القوة العربية المشتركة.. حسابات الأمن وتعقيدات السياسة

الثلاثاء 2015/03/03
الأزمة في ليبيا تطرح فكرة التدخل العربي العسكري المشترك بشكل قوي

القاهرة - دفعت التهديدات الإرهابية والتحدّيات الأمنية الحكومات العربية إلى مراجعة سياساتها الدفاعية، إلا أن شراء الأسلحة لا يكفي، وفق بعض الخبراء والمسؤولين، الذين يرون أن أساس المواجهة يبنى على تحيين الاتفاقيات العربية المتعلّقة بالدفاع المشترك وتفعيلها على أرض الواقع لكن في صورة تتوافق وخصوصية كلّ دولة، وفي نفس الوقت تلائم كل السياسات، خاصة وأن كل جهة تريد أن تعمل هذه القوة وفق أولوياتها ورؤيتها؛ وكذلك تحديد أولوية الأماكن التي قد تتدخل فيها هذه القوة، المراد تكوينها، تختلف من جهة إلى أخرى.

كثير من الحالمين العرب، الراغبين في الخروج من الكوابيس التي تحيط بالمنطقة، سعدوا عندما تصاعد الحديث عن تشكيل قوة عربية مشتركة، لوضع حد للمآسي التي تعيشها دول عدة. وازدادت السعادة عندما تطور النقاش إلى كلام عن منظومة أمنية عربية جديدة، يمكن أن تتصدى للهجمة الشرسة التي تقودها دول، من داخل المنطقة وخارجها.

لكن في المقابل، اكفهرت وجوه دول أخرى، اعتبرت هذه القوة نواة لتغير عربي حقيقي، يستطيع مواجهة التحديات، الأمر الذي يضر بمصالح جهات خبرت التعامل مع الصيغة المترهلة الحالية، فبدأت آلتها الإعلامية وأدواتها السياسية التقليل من قيمة هذه القوة، ومحاولة وضع الكثير من العصي في دواليبها، قبل أن تتضح معالمها النهائية، وتصبح واقعا يصعب مواجهته.

الأسابيع الماضية، حفلت بصدامات بين الجانبين، الكثير منها خفي، والقليل بدا في الخطابات السياسية، خاصة الخطاب المصري. وكلتا الحالتين دليل على أن الحديث عن المنظومة الدفاعية المشتركة خرج من إطار الفكرة إلى محاولة تحويلها لعمل ملموس، الأمر الذي أشار إليه الرئيس عبدالفتاح السيسي في خطابه الذي وجهه للشعب المصري في 22 فبراير الماضي، على إثر المذبحة التي تعرض لها 21 مواطنا على أيدي تنظيم داعش في ليبيا.

التأكيد الثاني المباشر على الفكرة، جاء على لسان عبدالله الثني، رئيس الحكومة الليبية المعترف بها دوليا، خلال زيارته للقاهرة الأسبوع الماضي. نوه الثني، بلا مواربة، إلى الحاجة لقوة عربية مشتركة، تساعد بلاده على استرداد الأمن والاستقرار، بعد ما وصفه بالتعنت والتعسف الدولي في مساعدة حكومته، والامتناع عن رفع حظر تصدير السلاح للجيش الوطني الليبي.

متابعون أيدوا الفكرة لوقف التدهور في المنطقة وآخرون تحفظوا لأنها يمكن أن تؤدي إلى مزيد من الانقسام العربي


من الفكرة إلى المشروع


متابعون في القاهرة، استشهدوا بثلاث محطات أو تحركات رئيسية، لتأكيد أن المسألة تجاوزت الفكرة فعلا، وجاري البحث عن الصيغة التي يمكن التفاهم حولها.

