القوانين الأميركية خارج الحدود: واشنطن الشرطي الاقتصادي للعالم

القوانين الأميركية سلاح يردع الشركات الكبرى التي تتعامل مع إيران، وأوروبا تستنجد بقانون يسمح بعدم الامتثال لأميركا.
الاثنين 2018/05/21
الخناق يضيق على إيران

واشنطن – تسمح القوانين الأميركية المطبقة خارج الحدود بردع الشركات الأجنبية المتعددة الجنسية عن القيام بأعمال تجارية مع بلد أو كيانات تستهدفها العقوبات الأميركية، حيث تعمد واشنطن إلى معاقبة كل الشركات التي تخالف العقوبات المسلطة على هذه الدول.

وتطبق العقوبات الثانوية الأميركية خصوصا على إيران، من خلال استهداف أشخاص غير أميركيين (لا سيما مؤسسات مالية أجنبية وتلك التي تحاول الالتفاف على العقوبات) وتتعامل مع أفراد وبلدان وأنظمة ومنظمات على صلة معها.

وهذه العقوبات التي رُفع القسم الأكبر منها في إطار الاتفاق النووي مع طهران في 2015، ستُعيدها واشنطن تدريجيا في الأشهر المقبلة بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخرا الانسحاب من الاتفاق.

ولذلك أطلقت المفوضية الأوروبية، الجمعة، الإجراءات الرسمية التي تهدف إلى تفعيل “قانون التعطيل” من أجل الحد من تأثير العقوبات الأميركية على الشركات الأوروبية التي تريد الاستثمار في إيران.

ويسمح قانون التعطيل هذا للشركات والمحاكم الأوروبية بعدم الامتثال للقوانين حول العقوبات التي يتخذها بلد ثالث، ويقضي بعدم تطبيق أي حكم يصدر عن محاكم أجنبية على أساس هذه التشريعات داخل الاتحاد الأوروبي.

وقال باتريك بوياني رئيس مجلس إدارة مجموعة توتال النفطية الفرنسية في كلمة في واشنطن “ما إن تعيد الولايات المتحدة العقوبات الثانوية، لن تبقى لدينا إمكانية البقاء في شركة متعددة الجنسية إذا ما استمرت توتال في التعامل تجاريا مع إيران”.

تهديدات العقوبات والانسحاب تثير مخاوف من مخاطر مالية على المؤسسات الأوروبية التي تريد الاستثمار في إيران كما تنذر بآثار سلبية كبيرة على اقتصاد إيران

وأضاف أن “هذه العقوبات تعني أن الرئيس الأميركي يمكنه أن يقرر أن توتال لم تعد قادرة على الوصول إلى المصارف الأميركية”. وتابع “لا يمكنني أن أترأس مؤسسة تمثل حوالي مئة بلد ولا تستطيع الوصول إلى المصارف الأميركية لأن تسعين بالمئة من تمويل توتال مرتبط بالمصارف الأميركية”.

وأوضح أن “الرئيس الأميركي يستطيع أيضا أن يأمر المستثمرين بالتوقف عن توظيف أموال في توتال، لكن حوالي 35 بالمئة من أسهمي أميركية ولا أستطيع أن أسمح لنفسي بأن أخسرها”.

وتعليقا على إعلان توتال الانسحاب من مشروع في إيران، قال “هذه هي قواعد اللعبة ويتعين علينا احترامها من أجل المصلحة الفضلى للمؤسسة”.

وكانت توتال أعلنت الأربعاء أنها ستوقف العمل في مشروع كبير بدأته في يوليو 2017 في إيران، إذا لم تحصل على إعفاء من السلطات الأميركية من العقوبات.

وقالت في بيان “لن يكون بإمكان توتال الاستمرار في مشروع ‘اس بي 11” وعليها أن توقف كافة العمليات المرتبطة به قبل الرابع من نوفمبر 2018، إلا إذا حصلت على إعفاء للمشروع من السلطات الأميركية، بدعم من السلطات الفرنسية والأوروبية”.

