القوالب النمطية حواجز نفسية بين الجنسين تبدأ في سن الطفولة

الأربعاء 2014/03/12
ليس هنالك من أعمال محددة تقع على مقاس الذكور دون الإناث والعكس صحيح

منذ أن يفتح المولود الصغير عينيه، حال نزوله من رحم أمه، تطبّق عليه التصنيفات العنصرية الأولية كشرط جزائي لقبوله في معترك الحياة. فالأولاد تتم تدفئتهم بأغطية زرقاء اللون، أما الأغطية الزهرية فتكون حتما من نصيب الإناث.

حتما سيكون في انتظار المولود الذكر غرفة زرقاء بسرير أزرق وأغطية زرقاء، أما الأنثى فتستأنف عالمها الوردي بدمية كبيرة زهرية الملابس والملامح.

حين يتجمع الأهل والأصدقاء والجيران لإلقاء نظرة على المولود الجديد، لا يفوتهم قبل تقديم واجب التهنئة للأبوين سؤال هاتفي احترازي عن (جنس) المولود، حيث يدفعهم إلى ذلك فضول طارئ، بل وتحدد إجابة الطرف الآخر نوع الهدية واللون ولون الغلاف والخيارات التي تنحصر على الدوام في اللونين الأزرق والزهري.

ويبدو أن الأبوين غالبا ما يحرصان عن – إعلان- جنس مولودهما في كل مناسبة، فيما يميل الأب إلى مناداة طفله الذكر بألفاظ تحمل في طياتها تمييزا عنصريا غير مقصود مثل “هذا الرجل الصغير” أو “البطل ذو العضلات القوية”. كما يميل إلى تبني بعض الصيغ التشبيهيّة ليسبغها على طفلته -الأنثى- مثل “أميرتي الصغيرة” و”قطتي الجميلة”.

والتمييز بين الجنسين يبدو جليا أيضا، حالما تستقبل حضانة الأطفال زوارها الجدد، فتميل المعلمات لإرشاد الفتيات إلى حجرة الدمى وأدوات المطبخ، في حين يشجع الأولاد على القيام بزيارة تفقدية إلى الركن الخاص بالسيارات والشاحنات وأدوات البناء وتصليح المكائن. أما تحية الصباح الأولى التي يسمعها الصغار في اليوم الدراسي الأول لهم في المدرسة الابتدائية، فستكون حتما: صباح الخير يا أولاد ويا بنات.

تفضيل الفتيات للعب بالدمى لم يكن مصدره التنشئة الاجتماعية بل يعزى بصورة أكبر للميول البيولوجية

ويحدث في كثير من الأحيان، أن يعمد المربون إلى استخدام العلامات والترميزات اللغوية واللونية النمطية في تعاملهم مع الصغار من دون قصد واضح، وأغلبهم قد لا يشعر بأنه يشجع بطريقة غير مباشرة أطفاله على بناء اللبنة الأولى للقوالب النمطية الجاهزة، التي تتطور إلى حواجز نفسية تفصل بين الجنسين وبالتالي تؤثر في تكوين صورتهم الشخصية عن الجنس الآخر، في اتجاه غالبا ما يتسم بالسلبية في اعتماده على تبني سلوكيات غير مقبولة للتمييز بين الذكر والأنثى (اجتماعيا ومعرفيا).

هذه المفاهيم التي رفضتها المجتمعات الحديثة بعد مرورها في سلسلة من الصراعات، كما عملت على تهذيبها مجتمعات أخرى ما زالت في طور – التعمير- اجتماعيا.

الدكتورة ربيكا بيغللر، اختصاصية علم النفس التربوي في جامعة تكساس في أوستن الأميركية، أمضت زمنا طويلا في حياتها المهنية لرصد تأثير مثل هذه الرموز والقوالب الجاهزة التي يضع فيها الصغار تصنيفاتهم المتعلقة بنوع الجنس، وبالتالي نظرتهم المستقبلية إلى الأدوار المعدة مسبقا.