المحطة الأولى مرتبطة بزيارة الثني لمصر. فغالبية الأحاديث واللقاءات التي أجراها رئيس وزراء ليبيا في القاهرة، كانت هذه الفكرة حاضرة فيها. ما يعني أن الثني سوف يستثمرها لتجاوز عقبة عدم تسليح جيش بلاده، أو يناور بها لحض القوى الإقليمية والدولية الرافضة للتدخل، وتعارض التسليح، وفي الحالتين يلتقي الثني مع الموقف المصري.

المحطة الثانية، التي توقف عندها كثير من المراقبين، تتعلق بزيارة الملك عبدالله الثاني، ملك الأردن، للمملكة العربية السعودية، يوم 25 فبراير الماضي، وبعدها بأقل من 24 ساعة كان العاهل الأردني في القاهرة. وكان على رأس مباحثاته الأمن ومكافحة الإرهاب، وبالتالي تطرق الحديث لموضوع القوة العربية المشتركة. ومع أن المعلومات لم تؤكد أن المشروع سيدخل قريبا حيز التنفيذ، إلا أن الإشارة التي غمز بها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لمساندة الأردن، وتعبيره عن استعداد بلاده إرسال قوات تعاون الطيران المصري قبيل قصف مواقع داعش، كانت مهمة، وتشي أن الملك عبدالله الثاني مؤيد لفكرة القوة العربية المشتركة.

أما المحطة الثالثة، فهي زيارة الرئيس المصري للرياض، في الأول من مارس الجاري، والتي جاءت بعد تنامي الحديث عن تحويل الفكرة لواقع، بعد لقاءات وتصريحات مختلفة، أهمها الاجتماع الذي عقده السيسي مؤخّرا مع نبيل العربي، الأمين العام للجامعة العربية، والذي كانت القوة المشتركة جزءا مهما خلاله، وسوف تتحول إلى بند أساسي على طاولة القمة العربية في نهاية الشهر الحالي. وبدأ نبيل العربي جولة للتباحث حولها، لذلك فالحصيلة التي خرج بها من لقاء الرئيس عبدالفتاح السيسي والملك سلمان بن عبدالعزيز ستكون لها تأثيرات محورية على الاتجاه الذي يمكن أن تستقر عليه.

نبيل العربي: مشاورات متعددة تجرى حول ضرورة تشكيل قوة عربية مشتركة لمواجهة الإرهاب

هل منظومة أمنية عربية، تتكون من دول محددة، أم قوة عربية شاملة، تحت مظلة الجامعة العربية، أم إعادة إحياء لاتفاقية الدفاع العربي المشترك، التي طواها النسيان، أم قوة لمكافحة الإرهاب، وهل هذه القوة هجومية أم دفاعية، وما هي الدول التي تتشكل منها، هل الدول الأربع الرئيسية، مصر والسعودية والإمارات والأردن، أم يمكن أن تشمل دولا أخرى؟

أسئلة كثيرة باتت مطروحة على طاولة النقاش منذ أن تصاعد الحديث عن القوة العربية المشتركة، لأن الإجابة عنها، ستحدد الشكل الذي يمكن أن تستقر عليه القوة المقترحة.


نقاط أساسية


“العرب” ناقشت الموضوع باستفاضة وصراحة مع خبيرين، أحدهما إستراتيجي، محمد مجاهد الزيات، رئيس المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، ووكيل جهاز المخابرات المصري سابقا، والآخر سياسي، أحمد فؤاد أنور، الخبير في الشؤون الإقليمية، وخرجت بأربع نقاط أساسية.

الأولى، أن القوة العربية مطلوبة في هذه اللحظة الفارقة في المنطقة، فالكثير من الدول العربية مهددة بالتفتت، بسبب التدخلات الخارجية، والعناصر الإرهابية، والتهديدات الأمنية، وتصاعد الدور الذي تقوم به ميلشيات متباينة، وهو ما يؤثر على وحدتها، ووجود هذه القوة بأي صيغة، ما لم تتدخل فعليا في بعض الأزمات، فعلى الأقل سوف تكون عنصر ردع، قد توقف المزيد من زحف القوى الطامعة، ولو أن معاهدة الدفاع المشترك معمول بها، كانت الكثير من الأمور قد تغيرت، بالتالي فالحاجة الأمنية الماسة لها، سوف تدفع بها للتنفيذ في أقرب فرصة ممكنة.