أسلحة خارج أراضي الدولة

باتريك بوياني: ترامب يستطيع أن يأمر المستثمرين بالتوقف عن توظيف أموال في توتال
باتريك بوياني: ترامب يستطيع أن يأمر المستثمرين بالتوقف عن توظيف أموال في توتال

طُبقت هذه العقوبات الثانوية في حالة إيران وكذلك على كوريا الشمالية وروسيا حيث استُهدف أثرياء مقربون من السلطة يتعاملون مع هاته الدول، لكن هذه العقوبات ليست السلاح الوحيد خارج الأراضي المتوفر للولايات المتحدة.

فـقانون الممارسات الأجنبية الفاسدة الصادر في 1977 يتيح لها تعقب اختلاسات شركة ما منذ إدراجها في وول ستريت أو معاملاتها المالية التي تمر عبر الدائرة المالية الأميركية. فهذا القانون المطبق خارج الأراضي، يعطي الولايات المتحدة دور الشرطي العالمي لمكافحة الفساد الذي يتيح لها إرساء نفوذها الجيوسياسي.

وحتى الآن، تمكنت من معاقبة عدد كبير من الشركات الأوروبية. ففي 2008، اضطرت شركة سيمنس الألمانية إلى دفع غرامة قدرها 800 مليون دولار لأنها قدمت رشى في الأرجنتين أو في فنزويلا.

وفي 2014، اضطرت شركة ألستون الفرنسية لدفع 772 مليون دولار عن قضايا فساد في إندونيسيا ومصر والسعودية والبهاماس. وكانت توتال نفسها ضحية في 2013 واضطرت إلى دفع حوالي 400 مليون دولار عن قضايا فساد في إيران، والأداة الأخيرة هي العقوبات المفروضة على انتهاكات الحظر.

ويحتفظ مصرف “بي ان بي” الفرنسي بذكرى مؤلمة عن ذلك بعدما اضطر في 2014 إلى دفع غرامة بلغت 8.9 مليار دولار عن صفقات أبرمت خارج الولايات المتحدة، لكن مع بلدان تخضع للحظر الأميركي (إيران والسودان وكوبا) بينما تقوم المجموعة بنشاطات في الولايات المتحدة أيضا.

تذمر أوروبي

تثير تهديدات العقوبات والانسحاب من الاتفاق، مخاوف من مخاطر مالية على المؤسسات الأوروبية التي تريد الاستثمار في إيران كما تنذر أيضا بآثار سلبية كبيرة على اقتصاد إيران. وتدين الدول الأخرى حتى تلك التي تعتبر حليفة لواشنطن تطبيق القوانين خارج الأراضي الأميركية.

وقال وزير المالية الفرنسي برونو لو مير، الأحد، إن بلاده تنظر في ما إذا كان بمقدور الاتحاد الأوروبي أن يعوض الشركات الأوروبية التي قد تواجه عقوبات من الولايات المتحدة بسبب تعاملها مع إيران.

وأشار لو مير إلى قواعد الاتحاد الأوروبي التي يرجع تاريخها إلى عام 1996، والتي قال إنها قد تسمح للاتحاد بالتدخل بهذه الطريقة لحماية الشركات الأوروبية من أي عقوبات أميركية، مضيفا أن فرنسا تريد من الاتحاد أن يشدد موقفه في هذا الصدد.

وفي عام 1996، حين حاولت الولايات المتحدة فرض عقوبات على الشركات الأجنبية التي تجري معاملات تجارية مع كوبا، أجبر الاتحاد الأوروبي واشنطن على التراجع بالتهديد بعقوبات انتقامية.

وأطلقت المفوضية الأوروبية الجمعة إجراءات يتعين على الدول الأعضاء والبرلمان الأوروبي المصادقة عليها وترمي إلى طمأنة الشركات الأوروبية التي استثمرت في إيران بعد توقيع الاتفاق النووي معها في 2015.

وأشار جان كلود يونكر، تعليقا على رد أوروبا على إعادة تطبيق الولايات المتحدة عقوباتها ضد إيران بسبب برنامجها النووي، “الآن حان الوقت للعمل، ولهذا السبب نطلق عملية تطبيق قانون العرقلة الصادر عام 1996 الذي يهدف لتحييد التأثير العابر للحدود للعقوبات الأميركية في الاتحاد الأوروبي”.

6