القوة الناعمة تتسرب من أيدي الاتحاد الأوروبي

الجمعة 2017/05/05
الأزمات تغمر أوروبا

فاليتا – عندما التقى وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في الآونة الأخيرة في قصر في مالطا من الطراز الباروكي الذي يرجع للقرنين السابع عشر والثامن عشر، قال الوزير الفنلندي مازحا إنه رغم الفخامة التي تشع من حولهم فهم ليسوا سوى “أطباء ولحامين” يحاولون “رتق الأمور” في العالم.

شاعت مثل هذه النبرة اليائسة عن النفوذ العالمي لأوروبا في وقت يكافح فيه الاتحاد للتأقلم مع قرار بريطانيا الانفصال عنه ومواجهة أزمة مهاجرين لم يسبق لها مثيل؛ وكذلك صعود النزعة الشعبوية المناهضة للاتحاد والتي دعمت الحكّام السلطويين ذوي الميول القومية في المنطقة.

ورغم أن حلف شمال الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة يتحمّل منذ فترة طويلة العبء العسكري في أوروبا استطاع الاتحاد الأوروبي، الذي يتمتع بقوة اقتصادية كبيرة، التباهي “بقوة ناعمة” حقّق من خلالها نجاحات دبلوماسية تتراوح بين دوره في إبرام الاتفاق النووي الإيراني عام 2015 وتحقيق الوفاق مع كوبا والانتفاضة المؤيدة له في أوكرانيا.

غير أن بعض الوزراء والدبلوماسيين يشيرون إلى عجز الاتحاد الأوروبي عن إنهاء الصراع في أوكرانيا أو المساعدة في حل الأزمة السورية باعتبار ذلك من الأدلة على تعثره بما يفيد روسيا والإضرار بهذين الشعبين.

وقال دبلوماسي كبير من الاتحاد الأوروبي “لم نفقد كل قوتنا الناعمة لكننا نشعر أن سلطتنا الأخلاقية ليست بالقوة التي اعتدنا عليها”.

ويسعى الاتحاد الأوروبي إلى نشر سيادة القانون والديمقراطية في الخارج وقد حول دولا شيوعية سابقة إلى ديمقراطيات مزدهرة تقوم على أساس عوامل السوق.

غير أنه بعد اجتماع في أبريل وصف وزير الخارجية البولندي فيتولد فاشتكوفسكي الجو السائد بين زملائه بأنه “متشائم ومحبط” مستشهدا “بالأزمات الكثيرة التي تغمر أوروبا: سوريا وليبيا واليمن”.

وأضاف “الوضع في الشرق الأوسط ليس حسنا. والنتيجة أن الاتحاد الأوروبي ليست لديه أدوات تذكر للتأثير في المشاكل التي تشهدها المنطقة”.

جان مارك أيرولت: نحن بحاجة إلى زيادة سرعة الإيقاع وأن تكون لدينا الثقة لنلعب دورا في العالم

أما وزير الخارجية الفرنسي جان مارك أيرولت، الذي حاول دون جدوى تنفيذ اتفاق سلام مع موسكو في أوكرانيا، فقد تملكه التشاؤم بعد ذلك بأسابيع في مالطا عندما اجتمع الوزراء لبحث الحكم السلطوي المتنامي في تركيا.

وقال أيرولت في فاليتا “نحن بحاجة إلى زيادة سرعة الإيقاع وأن تكون لدينا الثقة كي نلعب دورا في العالم”، مضيفا أن المناقشات بين الوزراء تركز أكثر من اللازم على الجوانب الفنية وتفتقر للرؤية.

وبوسع الاتحاد الأوروبي أن يشير إلى وحدة موقفه من العقوبات الاقتصادية على روسيا في أعقاب ضم موسكو شبه جزيرة القرم عام 2014 ودعمها للانفصاليين في شرق أوكرانيا.

وحتى في ظل الغموض الذي يكتنف اتجاه العلاقات الأميركية الروسية في أعقاب انتخاب الرئيس دونالد ترامب يقول دبلوماسيون إن من المتوقع أن يمدد الوزراء العمل بالعقوبات في يوليو. كما أن خطط دول الاتحاد للتعاون في مجال الدفاع تحرز تقدما.

لكن البعض يقول إن الاتحاد الأوروبي كتكتل لا يتمتع بالقوة الكافية لحل الصراع في شرق أوكرانيا.

وقال فريدريك ويسالو، المحلل بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إن زيارة فيديريكا موغيريني، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، لموسكو في أبريل لم تحرز أي تقدم.

وامتنع مكتب موغيريني عن التعقيب غير أن مسؤولين بالاتحاد يشددون على أن التكتل له دور كبير في أوكرانيا يتركز على التدريب الأمني والمساعدات المالية وتنفيذ اتفاق للتجارة الحرة وتقديم الدعم القوي لاتفاقات مينسك للسلام.

وقال مسؤول بالاتحاد الأوروبي إن أحدث فقدان للثقة في النفس يرجع في جانب منه إلى اتفاق مع أنقرة في العام الماضي وافقت بمقتضاه تركيا على قبول لاجئين سوريين مقابل أموال من الاتحاد الأوروبي.

وأضاف المسؤول الذي شارك في المحادثات “وافقنا على صفقة أعطت تركيا ضمنا سطوة علينا”، مشيرا إلى أن الاتحاد أصبح بلا حول ولا قوة في وجه السجن الجماعي للمعارضين في تركيا منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في العام الماضي.

وفي مجالات أخرى تعمل المجر واليونان وقبرص على إضعاف بيانات الاتحاد الأوروبي عندما يحتاج إلى موافقة جميع الحكومات.

وقال دبلوماسي من الاتحاد الأوروبي “عندما لم يستطع الاتحاد الخروج ببيان قوي عن عسكرة بحر الصين الجنوبي في يوليو كان المجريون هم من عرقلوه”.

كذلك فإن بعض القوى تخرج عن سيطرة بروكسل ومنها سياسة الرد التي تتبعها روسيا وتصرفات ترامب التي لا يمكن التنبؤ بها وانفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي. ولم يحضر وزيرا الخارجية والدفاع البريطانيان الاجتماع الوزاري للاتحاد الأوروبي في مالطا.

والأمل في بروكسل الآن هو أن يوفر عام 2017، بعد انتكاسات 2016، قاعدة أقوى يمكن للاتحاد أن يعمل من خلالها على تنشيط سياسته الخارجية لا سيما من خلال خطة دفاع أوروبية منفصلة عن الولايات المتحدة.

وبخلاف الدلائل المتنامية على انتعاش اقتصادي في منطقة اليورو من شأنه تخفيف الضغوط على الميزانيات الوطنية فإن الفوز المتوقع على نطاق واسع للمرشح المؤيد للاتحاد إيمانويل ماكرون في الجولة الثانية والحاسمة من انتخابات الرئاسة الفرنسية الأحد سيعتبر علامة طيبة. وقال أيرولت “الأمور بدأت تتحرك قليلا في الاتجاه الصحيح”.

6