القول في لماذا

الثلاثاء 2018/02/06

مثلما توجد أدوات حلاقة وأدوات زينة وأدوات نجارة، وأدوات تعذيب حتى، توجد أدوات استفهام. نعم، الاستفهام يحتاج إلى أدوات، ويقتضي معرفة باستخدامها، ومهارة أيضا. لا أحد يعلمنا استخدام أدوات الاستفهام، ويفترض أن نحسن استخدامها بالسليقة.

لا أحد يعلّم أحدا استخدام أدوات حلاقة الذقن للأولاد والزواق للبنات. الكل يفترض أن الولد سيتفرج على أبيه أو أخيه الأكبر ويقلدهما، وهذا ما يحصل. والأمر نفسه مع أدوات الاستفهام المتاحة للجميع بدون اعتبار للجنس أو الدين أو المذهب السياسي. المدرس وضباط الصف والوالدان والجميع بلا استثناء يعرفون استخدام متى وكيف وماذا وأين، إلى آخر القائمة. منذ الطفولة نتربى على سماع الأسئلة دون توقف: أين خالد؟ من لطخ فرش السفرة؟ متى تنهي واجبك المنزلي؟ وهكذا. معرفة الإنسان تقوم على الاستفهام. وهناك أداة استفهام لها قيمة استثنائية وأظنها مسؤولة عن التعلق بالديانات وبالفلسفة وبالخرافة وبالعلوم أيضا. “لماذا” أداة استفهام تفضي إلى الفلسفة والعمق مباشرة.

حين سأل الإنسان لماذا يبرق البرق أو يثور البركان أو يفيض النهر ويدمر المحاصيل، نشأت أديان للإجابة على هذه الـ”لماذا” وظهرت آلهة وملحقاتها. ابتكر الإغريق حكايات وحكايات عن غضب زيوس وإرساله البرق من باب الغضب. ونذكر هنا أن آلهة الإغريق ظريفة وتشبه الإنسان تماما وما عندها أجنحة طائر أو رأس كلب أو وجه بوم. وآلهتهم عندها مشاعر غيرة وحب وكبرياء ومشاجرات وحتى نميمة، مثلنا. هناك طبعا وفي الجهة المقابلة لـ”لماذا” العميقة تقع “كم” التافهة التي تقال في الغالب مصحوبة بكلمة “حسابك” في محادثة ضحلة مع نادل القهوة أو سائق التاكسي. وكل ما يتعلق بسائقي التاكسي تافه ويثير الغضب ولا يفضي إلى عمق أو فلسفة.

الغريب أن “لماذا” في أغلب اللغات لا تمتلك كلمة خاصة بها ومستقلة، بل تأتي على شكل “لأي شيء” مثل “لماذا” وPourquoi الفرنسية وWarum الألمانية. للأسف لا تستقل وهي أداة استفهام تستحق كل التكريم لدورها الحيوي في تطوير الدين والعلم والفلسفة. والغريب أيضا أن لـ”لماذا” جاذبية خاصة لدى الأطفال. يقولونها ولا يعنونها في معظم الوقت. أو يستخدمونها للمعابثة وصياغة أسئلة سمجة يعرفون أنها تضايق الكبار وخصوصا أولئك الذين ينظرون إلى “لماذا” بتوقير ويعتبرونها أم المعارف والديانات.

كانت تزورني في مكتبي في البيت ابنة صديق عمرها ثلاث سنوات. حالما تصل تشير إلى الكمبيوتر سائلة “لماذا هذا كمبيوتر؟” فلا أجد ما أجيب به سوى “لأن له كيبورد”. فتقتنع بالجواب وتعتبره مفحما.

24