومية بالفيسبوك، التي غالبا ما تبدأ بـ”صباح الحب المطلق للبشرية”، فكان تعليقه عبارة عن سؤال: ما رأيك في كتابة “القواعد الأربعون للحب المطلق للبشرية”؟

كتبت: لم أكن أدري بأنك أحد أصدقائي “الفيسبوكيين”؟ في الأصل لم أكن أدري أن لك حسابا به؟

ردّ: حتى الشيطان له حساب على الفيسبوك، وإلا بربك كيف تنتشر الفتن بين الناس؟

ضحكت وكتبت: ليس لديّ أربعون قاعدة للحب المطلق للبشرية!

ردّ: أنصحك بقراءة رواية “قواعد العشق الأربعون”، للكاتبة التركية إليف شافان، التي تروي فيها قصة تصوّف جلال الدين الرومي على يد الدرويش شمس التبريزي.

كتبت: منذ عام أحاول أن أنشر قاعدة واحدة تتضمن ثقافة الحب، لأطفئ الفتن بين الطوائف، لكن معظم الناس يرفضونها، يريدون الحق قبل الحب، وأنا أرى أن كل حق وأيّ حق يستردّ بالحب لا بالعنف، فما بالك بكتابة أربعين قاعدة.. سينتحر القراء!

تخيلت ابتسامة على طرف شفتيه وهو يكتب: اكتبي عن الرواية، فبها الكثير من الحب وشيء من قواعده، والكثير عن الفتن التي تكتبين عنها، فالكاتبة تعدّد محن العرب قبل أقل من ألف عام، التي تشبه محنهم هذه الأيام، وهي تظن في ص31 أن الحب الذي احتاجته الشعوب آنذاك هو نفسه ما تحتاجه الآن في زمن الربيع العربي، بل إنها تصف ذلك الزمان وكأنها تصف زمننا هذا: “كان القرن الثالث عشر مفعم بالصراعات الدينية، والنزاعات السياسية، والصراعات اللانهائية على السلطة، فترة مضطربة.. فترة من الفوضى لم يسبق لها مثيل، المسيحيون يقاتلون المسيحيين، والمسيحيون يقاتلون المسلمين، والمسلمون يقاتلون المسلمين. فحيثما ولّى المرء وجهه، كان هناك اقتتال وألم وخوف شديد لما يمكن أن يحدث بعد ذلك”.

كتبت: كيف يمكنني أن أنجح في سعيي لنشر ثقافة الحب الخالي من شوائب المصلحة؟ حب الناس بعضهم لبعض بلا مقابل لا ماديّ ولا معنويّ ولا حتى دينيّ، أي أن يحبّوا الآخر باختلاف لونه ودينه، بفقره وغناه، بعجزه أو إعاقته، أو باختلاف فكره، أن يتقبلوه كما هو، ويحبّوه لإنسانيته وشخصه، دون اشتراط قوانين مقابل ذلك الحب؟

أجاب: جميل علوّ سقف مطلب الحب عندك، فإن حققت شيئا منه، يعني أنك حققت الكثير، فحالة منه أفضل من حالة اللاحب واللاحياة التي يتبناها الناس اليوم.

كتبت: لكني شخص محدودة الإمكانيات، كيف يمكنني نشر هذه الثقافة، التي أشعر بأن كثيرين يحقدون عليّ لمجرد إيماني بها؟

فخط على منشوري قبل أن يقفز خارجا من شاشة حاسوبي المحمول: “هكذا هي الحياة، فعندما تخبر أحدهم الحقيقة، فإنه يكرهك، وكلما تحدثت عن الحب ازدادت كراهيته لك”.

قلت: أتظن أن هذا هو السبب الذي قلص عدد التعليقات على منشوراتي في الفيسبوك، التي كانت تتجاوز المئتي تعليق حين كان أصدقائي الفيسبوكيون لا يتجاوزون الألفين، واليوم لديّ 5000 صديق وأكثر من 4000 متابع، ويقبع في صندوق طلبات الإضافة أكثر من 200 شخص ينتظرون موافقتي على إضافتهم، لكن التعليقات لا تتجاوز الثلاثين؟

أجاب: ربما! وربما حُذف أو انسحب الكثيرون، فلم يبق لديك إلا المتابعون بصمت، الذين يرصدون ما تكتبين، وليس تفاعلهم بالضرورة معك مباشرة، إنما يتفاعلون بالطريقة التي تناسبهم.

سألت: ماذا تقصد؟

أجاب: أي أن متابعيك جهات أمنية من أيّ مكان في العالم، فراقبي ما تكتبين!

ثم أردف قائلا: أعود إلى سؤالك عن إستراتيجية نشر الحب المطلق بين البشرية؟ بما أنه لديك الإرادة والتصميم، ستنشرينها، ابدئي برأس الهرم، إن قام الرأس بسدّ حاجات الشعوب الفطرية، المتضمنة للحب والأمان والطعام، سيصير لها القدرة على تلبية الدعوات الروحانية، وسيشغلها “الحب الكوني” كما قال شافان: “البشر مخلوقات بسيطة ذات حاجات بسيطة، لكن يقع على عاتق الزعماء تلبية احتياجاتهم، والحرص على ألا يضلوا سواء السبيل”.

تنفس ليضيف: الرومي يعتقد أن العشق جوهر الحياة وهدفها السامي، وإنه يقرع أبواب الجميع، بمن فيهم الذين يتحاشون الحب، حتى الذين يستخدمون كلمة “رومانسية” كإشارة إلى الرفض والاستهجان. وقساة القلوب الذين يذودون بأنفسهم عن دعوتك للحب من المتأكد أنهم من أكثر الناس حاجة إليه.

سألته: وهل في رواية شافان إستراتيجية تتضمن نشر قواعد حبها الأربعين؟

أجاب: نعم فمعظم تلك القواعد هي عبارة عن إستراتيجيات، وأهمّها “أن نجعل الحب يمرّ من قلوبنا لا عقولنا”، فليس للحب تبرير منطقي، غير الانسياق له بطبيعتنا البشرية التي فطرنا الله عليها.

قلت: لكن كثيرا من الناس يرون أن تعثرهم في الحياة سببه ربّ العالمين؟

ردّ: قولي قول التبريزي إن “الله لا يقبع بعيدا في السماوات العالية، بل يقبع في داخل كل منا، لذلك فهو لا يتخلى عنا” وفقا لقوله تعالى: “وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ”.

وهذه هي القاعدة الأولى من قواعد العشق الأربعين: “إن الطريقة التي نرى بها الله ما هي إلا انعكاس للطريقة التي نرى بها أنفسنا، فإذا لم يكن الله يجلب إلى عقولنا سوى الخوف والملامة، فهذا يعني أن قدرا كبيرا من الخوف والملامة يتدفق في نفوسنا، أما إذا رأينا الله مفعما بالمحبة والرحمة، فإننا نكون كذلك”.

استدرت إلى حاسوبي، ونقلت محادثتي الكتابية والشفوية مع شعدون على وثيقة مستقلة، لأبدأ بها أولى إستراتيجياتي لنشر الحب المطلق للبشرية.

16