القول والرغبة

الخميس 2016/03/03

يختلف تصور الأدباء للعملية الإبداعية، باختلافهم في علاقاتهم بها، فهي وإن كانت لدى بعضهم إشراقا وتجليا واسترجاعا لحيوات كائنة أو استباقا لأخرى مفترضة، أو سلاحا لمقاومة الظلم والاستبداد والدفاع عن إنسانية الإنسان لدى بعضهم الآخر، لا تنأى كثيرا عن كونها نشاطا يأتيه بكثير من اللذة وبقدر غير قليل من الانتشاء عندما يبلغ أربه، لأن الكتابة في جوهرها إشباع لرغبة.

ولكنها عندنا، نحن الأدباء العرب، هي محض معاناة، معاناة في عيش التجربة، تعقبها معاناة في تحويلها إلى نص فني. وحسبنا أن نقرأ أو نسمع أحاديث أغلبهم في وسائل الإعلام لندرك المشقة التي ترافق عملهم الإبداعي، أو هكذا يزعمون، إذ عادة ما تتردد على ألسنتهم عبارات كـ“المكابدة” و“المعاناة” و“النزف” وحتى “الذوبان كالشمعة” و“الموت قطرة قطرة”، فيخيل إليك أن الجميع سيزيف زمانه، أو برومثيوس عصره، وفي أحسن الحالات هولدرلين الأمة.

صحيح أن من العمالقة من عاش تجربة في الحياة أليمة، كالروسي دوستويفسكي والإيطالي بريمو ليفي والسوفييتي سولجنستين ولكن هؤلاء لم يعانوا من الكتابة إلا بمقدار ما يعاني النحات والرسام والموسيقي في تقديم إبداع على غير مثال.

ونحن مع ميشيل فوكو الذي يقول في كتابه “الغريبة الكبرى” إن في الكتابة قولا ورغبة، ولكننا لسنا معه حين يجعلها دافع انتهاك وتدمير، ولا نوافقه حين يرى أن أيّ فعل أدبيّ جديد يتضمن “أربع محاولات قتل”، الأولى ضد أدب الآخرين، والثانية ضد فكرة أن شخصا آخر يمكن أن ينتج أدبا، والثالثة ضد إمكان أن يصبح المرء نفسه كاتبا، والرابعة ضد خطر إنجاز شيء آخر عند الكتابة غير ما يسميه “القتل المنتظم”.

قد يكون هذا خاصا به وحده، ولكنّه لا يمكن أن يكون قاعدة عامة ينطلق منها سائر الكتّاب. ونحمد الله أن الأدب ليس علما صحيحا يقوم على قواعد ثابتة، وإلا لأزيح كل خارج عن الصراط، وحذف اسمه من سجل الأدباء.

يقول الرسام الفرنسي جان ميشيل ألبيرولا “نحن لا نرى أكثر منكم، ولكننا نعطي شكلا لرؤانا، ونجسدها”. أي أننا في النهاية لا نختلف عمن عاشوا مثلنا تجارب غنية في الحياة إلا بالأدوات الفنية التي نتوسل بها لإعادة تشكيل الواقع أو صياغة عالم جديد انطلاقا من تجليات ذلك الواقع، أو من رؤية مخصوصة له، مع قليل من الموهبة، فطرية كانت أم مكتسبة، ونصيب من الخيال، وقدر من الجهد، ولكن دون أن نحتاج في صياغتها إلى “مكابدات” العرب، ولا “محاولات اغتيال” فوكو.

كاتب من تونس مقيم بباريس

15