القوة والضعف.. كورونا والمجانين

الدبابة التي تحارب بها إسرائيل على أرض الآخرين قد تسقط، هي والكتيبة كلها، بشيء أقل وأصغر من أي سلاح تعرفه.
السبت 2020/02/15
العنف سلاح الضعفاء

لا يحتاج المرء أن يكون غبيا لكي لا يفهم أن القوة والضعف مفهومان نسبيان، وعناصرهما تتغير باستمرار. فما يبدو قويا اليوم، قد يكون، بعناصر قوته ذاتها، ضعيفا غدا أمام عناصر أخرى. والعكس صحيح.

ولقد قدم التاريخ الكثير من الأمثلة على ذلك. سوى أننا نعيش في عالم تتسارع فيه المتغيرات، وتتغير عناصر القوة والضعف بمقدار يكاد لا تمكن ملاحقته من كل اتجاه.

حتى وقت قريب، كانت إسرائيل تتبنى استراتيجية دفاعية تقضي بـ”الحرب على أرض الآخرين”. بمعنى أن تندفع القوات الإسرائيلية بسرعة لتحتل أرض الآخرين، وتخوض الحرب فيها، بدلا من أن تخوضها داخل أراضيها أو على الحدود.

إسرائيل طبعا، استخدمت هذه الاستراتيجية للتوسع، لتظل أرض الآخرين “أرض حرب”، بقصد إضعافهم باستمرار. وكان ذلك وجها من وجوه الشق الثاني للاستراتيجية الدفاعية الإسرائيلية، وهو يقول “قوة إسرائيل تكمن في ضعف محيطها”.

 تملك إسرائيل جيشا قويا. ولكن من قال إن حروب المستقبل تتطلب جيوشا؟ ومن قال إن قوة المستقبل هي قوة جيوش من الأساس؟

لم يمض وقت طويل، على أي حال، حتى تحولت الصواريخ الباليستية إلى سلاح متداول. وأتاح انتشارها وسهولة تصنيعها تبديد فكرة “الحرب على أرض الآخرين”. فالحرب يمكن أن تنشب في تل أبيب، حتى ولو بقي الجنود الإسرائيليون في أعلى قمم الجولان.

ولكن ما رأيك في فكرة من قبيل “قوة لبنان في ضعفه”؟ إنها الفكرة التي دافعت عنها أجيال من القيادات السياسية اللبنانية.

وعندما جربت إسرائيل غزو لبنان، هُزمت شر هزيمة، وفرت قواتها فرار المذعورين، بمجرد أن بدأت المقاومة بأفراد مسلحين بمسدسات. حتى وصل الأمر بالدبابات الإسرائيلية التي دخلت بيروت عام 1982، أن أصبحت تنادي بمكبرات الصوت للسماح لها بالانسحاب قائلة “نرجوكم لا تطلقوا علينا النار”.

لبنان ليس قويا مقارنة بترسانة الأسلحة التي تملكها إسرائيل. نعم، تستطيع إسرائيل أن تخرب وتدمر، إلا أنها لم تعد تستطيع أن تحتل شبرا إضافيا منه. منذ ذلك الوقت، سقطت استراتيجية “الحرب على أرض الآخرين”.

إسرائيل ليست قوية سكانيا، ولا جغرافيا، ولا حتى اقتصاديا، ولا تملك من الموارد ما يكفي لجعلها قوة استراتيجية حقيقية.

نعم، تملك إسرائيل جيشا قويا. ولكن من قال إن حروب المستقبل تتطلب جيوشا؟ ومن قال إن قوة المستقبل هي قوة جيوش من الأساس؟

بتمسكها باحتلال أرض الآخرين، وبتخريبها أسس السلام العادل، وبسياستها العنصرية ضد الفلسطينيين، وبحصارها القبيح لمليوني إنسان في غزة يعيشون في أكبر سجن في التاريخ، توفر إسرائيل من الكراهية لبقائها الكثير مما يُبقي العزم قائما على إزالتها من الوجود.

هل الأمر ممكن؟

إسرائيل قد لا تذكر الآن المسدس الذي كان أول سلاح للمقاومة في بيروت، والذي دفعها إلى الفرار.

يوم 24 سبتمبر 1982 اقتحم خالد علوان (من الحزب القومي السوري) مقهى يغص بالجنود الإسرائيليين، في شارع الحمرا وسط بيروت، وأفرغ رصاصات مسدسه فيهم.

إنه مسدس فرد، أطلق شرارة، وتحولت الشرارة إلى تيار عاصف، انتهى بخروجها الذليل من كل لبنان.

كورونا الشبح الذي أرعب العالم
كورونا الشبح الذي أرعب العالم

قبلها كان الزعيمان الوطنيان جورج حاوي ومحسن إبراهيم أطلقا في 16 سبتمبر، نداء من منزل كمال جنبلاط يعلن عن تشكيل “جبهة المقاومة الوطنية” قال “يا رجال ونساء لبنان من كل الطوائف والمناطق والاتجاهات، أيها اللبنانيون الحريصون على لبنان بلدا عربيا سيدا مستقلا، إلى السـلاح استمرارا للصمود، دفاعا عن بيروت والجبل، وعن الجنوب والبقاع والشمال، إلى السلاح تنظيما للمقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال وتحريرا لأرض لبنان من الرجس على امتداد هذه الأرض من أقصى الوطن إلى أقصاه”.

لبنان “ضعيف” جدا. والدبابات في قلب بيروت. والجنود الإسرائيليون “يتفسحون” في المقاهي. ما أجلّها من “قوة”. ولكن بعد سلسلة عمليات دمرت بضع دبابات، بدأ العويل، وبدأ الفرار. وسمع الناس كلهم، نداء الهرب “يا أهالي بيروت لا تطلقوا الرصاص نحن منسحبون”.

انسحبت إسرائيل يومها إلى “أرض الآخرين” في فلسطين المحتلة.

بتغير عناصر القوة والضعف، ليس مطلوبا الآن أكثر من “مسدس” من هذا النوع أو من نوع آخر، أو من كليهما معا، لكي تجد إسرائيل نفسها عاجزة عن الانسحاب إلى كندا؛ مسدس يطلق رصاصات، وآخر يكح ويبصق ويعطس.

انس الموضوع. لأن الإسرائيلي الذي “يعيش ويبول ويتزوج في دبابة” لن يفهم.

لنتحدث عن موضوع آخر. إقليم ووهان، بؤرة فايروس كورونا، يكاد يتحول إلى جحيم، لنفسه، وللصين برمتها. الفايروس يتفشى بطرق مرعبة. يتناقله مقيمون ومسافرون وعابرو سبيل، والمجانين كثر.

هل تشعر إسرائيل أنها “بلد قوي”، وأنها تستطيع أن تتنمر على متطلبات السلام؟

الدبابة التي تحارب بها إسرائيل “على أرض الآخرين”، قد تسقط، هي والكتيبة كلها، بشيء أقل وأصغر من أي سلاح تعرفه.

المجانين كثر. وذلك إلى أن تفهم إسرائيل أن السلام خير للجميع. خير لها، من ساعة حشر مع المجانين. وإني لأسمعهم ينشدون:

“أيها المارون بين الكلمات العابرة/ كدّسوا أوهامكم في حفرة مهجورة، وانصرفوا/ وأعيدوا عقرب الوقت إلى شرعية العجل المقدس/ أو إلى توقيت موسيقى مسدس/ فلنا ما ليس يرضيكم هنا، فانصرفوا”.

هذا مشروع للسلام. وهناك “سلام الشجعان”. ودونهما ساعة الحشر مع المجانين.

8