القوة الإلكترونية عنصر أساسي مؤثر في النظام العالمي

الجمعة 2014/08/22
الإرهاب الإلكتروني جريمة المستقبل

القاهرة - التطور التكنولوجي المطّرد الذي شهده العالم في النصف الثاني من القرن الـ20 وبداية القرن الـ21، خلق عاملا جديدا مؤثرا على مستوى الموازنات الدولية وحفظ الأمن العالمي، نتيجة أهميتها القصوى على مستوى نجاح السياسات وتحقيق الرفاه الاقتصادي من جهة أولى، ونتيجة لسوء استخدامها واستغلالها في الإرهاب من جهة ثانية.

تسعى دراسة بعنوان “القوة الإلكترونية وأبعاد التحول في خصائص القوة” لصاحبها إيهاب خليفة، الباحث بمركز المستقبل للدراسات المتقدمة، للوقوف على التغييرات التي أثرت على أشكال القوة، ولما للتكنولوجيا الحديثة من أثر هام على تطور ممارسة القوة والنفوذ في العلاقات الدولية، ولما للمعلومة من أثر هام في حسم الصراعات الدولية. كانت جديرة بالملاحظة معرفة أثر التكنولوجيا الحديثة والفضاء الإلكتروني على مفهوم القوة وخصائصها وتحولاتها. حيث يرى المؤلف أنه من الضروري الوقوف على الفواعل والأطراف التي تمارس هذه القوة سواء كانت فواعل من الدول أو من غير الدول. وفي هذه الحالة يصبح مجال ممارسة القوة هو الفضاء الإلكتروني، وأطرافه هي الدول والفواعل من غير الدول، وأدواته برامج حاسوب وفيرو سات إلكترونية.

حيث يؤكد إيهاب خليفة أنه بفضل ثورة المعلومات، ومع ظهور الإنترنت ومواقع الويب أصبح الفضاء الإلكتروني أحد العناصر الرئيسية التي تؤثر في النظام الدولي بما يحمل من أدوات تكنولوجيا تلعب دورًا مهمًّا في عملية التعبئة والحشد في العالم، فضلاً عن التأثير فى القيم السياسية وأشكال القوة المختلفة سواء كانت صلبة أو ناعمة.


حقيقة أساسية في العالم


القوة الإلكترونية، يوضّح الباحث، أنّها أصبحت حقيقة أساسية في العالم بكل مظاهرها المتنوعة بما تقدمه من دعم ومساندة في العمليات الحربية والمجالين الاقتصادي والسياسي. وثورة المعلومات والمعرفة يكمن دورها في بروز مجتمع المعلومات الدولي والاقتصاد الإلكتروني الجديد الذي أثر على طبيعة النظام الدولي في ما يتعلق بالتقسيم الدولي للعمل، وهو الذي يحدد آفاق النمو أمام مختلف البلاد، ويعمل أيضا على توزيع الموارد الاقتصادية ومستويات النمو الاقتصادي، وأنماط التفاعل بين القوى الاقتصادية الدولية، والتأثير على القوة السياسية بالتأثير على عمليات صنع القرار في النظام الدولي.

الجماعات الإرهابية استغلت الفضاء الإلكتروني كمنبر لنشر أفكارها وجذب مؤيدين ومتطوعين لها

ويكشف أن مفهوم القوة الإلكترونية يتضمن تغطية كافة القضايا التي تتعلق بالتفاعلات الدولية والتي تشمل القضايا العسكرية والاقتصادية والسياسية والثقافية والإعلامية وغيرها، وتختلف عن مسمى الحرب الإلكترونية التي تقتصر على التطبيقات العسكرية للفضاء الإلكتروني، ويتم الإشارة إليه بالهجوم الإلكتروني.. ويقول “إذا كانت ثورة المعلومات لها تأثير على تطوير الجوانب العسكرية للدول، فإن لذلك أبعادًا سياسية واجتماعية؛ حيث ازدادت القدرات التدميرية للأسلحة. وهنا يثور تساؤل جدلي حول الدور الذي تلعبه التكنولوجيا في الحياة البشرية. فإذا كان لها مميزات تخدم الجنس البشري، فإن لها عيوبًا تفضي إلى القضاء عليه. ويثير تساؤل آخر حول دور التكنولوجيا في التأثير على القوميات الوطنية والثقافات الخاصة، والتي أصبحت عرضة للتأثير والتأثر بفضل ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات؛ حيث أصبحت السيطرة الثقافية لمن يمتلك التكنولوجيا ويستطيع أن يوظفها”.


الأمن الدولي


الدول تستخدم الفضاء الإلكتروني، بحسب ما أوضحته دراسة إيهاب خليفة، لاعتبارات الأمن والقوة العسكرية بشكل جعل العديد منها تدخل الفضاء الإلكتروني ضمن حسابتها الاستراتيجية وأمنها القومي، وهذا إلى جانب دور الفضاء الإلكتروني في تحقيق الرفاهية الاقتصادية والحصول على موارد الثورة والسلطة وتحقيق التفوق السياسي، وتعظيم معرفتها وسباقها العلمي والبحثي، والقدرة أيضا على تحقيق السلم والأمن والتفاهم الدولي من خلال دور الفضاء الإلكتروني كأداة اتصال ووسيلة إعلام دولية.