الثانية، حال الموافقة على تكوينها، بعد تحديد الصيغة التي يتم الاستقرار عليها، والمظلة التي تستظل بها، سوف تصبح مصر هي الركيزة الرئيسية لها، لأنها تملك جيشا قويا، من حيث العدد والعتاد، ولديها خبرة وجاهزية أعلى، خاصة في مجال مكافحة الإرهاب.

ولدى مصر وحدات خاصة مميزة. وقد يقتصر دور الدول الأخرى على المشاركة الرمزية، وهنا يجب أن يكون التنسيق والتعاون واضحا، والقيادة مشتركة، بصرف النظر عن حجم مشاركة كل طرف، وذلك لتجنب الحساسيات، وتجاوز أي نقاط خلاف يمكن أن تنشأ عند تطبيق المشروع.

الثالثة، مهما كانت الصيغة أو الطريقة التي سيتم تدشين القوة العربية بها، من الصعب أن تكون تحت مظلة الجامعة العربية، لأن هناك دولا عدة ترفض الفكرة أصلا، كما أن تفعيل معاهدة الدفاع العربي المشترك، حلم لم يتحق في ظل المد القومي العربي، فما بالنا الآن، وهناك دول تـعمل ضد مصـالح دول عربية.

المنظومة التي سيتم التفاهم حولها سوف تحدد الدور الذي تلعبه القوة العربية وهل هي هجومية أم دفاعية

بالتالي فالمشكلة التي يجب مراعاتها ألا تلقي القوة المشتركة بظلال سلبية على الجامعة العربية، أو تصبح مقدمة لإثارة مشاكل مضاعفة بين الدول العربية. فالجامعة التي تجاوزت انقسامات دول الممانعة والاعتدال بالنسبة إلى القضية الفلسطينية والتطبيع مع إسرائيل، قد تنقسم مرة أخرى على قاعدة محاربة الإرهاب أو السكوت عنه، لاسيما أن هناك دولا مثل قطر والجزائر والسودان لم تخف رفضها للحل العسكري في ليبيا.

الرابعة، أن القوة، مهما كانت الطريقة التي تتشكل بها، قد تحقق جملة من المصالح المصرية، وتوفر غطاء إقليميا تحتاجه القاهرة، خاصة في ليبيا، لكن في النهاية يمكن أن تجعل مصر كأنها “شرطي المنطقة”، في ظل الفراغ العربي حاليا، ووسط أطماع تركيا وإيران، وهنا يكمن الخوف على الجيش المصري، فقد يجد نفسه متورطا في حرب ممتدة في ليبيا.

وينتهي به الحال مثل ما انتهى إليه حاله في حرب اليمن، وما تلاها من انعكاسات على المواجهة مع إسرائيل، حيث ساهم التورط في حدوث هزيمة يونيو 1967. أو قد يجد نفسه مقيما في ليبيا على طريقة الجيش السوري في لبنان، الذي دخل أولا تحت مظلة عربية لوقف الحرب الأهلية، انتهت إلى بقائه نحو ثلاثين عاما، حتى خرج من لبنان ليواجه بعد سنوات قليلة أزمته الراهنة.

الخلاصة التي يمكن أن تقود إليها مناقشات القوة العربية، أنها على المستوى النظري فكرة جيدة، قد تعيد التضامن للجسد العربي، وتصبح أحد أسلحة الردع المطلوبة، لكن يبقى الخوف من تحول المشروع لورقة تفتح بابا جديدا للمشكلات والأزمات، بما يؤثر على الكيان التقليدي للجامعة العربية.

6