القوى التقدمية التونسية وتراجيديا التشتت

الثلاثاء 2014/12/30

إثر النتائج المخيبة التي حصلتها القوى التقدميّة التونسية في الانتخابات التأسيسيّة 23 أكتوبر 2011، قيمت هذه القوى نتائجها وراجعت واقعها التنظيمي ممّا كشف لها أمرين، الأوّل أنّها في غاية التشتّت بما جعلها تتنافس على الرصيد نفسه وعلى المواقع نفسها، وهو ما أضعف حجمها جميعا وهي في حالة الانعزال بعضها عن بعض، والثاني أنّ تشتّتها راجع أساسا إلى خلافات إيديولوجية نظرية لا علاقة لها بـ“البراكسيس” أثناء الاحتكاك بالواقع الاجتماعي والسياسي.

ولقد قضت هذه القوى وقتا طويلا في فهم مفارقة غريبة وقفت عليها، متّصلة بدورها الاجتماعي، من جهة، وبنتائجها الانتخابيّة، من جهة ثانية. فقادة القوى التقدميّة، والتي تتنازع أغلبها صفة الثوريّة، ساهموا بشكل فاعل في تنشيط معارضة نظام زين العابدين بن علي ونظام بورقيبة من قبله. ولمّا ضيّق الاستبداد على هذه القوى التقدميّة ومنعها من التنظّم والنشاط الحرّ اضطرّت إلى ممارسة العمل السرّي وفتحت جبهات طلابيّة ونقابيّة بها مارست نضالها الاجتماعي والسياسي من أجل الحريّة والديمقراطيّة والعدالة الاجتماعيّة والتداول السلمي على السلطة.

وكان حمّة الهمّامي، زعيم حزب العمّال والناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبيّة، أبرز قيادي عرفته هذه القوى التقدميّة. وقد تمكّن مع رفاق دربه النضالي من إرباك نظامي بورقيبة وبن علي وتعرّض للسجن والملاحقة من كليهما، رغم صعوبة العمل السرّي وعسر العمل النقابي الذي كانت له مسؤوليّة وطنيّة في التصدّي لمخطّطات الخوصصة والتفريط في الثروات الوطنيّة مقابل عمولة يتلقّاها بن علي ومافيات الفساد المحيطة به.

لذلك، ترى هذه القوى التقدميّة لنفسها دورا في اندلاع الثورة التونسيّة إن لم يكن مباشرا فهو تاريخي. بل إنّها كانت موجودة في قلب المواجهة مع نظام بن علي وأجهزته في مختلف الجهات التونسيّة بين 17 ديسمبر 2010 و14 يناير 2014. وكان الجناح النقابي لهذه القوى الأكثر حضورا في ميادين الثورة بفعل انخراطه في الاتحاد العام التونسي للشغل وتوظيفه لمقرّات الاتحاد وقواعده الجهويّة والمحليّة أثناء تنظيم التحرّكات الاحتجاجيّة وتأمين المحتجّين وتوفير الملاذ لهم.

بعد نجاح الحراك الثوري في طرد بن علي وإسقاط نظامه، ظلّت هذه القوى التقدميّة على تشتّتها وانخرطت في مرحلة ما بعد الثورة بذلك التشتّت الذي يكاد يبلغ التنافر وحتى التعادي عندما يتعلّق الأمر بالموقف من القضايا والاستحقاقات الكبرى. ولذلك سرعان ما سقطت هذه القوى في إعاقتها المعطلة المزمنة ألا وهي ترك الجوهر المهم الذي كان يطرحه تحدّي مرحلة الفراغ الذي تركه تهاوي نظام بن علي، مقابل الانخراط في جدل إيديولوجي عقيم حول طبيعة ما حدث في تونس، أوّلا، والدور الذي يجب أن تلعبه، ثانيا، والموقع الذي يجب أن تتّخذه، ثالثا. فضاعت بوصلة هذه القوى نسبيّا، إذ منها من كان منغمسا في اعتصامي القصبة الأوّل والثاني، وهما الاعتصامان اللذان كانا يرفضان البدائل السياسيّة المؤقتة التي خلفت نظام بن علي. ومنها من انخرط في البديل المؤسّساتي الذي كان قد اقترحه بن علي نفسه قبل سقوطه بيومين، وعدّلته هذه القوى بمشاركة أطراف سياسيّة أخرى والمنظّمات الوطنيّة الكبرى، نعني الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والانتقال الديمقراطي والإصلاح السياسي.

وخلال انغماس القوى التقدميّة في مرحلة ما بعد الثورة وفي اعتصامي القصبة وفي غفلة منها، دخل لاعب قديم المشهد السياسي من بابه الكبير الذي كان يهفو الجميع إليه وهو باب الحكم، هذا اللاعب هو الباجي قائد السبسي السياسي المخضرم. وتولّى برضى الجميع، المعلن والخفي، رئاسة الحكومة التونسية التي صارت بعد بن علي تتقلّد أغلب مسؤوليّات الحكم وصلاحيّاته. ونجح الرجل في تلبية ما يريده الجميع ألا وهو الحفاظ على الدولة وتأمين المرحلة الانتقاليّة وتنظيم انتخابات حرّة ونزيهة نقلت الحكم بشكل ديمقراطي إلى أعداء بورقيبة وبن علي السياسيين وخصوم القوى التقدميّة وأعدائهم الطبقيين وهم الإسلاميون.

