القومية البيضاء مشكلة عالمية

الإرهاب القومي القائم على الإثنية يمثل مشكلة عالمية مثله مثل الجهاد، فالقومية البيضاء المتشددة والإسلاميون المتطرفون يؤثرون على المواطنين والرعايا في جميع أنحاء العالم.
الأربعاء 2019/03/27
ثقافة الإبادة للمجتمع المسلم

أعلنت رئيسة الوزراء النيوزيلندية جاسيندا أرديرن تشكيل لجنة تحقيق ملكية في الأحداث التي أدت إلى وقوع هجوم على مسجدين في مدينة كرايستشيرش في 15 مارس. وقالت “من المهم طرق كل الأبواب لمعرفة كيف حدث هذا العمل الإرهابي؟ وهل كان من الممكن منع حدوثه؟”. وأكدت على ضرورة النظر إلى الهجوم كظاهرة عالمية وغير مقتصرة على بلد معين.

إنها على حق. الإرهاب القومي القائم على الإثنية يمثل مشكلة عالمية مثله مثل الجهاد، فالقومية البيضاء المتشددة والإسلاميون المتطرفون يؤثرون على المواطنين والرعايا في جميع أنحاء العالم. فبمجرد النظر إلى جنسيات ضحايا كرايستشيرش، يتبين أنهم من الكويت والإمارات العربية المتحدة وسوريا والأردن وفلسطين ومصر وباكستان والهند وبنغلاديش وأفغانستان وفيجي وأندونيسيا، بالإضافة إلى امرأة نيوزيلندية بيضاء اعتنقت الإسلام.

على مر السنين، خلّفت الهجمات الجهادية أمما يجمعها الحزن، حيث شهدت العاصمة الفرنسية باريس يوم 13 نوفمبر 2015، تفجيرات انتحارية في محيط ملعب فرنسا في ضاحية العاصمة الشمالية، في سان دينيس، بالإضافة إلى تفجير انتحاري آخر وسلسلة من عمليات القتل الجماعي بالرصاص في 4 مواقع. وتم آنذاك الإعلان عن مقتل 129 شخصا، يحملون جنسيات مختلفة. فقد كان الضحايا من المغرب والجزائر وتونس ومصر وبوركينا فاسو، من بين بلدان أخرى (15 بلدا).

في بلد المشتبه به، أستراليا، وفي أجزاء أخرى من العالم الغربي، يتم إعداد “ثقافة الإبادة” للمجتمع المسلم، وحذر المسيحي، غسان الحاج، من هذا لأكثر من عقد من الزمان

في عالم مترابط ، تُستخدم الجملة الافتتاحية التي تكرّرت أكثر من مرّة في كل مشهد مأساوي من الرّواية التي صاغها الكاتب الأميركي كورت فونيجت في روايته الأكثر شهرة “المسلخ الخامس”، أو “الحملة الصليبية الطفولية”، لتدل على أن الحروب التي حدثت كان مقدّرا لها أن تحدث ولا يستطيع أحد تغيير أي شيء.

لذلك، لا يدين الرئيس الأميركي دونالد ترامب الإرهاب القومي الأبيض ويرفض اعتباره مشكلة عالمية كبيرة ومقلقة. ويحمل المتهم في الهجوم على مسجدين في نيوزيلندا الجنسية الأسترالية، وأعرب في بيانه الذي جاء بعنوان “البديل العظيم” عن أسباب ارتكابه لهذه المذبحة، مشيرا إلى تزايد المهاجرين الذين اعتبرهم محتلين وغزاة بقوله “سيظل هذا الوطن للرجال البيض، ولن يستطيعوا يوما استبدال شعبنا”.

في اليوم الذي سبق الهجوم في نيوزيلندا، نقلت “ذي إيكونوميست” حديث مارين لوبن، حفيدة الزعيم الفرنسي اليميني المتطرف للجبهة الوطنية جان ماري لوبن، عن نظرية “مؤامرة الاستبدال العظيم”، وزعمها أن المهاجرين المسلمين سوف يغمرون الفرنسيين البيض ديموغرافيا. كما أعلنت زعيمة الجبهة الوطنية قائلة “لا أريد أن تصبح فرنسا أرضا للإسلام”.

نعيش اليوم في عالم يستشهد فيه كل من المهاجم والسياسي بالنظرية غير العلمية التي طورها الكاتب الفرنسي المناهض للهجرة، رينو كامو، في كتابه “البديل العظيم”.

ترتكز فكرة “الاستبدال” على كتابات نازية نشرت في ثلاثينات القرن الماضي ضمن الحركات المعادية للسامية. وطورت فكرة تهديد وجود المسيحيين مع الإسلام. وتحدث الإحصائي السويدي الراحل هانز روزلينج في كتاب “الحقائق” قائلا “اليوم، تنجب النساء المسلمات معدل 3.1 طفل في الأسرة الواحدة، مقارنة بالمرأة المسيحية التي تنجب معدل 2.7. لا يوجد فرق كبير بين معدلات المواليد في الديانتين”.

قد يكون المشتبه به في هجوم نيوزيلندا، مثله مثل العديد من المتعصبين البيض، مهووسا بالحروب الدينية في العصور الوسطى. حيث زار في نوفمبر الماضي، المواقع البلغارية المرتبطة بالمعارك المسيحية الأرثوذكسية ضد الأتراك العثمانيين.

على مر السنين، خلّفت الهجمات الجهادية أمما يجمعها الحزن، حيث شهدت العاصمة الفرنسية باريس يوم 13 نوفمبر 2015، تفجيرات انتحارية في محيط ملعب فرنسا في ضاحية العاصمة الشمالية، في سان دينيس

ما الذي يؤدي إلى هذا؟ يطرح غسان الحاج، وهو أستاذ في الأنثروبولوجيا والنظرية الاجتماعية في جامعة ملبورن باستراليا، تفسيرا مقلقا لأحد الأنماط السائدة في الفكر القومي الأبيض. ويقول إنه في بلد المشتبه به، أستراليا، وفي أجزاء أخرى من العالم الغربي، يتم إعداد “ثقافة الإبادة” للمجتمع المسلم، وحذر المسيحي، غسان الحاج، من هذا لأكثر من عقد من الزمان.

وفي أستراليا، كان تركيز العنصرية الأصلي موجها إلى الآسيويين، لكنه انتقل لاحقا إلى العرب والمسلمين. ويعرب غسان الحاج عن أسفه لتطبيع السياسيين ووسائل الإعلام الأسترالية مع فكرة أن القومية البيضاء، وتصويرها كمذهب، تعبر عن بعض المظالم أو المخاوف “المشروعة” من العرب والمسلمين.

في مفهوم “ثقافة الإبادة”، يعود غسان إلى تحليل الباحثة اليهودية من أصل ألماني هانا أرندت الذي تناولت فيه معاملة النازية لليهود، ويجادل بأن المجتمع يجب أن يصل إلى حالة ذهنية معينة ليكون قادرا على اعتبار مجموعة معينة من الناس “قابلة للإبادة”.

ويقول “خلق عدم شعور لموت المسلمين، عن طريق ضربات الطائرات دون طيار، والغرق في البحار، يؤدي إلى إنتاج ثقافة الإبادة. لا توجد عنصرية بلا غياب للعقلانية والمنطق”. وينطبق هذا التحليل على جميع أنواع الكراهية الأيديولوجية العنيفة أو الجهادية أو القومية البيضاء.

6