431 مليون شخص بالغ يتعرضون للجريمة الإلكترونية سنويا

ويرى أن العلاقة ما بين الفضاء الإلكتروني والأمن الدولي تتضح “حيث يوجد المحتوى المعلوماتي العسكري والأمني والفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي والخدمي والعلمي والبحثي في الفضاء الإلكتروني، خاصة مع التوسع في تبني الحكومات الإلكترونية من جانب العديد من الدول واتساع نطاق مستخدمي وسائل الاتصال وتكنولوجيا المعومات في العالم؛ حيث تصبح قواعد البيانات القومية في حالة انكشاف خارجي، وهذا ما يعرضها لخطر التعرض لهجمات الفضاء الإلكتروني إلى جانب الدعاية والمعلومات المضللة ونشر الشائعات أو الدعوة لأعمال تحريض أو دعم المعارضة الداخلية للنظام الحاكم”.

ويعتبر الباحث أن الصراع الإلكتروني أحد أوجه الصراع الدولي؛ حيث يستطيع أحد أطراف الصراع أن يوقع خسائر فادحة بالطرف الآخر، وأن يتسبب في شل البنية المعلوماتية والاتصالاتية الخاصة به، وهو ما يسبب خسائر عسكرية واقتصادية فادحة، من خلال قطع أنظمة الاتصال بين الوحدات العسكرية وبعضها البعض أو تضليل معلوماتها أو سرقة معلومات سرية عنها، أو من خلال التلاعب بالبيانات الاقتصادية والمالية وتزييفها أو مسحها من أجهزة الحواسيب، وبالرغم من فداحة الخسائر، فإن الأسلحة بسيطة لا تتعدى الكيلو بايتس، تتمثل في فيروسات إلكترونية تخترق شبكة الحاسب الآلي وتنتشر بسرعة بين الأجهزة، وتبدأ عملها في سرية تامة وبكفاءة عالية، وهي في ذلك لا تفرق بين المقاتل والمدني، وبين العام والخاص، وبين السري والمعلوم.


المنظمات الإجرامية


وحول المنظمات الإجرامية والجريمة الإلكترونية، تفيد الدراسة بأن المنظمات الإجرامية المتعددة الجنسيات، تعتبر أحد الفواعل التي تؤثر في التفاعلات الدولية، والتي غالبًا ما تلقى حماية من بعض الحكومات الضعيفة والفاسدة.

هذه المنظمات الإجرامية أوجدت لها ساحة على الإنترنت، وأصبحت تقوم بعمليات قرصنة إلكترونية بهدف سرقة المعلومات أو اختراق حسابات بنكية وتحويل الأرصدة منها، أو من خلال وجود سوق سوداء على الإنترنت لبيع معلومات مالية متعلقة بكلمات مرور شخصية وحسابات بنكية وأرقام كروت وبطاقات ائتمان؛ حيث تكلف الجرائم الإلكترونية الشركات أكثر من ترليون دولار سنويًّا. ولما كان من الصعوبة الكشف عن هوية هذه المنظمات؛ لما يتمتع به الفضاء الإلكتروني من قابلية التخفي، فإنه من الصعب مراقبتها أو تتبعها من أجل تقديمها للمحاكمة. وقد قدر التقرير الصادر عن شركة نورتون Norton للأمن الإلكتروني للعام 2011 أن 431 مليون شخص بالغ يتعرضون للجريمة الإلكترونية سنويًّا، أي أكثر من مليون شخص يقعون ضحية للجرائم الإلكترونية يوميًّا. كما يوضح التقرير أن 64 ٪ من الأشخاص الذين يقضون ما بين ساعة إلى 24 ساعة في الأسبوع عبر الإنترنت كانوا عرضة للجرائم الإلكترونية.

القوة الإلكترونية حقيقة أساسية في العالم بما تقدمه من دعم ومساندة في العمليات الحربية والاقتصاد والسياسة


الجماعات الإرهابية


فاعل آخر من الفواعل الدولية يتوقف عنده الباحث إيهاب خليفة يتمثّل في “الجماعات الإرهابية” التي أصبحت ظاهرة مُلحَّة بعد أحداث 11 سبتمبر؛ حيث كانت من أبرز الجماعات التي استخدمت الإنترنت في عمليات التجنيد والتعبئة، واستغلت الفضاء الإلكتروني كمنبر لنشر أفكارها وجذب مؤيدين ومتطوعين لها. وإن لم يتعدَّ الأمر لدى هذه الجماعات مرحلة الدعاية والتجنيد، فإنه يظل بإمكانها اختراق شبكات الكهرباء والطاقة والمواصلات، بل والمفاعلات النووية والأسلحة الموجهة إلكترونيًّا أو عبر الأقمار الصناعية والسيطرة عليها أو تدميرها، الأمر الذي قد يسبب كارثة بشرية.

كما تؤكّد الدراسة أنّ ممارسة القوة عبر الإنترنت تعد إرهابًا إذا صاحبتها دوافع سياسية؛ مثل التأثير على القرارات الحكومية أو الرأي العام. ويتم ذلك من خلال ثلاثة أبعاد هامة؛ فأما البعد الأول فيتمثل في توفير المعلومات عن الأهداف المنشودة لتنفيذ عمليات إرهابية تقليدية، فهو مساعد للإرهاب التقليدي، أو كوسيط في عملية التنفيذ. أما البعد الثاني فيستخدم فيه الفضاء الإلكتروني للتأثير على المعتقدات؛ مثل التحريض على بث الكراهية الدينية وحرب الأفكار. أما البعد الثالث فيتم في صورة رقمية؛ حيث تقوم الجماعات المتطرفة على اختلاف أشكالها باستغلال مزايا الفضاء الإلكتروني كعنصر حيوي لدعم وتحقيق أهدافها، ومنفذ لوجستي داعم وحاضن لنشاطها الإعلامي في مناطق مختلفة من العالم.

6