القوة الناعمة أداة" الفوضى الخلاقة"

الخميس 2013/08/29

المتابع للدبلوماسية العربية لابد وأن يلحظ العلاقة التعاضدية بين إحدى القنوات الفضائية والكيان الحاضن لها والتي تمثل له قوته الناعمة وتعمل في إطار محدد لا يتجاوز بأي حال محددات سياسته واستراتيجيته الساعية إلى الخروج من عباءة المجلس الذي يضمه إلى فضاء المشاكسة واللعب بالنار، معتمداً على تلك القوة كأكسير للحياة لعدم امتلاكه للعمق التاريخي والحضاري الذي يؤهله لمكانة ما في محيطه الإقليمي والعربي، إضافة إلى اعتماده على البترودولار والقدرة الدبلوماسية الجيدة للمناورة ومعرفة الخطوط التي يقف عندها.

اكتفت القناة في بداياتها بمحاولة كسب الشارع العربي وركزت خطابها على تحقيق الرغبة الجماهيرية بمزيد من حرية التعبير فعرضت نفسها كمنبر حر وتوجهت نحو نقاط الخلل في المجتمعات العربية وضخمتها بشكل مستفز أدى إلى استحسان بعض الشرائح المجتمعية وضجر بعض الزعامات العربية. تلك فترة كانت كافية جداً لتحديد الحصان الذي تراهن عليه كقوة تعمل لصالح الكيان الحاضن، فكان حصانها القوى الإسلامية الراديكالية والتنظيم الدولي الميكيافيلي. كما كانت فرصة جيدة لكيانها الحاضن أن يتلمس خطوته التالية بواسطة هذا الحصان لصناعة العمق والتاريخ الذي يحتاجه للخروج من دوره المتواضع كوسيط في النزاعات المختلفة أقصى ما يمكنه فيها هو العمل على تخفيف التوتر دون تقديم أو فرض حل، إلى دور أكثر فعالية وتأثيراً. هذه المراهنة تؤكد أن هناك من لم يستوعب التجربة السعودية مع تلك الحركات التي خرجت أساسا من رحم ذلك التنظيم الذي مارس أكبر عمل خياني في حق السعودية بعد أن احتوت قياداته وأعضاءه مرتين متتاليتين ووفرت له الحماية من عبدالناصر وحافظ الأسد فكافأها التنظيم الدولي بتأييد ودعم صدام حسين إبان تهديده للدولة السعودية.

مما لا شك فيه أن تلك القناة التي عملت على إرضاء الشارع، على حساب المهنية الإعلامية، لكسب قاعدة جماهيرية تشكل عمقاً للكيان الحاضن تجاهلت أن ذلك سيؤدي بالوسيلة الإعلامية في مرحلة ما إلى الاضمحلال التدريجي في الأزمات المتلاحقة التي ينقسم فيها الجمهور وستضطر إلى إشباع رغبة جمهور ما ومحاصرته في بوتقة أحلامه وآماله البعيدة عن الواقع على حساب جمهور آخر، مما يعني الانحياز إلى شريحة جماهيرية معينة حتى وإن اتسمت ببعض الصلابة ولا اعتبار لتأخر عملية التشظي الجماهيري. ويبدو أن الربيع العربي – الذي أراه خريفاً عربياً – كان فرصة للكيان الحاضن للقناة ولقوته الناعمة لتزيد في صلابة هذه القاعدة بمد الأذرعة لدعم حزب النهضة الإخواني في تونس ثم أتبعت ذلك، أثناء الثورة ضد نظام مبارك، بخطابات لمنظري الإخوان كالقرضاوي مثلاً في رسائل لا علاقة لها بالثورة بقدر ما كانت للترويج لتنظيم الإخوان الحليف الاستراتيجي للكيان الحاضن والذي تراه الجارة الكبرى خطراً محتملاً فأظهرت التنظيم الذي لم يشارك في الثورة أصلاً في أحسن صورة ممكنة مما مهد لخطف الثورة لاحقاً.

ركزت القناة بشكل عام على تضخيم المعلومة التي تهم الجمهور وبالغت كثيراً في ذلك حتى أصبح تفجير سيارة مفخخة يشكل انتصاراً كبيراً ذا نتائج ضخمة في ساحة الصراع وهو ما لوحظ بشكل جلي في أحداث الثورة الليبية – بصرف النظر عن تأييدنا لتلك الثورة – حيث توافق الدعم الإعلامي مع رغبة الحاضن في لعب دور ما في صناعة الغاز الليبية في مرحلة ما بعد الثورة. هذا بالإضافة إلى الدعم المادي بمليارات الدولارات من الحاضن والذي قد يصل إلى دعم لوجستي كإرسال فريق من القوات الخاصة لتدريب التنظيمات الحركية كما حدث في مالي. وحيث أن من الأهمية إبراز دور الحاضن فلابد من تجاهل أي دور للحكومات الأخرى التي يمكن أن تقوم بنشاط ما يتماهى مع الرغبة الجماهيرية. وقد نسوق هنا مثالين لما تم تجاهله أو تشويهه على نحو ما:

