القوة الأخلاقية للناقد الأدبي

الثلاثاء 2017/05/16

ما معنى القوة الأخلاقية للناقد الأدبي؟ وهل هناك ناقد غير أخلاقي؟ وبأي معنى يكون الناقد غير أخلاقي؟

الناقد الأدبي هو مكتشف، يدخل عالم النص بأدوات اكتشاف معهودة أو جديدة للقبض على ما يعتقد أنه حقيقة النص المتخفية أو المستورة ويصوغها بأحكام متعددة. ولقد تعددت المصطلحات الدالة على هذه العملية من الاكتشاف كالقراءة والتأويل وإعادة كتابة النص والتفكيك والكشف عما وراء الكلام أو المسكوت عنه في النص إلخ. الناقد هنا وهنا بالذات يكون ناقداً أخلاقياً، من حيث الوسيلة والهدف.

إن الناقد والحال هذه لا يخوض معركة مع النص ولا مع صاحبه. لأن المعركة مع صاحب النص أو النص تتطلّب أسلحة القتل والنفي والدحض والتسفيه وما شابه ذلك من طرق القتال. عندها، أي إذا خاض الناقد الأدبي معركة كهذه، يكون الناقد لا أخلاقياً.

هذا لا يعني حرمان الشخص الأيديولوجي أو المشتغل بالمعرفة الإنسانية من حق خوض المعارك مع نصوص خصومه الفكريين والأيديولوجيين، لكن هذا عالم من النقد مختلف عن عالم النقد الأدبي، المعركة التي خاضها منتقدو طه حسين ضد كتابه في الشعر الجاهلي، أو المعركة التي خاضها كل من ماركس وإنجلز ضد الفكر الألماني أو كسجالات صادق العظم.

يعود الضعف الأخلاقي للناقد الأدبي هنا إلى جملة من الأسباب أو قل من الشروط التي يتحرك في حقلها الناقد.

أول هذه الأسباب الموقف الشخصي من المؤلف. فالناقد هنا لا يقوم بمهمة النقد بل بمعركة مع المؤلف نفسه أو بمدحه بما لا يستحق. وهذه حال منتشرة في عالمنا العربي، إذ تقوم العلاقات الشخصية التي يقيمها الناقد مع صاحب النص بتحديد مضمون النقد ولغته، وأنا أعرف حالات كثيرة من هذا القبيل. هذا الموقف الذاتي من المؤلف أحد أكثر الأسباب التي تطيح بالعملية النقدية من حيث هي عملية شبه إبداعية.

وثاني الأسباب الموقف الأيديولوجي المسبق من النص. أن يكون الناقد الأدبي ذا انتماء أيديولوجي وحزبي فهذا حقه، ولكن أن يجعل من هذا الانتماء طريقة في النقد وموقفاً من النص فهذا مثلب كبير. وكلنا يتذكر كيف نظر لوكاتش في مرحلته الشيوعية – الستالينية إلى طاغور، وصف شعره بالضعيف والصور الباهتة وأن حصوله على جائزة نوبل ليس إلا مكافأة الإمبريالية لعميلها الخاص.

والحق أنه من الصعب تصور ناقد منتمٍ إلى حزب أيديولوجي شمولي له قول في الأدب. وفي هذه الحال يخوض الناقد معركة شرسة مع نصوص المختلفين عن نظرته إلى الكتابة. وثالث الأسباب التعصب لشكل واحد وحيد من الكتابة في حقل من حقول الإبداع وجعله معيارا للنظر إلى الأشكال الأخرى، كالناقد المتعصب لشعر البحور الفراهيدية وموضوعاته الكلاسيكية الذي يذهب للكتابة النقدية عن ديوان شعر ينتمي إلى شعر التفعيلة أو الشعر الحر أو شعر النثر ويبدأ بعملية الطعان مع النص أو العكس.

أما ذلك النمط من الشجار مع نصوص الفكر ونصوص الفلسفة فهذا أمره خارج النقد بالمعنى الذي أشرنا إليه، بل إن صاحبه حتى لو استعمل كلمة نقد في العنوان فإن ما يقدمه لا يمت إلى النقد بصلة.

والسؤال: هل يستطيع الناقد الأدبي الدخول إلى عالم النص متحرراً مما سبق ذكره؟

الجواب أجل يستطيع و يجب أن يستطيع، و إلا جاء نقده نقداً غير أخلاقي.

كاتب فلسطيني مقيم في الإمارات

14
مقالات ذات صلة