وكانت أبحاث بيغللر التي شملت رصدا لمؤثرات البيئة الاجتماعية في صياغة القوالب النمطية للتمييز بين الجنسين، قد اعتمدت على بعض الدراسات التي أجريت في صفوف دراسية مختلطة في مراحل دراسية أولية، حيث أظهرت النتائج أن التلاميذ من الذكور والإناث الذين يدرسون في صفوف تُعتمد طريقة التعليم فيها على استخدام الترميزات اللفظية بين الذكور والإناث، يميلون إلى تبني صورة نمطية ثابتة فيما يتعلق بنظرتهم إلى الجنس الآخر؛ فيؤكدون مثلا على أن الذكور هم المرجحون لشغل المناصب الرئاسية أو أن الإناث لا يتقنّ سوى التمريض وتربية الصغار، كما أن الإناث أقل حظا من الذكور في الرياضيات والنشاطات الرياضية.

بمعنى وضع التصنيفات المسبقة للمهام والإمكانات الفردية وفق تعميم محدد أحدهم (صالح للذكور) والآخر (صالح للإناث)؛ فقد يميل الأولاد إلى التصريح في إحدى المناسبات “تصوروا، كيف سيكون شكل الحياة من دون لعب كرة القدم؟” أو “انظروا إلى هذا الفتى كيف لا يعرف حتى رمي الكرة، حتى أنه أسوء بكثير من الفتيات”.

الأطفال الذكور ربما يفضلون اللعب بالدمى الزهرية على الشاحنات والألعاب الميكانيكية التي تقدم لهم في العادة كهدايا نمطية

هذا الصبي سيكون بالتأكيد عرضة لسخرية أقرانه وسيتلقى ضربة قاصمة فيما يتعلق بفكرته عن نفسه، بمعنى أنه سيفقد احترامه وثقته بذاته في وقت مبكر جدا لخطأ لم يرتكبه؛ وهذا هو الخطر الذي تتحدث عنه الدكتورة بيغللر، حيث ترى أن وجود معلمين يميلون إلى التمييز بين تلاميذهم وفق الفروق الجنسية بدلا من الخصائص الفردية، يعني ببساطة تعزيز الصورة النمطية التي يبدأ الصغار من الجنسين في وضع لبناتها الأولى في هذه السنوات المبكرة. وهذا هو الخطأ الشائع الذي يقع فيه بعض الناس، فليس هنالك من أعمال محددة أو مهن معيّنة تقع على مقاس الذكور دون الإناث والعكس صحيح.

ولأن اختيار الألعاب يشكل عاملا مهما في تنشئة الصغار وتكوين مفاهيمهم النمطية، أشارت دراسة في وقت سابق على ذلك، أجريت في مركز بحوث جامعة سيدني الغربية؛ إلى أن الأطفال الذكور ربما يفضلون اللعب بالدمى الزهرية على الشاحنات والألعاب الميكانيكية التي تقدم لهم في العادة كهدايا نمطية، لأن الدمى تعكس ألوانا بهيجة وتعبّر عن ملامح باسمة تجذب الصغار في السنوات المبكرة من حياتهم بصرف النظر عن جنسهم.

في حين أن دراسات أخرى ألمحت إلى أن تفضيل الفتيات للعب بالدمى، لم يكن مصدره التنشئة الاجتماعية، بل يعزى بصورة أكبر للميول البيولوجية. ومع ذلك، فإن هذه الدراسات ليست كافية لرسم صورة دقيقة عما يحدث فيما يتعلق بنشوء الأنماط التقليدية في سلوك كلا الجنسين. فضلا عن ذلك فإن اتجاه الأولاد والبنات لتفضيل لعبة معيّنة على الأخرى قد يختلف في سن مبكرة جدا، قرابة الأشهر الخمسة الأولى من أعمارهم، فيما يطرأ التغيير لاحقا وصولا إلى سن الخامسة، حيث يقع الصغار تحت تأثير التغييرات الفسيولوجية والتنمية المعرفية، إضافة إلى الضغوطات الاجتماعية التي تشكل سلوكهم واتجاههم نحو الجنس الآخر.

21