لم تُشر القناة في أي من تقاريرها، حينما كانت متسيدة لتغطية أحداث غزو العراق وما بعده، إلى المستشفيات الميدانية السعودية التي وصلت إلى العراق والتي رفضها الحاكم العسكري برايمر وطلب من الرياض سحبها وعدم التدخل في العراق بينما سمح ذلك الحاكم لطهرن بأكثر من ذلك والنتيجة بطبيعة الحال هو اتهام الشعوب العربية للرياض بتسليم العراق لإيران وهو عكس الحقيقة تماماً. لم تكن القناة لتجرؤ على ذكر أي دور سلبي لإيران التي تقع بمحاذاة حدودها البحرية حقول غاز الحاضن. وهو نفس السبب الذي جعل القناة في مرحلة زمنية لاحقة تغض الطرف عن التظاهرات الإيرانية والقمع الدموي لها رغم زعمها أنها تقف إلى جوار الشعوب كما غضت الطرف عن شعب الأهواز العربية. هذا ببساطة لأن استراتيجية الحاضن السياسية تتفادى الاصطدام المباشر أو غير المباشر مع طهران حتى في أشد حالات التوتر.

المثال الثاني حديث إلى حد ما، فالزيارات المتعددة التي قام بها وزير الخارجية السعودي للقاهرة عقب خلع الرئيس مبارك والتي كانت للضغط على السلطة العسكرية لسرعة تسليم الحكم لحكومة مدنية إلا أن الإعلام الإلكتروني المساند للقناة شوه مضمون الزيارات وأحالها إلى زيارات وساطة لإطلاق سراح مبارك. آلية التشويه هذه ليست الأولى من نوعها ولن تكون الأخيرة التي يقوم بها الإعلام الإلكتروني المساند ومن يستقطبهم الحاضن للكتابة في صحفه المحلية سواء بقصد أو بغير قصد ويمكن مراجعة مقالنا السابق بعنوان تفكيك التفكيك في هذه الصحيفة كنموذج للتشويه واتهام القوى الناعمة المنافسة بالتصهين للتشكيك فيما تبثه لصالح أي جهة تمثل خطراً على المكانة التي يسعى إليها الحاضن.

إذن نحن أمام سياسة إعلامية تعتمد التهويل والتهوين حسب ما تمليه سياسة الحاضن. وبالعودة إلى مصر فقد لاحظنا عند بداية الاحتجاجات ضد الرئيس المعزول مرسي، والتي تم تحديد موعدها مسبقاً، أن القناة كانت تبث برنامجاً تدريبياً عن كرة القدم في محاولة للتهوين من الحراك الثوري ضد نظام الإخوان الحليف الاستراتيجي للحاضن الذي سبق وأن دعم بـ 3 مليارات دولار وبـ 8 مليارات دولار حكومة الإخوان. وهو الموقف الذي تطور لاحقاً لتصبح القناة بوقاً للإخوان يروجون من خلاله رسائلهم وتتولى هي بدورها التضخيم والتهويل بل ونشر الأكاذيب فيما يستمر الإعلام الإلكتروني المساند في دعمه مستخدماً كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة إعلامياً فيما يقوم الحاضن بالتوازي بإطلاق التصريحات السياسية المؤيدة للإخوان من النوع الذي لا يؤثر على علاقته بالحكومة المصرية بشكل مباشر ولا بأس ببعض الفرقعات الإعلامية لرئيس دولة إسلامية وبعض الدموع على إحدى الضحايا.

في مصر كانت هذه القناة ضد الشعب أثناء حكم الإخوان ثم انتقلت إلى دعم الإخوان ووصفتهم بالشعب – رغم كونهم شريحة منه تمثل الأقلية – ضد الحكومة الانتقالية واستمرت في وصف الأهالي المتضررين من المسيرات والداعمين للحكومة الانتقالية والذين يتعرضون للعنف المفتعل بالبلطجية رغم عددهم الكبير جداً. هذا السخاء الإعلامي والدعم المنقطع النظير، ورغم أنه يشكل خطراً كبيراً على مصداقية القناة التي خسرتها بالفعل، ورغم أنه يضاعف كذلك حالة التشظي الجماهيري وهو ما يعني المزيد من الخسارة، إلا أنه يتفق مع سياسة الكيان الحاضن.

18