لم يبق السبسي لاعبا عابرا كما قال عن نفسه، مطمئنا الجميع بأنّه ليست له طموحات سياسيّة حتى أنّه اشترط على الطاقم الوزاري الذي اشتغل معه الالتزام بعدم الترشّح لانتخابات 23 أكتوبر 2011. كما تعهّد بتسليم السلطة إلى الطرف الفائز في الانتخابات بعد أن يشكّل حكومته ويصادق عليها المجلس التأسيسي. وكان الرجل عند وعده حيث شهدت تونس أوّل تسليم مدني سلمي للسلطة في تاريخها، وفي التاريخ العربي برمّته.

في تلك الأثناء، منيت القوى التقدميّة بهزيمة مخيّبة في انتخابات 23 أكتوبر التأسيسيّة. تلك الهزيمة أوجعتها وأربكتها وأشعرتها بتلك المفارقة التي أشرت إليها أعلاه بين فعلها المباشر في الحراك السياسي والاجتماعي قبل الثورة وأثناءها وبعدها، وبين المكافأة الانتخابيّة التي لقيتها من الشعب التونسي. كانت هناك أخطاء في الخطاب وفي البدائل وفي التواصل مع الشعب التونسي. وكان لابد من المراجعة والتقييم الدقيق.

نتيجة ذلك التقييم كان الوقوف على خطر التشتت الحزبي الراجع إلى ولاءات إيديولوجيّة غريبة يشير بعضها إلى نوازع أصوليّة يسراويّة تطلّ برأسها وهي نوازع مفارقة للواقع التونسي ولطبيعته، وللآليّات المنتجة للحراك الاجتماعي فيه. وكان القرار هو ضرورة التوحّد في جبهة واحدة على أرضيّة مشتركة يتّفق حولها الجميع ويلتزمون بها ويعودون إليها دائما. فنشأت الجبهة الشعبيّة في أكتوبر 2012 مدفوعة بحماس فيّاض لإعادة التموقع الوطني بما يعيد للقوى التقدميّة ما هي أهل له من مكانة تتناسب مع تاريخها النضالي ودورها الفاعل في الوقوف دائما إلى جانب الشعب التونسي والدفاع عنه مبدئيّا ودون مزايدة.

كان رهان الجبهة الشعبيّة تجميع القوى التقدميّة التونسيّة تحت خيمتها، في مرحلة أولى، والوصول إلى الحكم في مرحلة ثانية. ولكنّها وجدت نفسها تخوض صراعا مريرا لم تختره وإنّما اختارت أن تواجهه بشجاعة. كان طرف الصراع المقابل هو القوى الإسلامية الإخوانية التي وصلت إلى الحكم عبر الصندوق الانتخابي. ولكنّها كشفت عن نوايا التمكين والاستئثار به لنفسها لتنفيذ مخطّط فاجأت القوى التقدميّة والمدنيّة به وهو مخطّط الإسلام السياسي الذي يقوم على تحكيم الشريعة وإبعاد المدنيّة الحديثة وتعويضها بمشاريع الخلافة الرجعيّة.

خاضت الجبهة الشعبيّة مواجهة عنيفة مع المشروع الرجعي شاركت فيه مع وطنها الذي دفع الشهداء من العسكريّين والأمنيّين بدفع شهداء من قياديّيها ومناضليها على رأسهم القائدان شكري بلعيد ومحمد براهمي. وكان الميدان وساحات النضال الشعبي هي الفيصل الذي أربك الترويكا ودفع حركة النهضة إلى التراجع عن مخطّطاتها الرجعيّة بعد أن تواطأت مع الجماعات المتطرّفة في زرع الإرهاب في أرض تونس. وكان اعتصام الرحيل الملحمة الشعبيّة الوطنيّة الكبرى التي أنتجتها عبقريّة جبهة الإنقاذ وقادتها الجبهة الشعبيّة لإسقاط الترويكا التي استولت على الحكم بعد نفاذ سنة الشرعيّة التي منحها لها الشعب التونسي.

اعتصام الرحيل أسقط الترويكا وأدخل مرّة أخرى الباجي قائد السبسي في المشهد السياسي من بابه الكبير عبر حركته التي أسّسها في يونيو 2012 (نداء تونس) التي سارعت بالانخراط في جبهة الإنقاذ. السبسي عاد مرّتين عودتين سريعتين وفاز. أمّا القوى التقدميّة فقد احترفت النضال طيلة ستّين سنة ولم تفز.

اندفعت القوى التقدميّة نحو انتخابات 2014 بدرجة من التنظّم أفضل من تلك التي خاضت بها انتخابات 2011. وفي الوقت الذي رفضت فيه بعض القوى التقدّمية الاقتراب من أيّ مشروع جامع، انتظم أغلبها تحت خيمة الجبهة الشعبيّة التي تضمّ أحزابا متلاصقة وغير منصهرة.

ولكنّ تنظّم هذه القوى ضمن الجبهة الشعبيّة كان أقلّ من المطلوب لكسب معركة انتخابيّة تتنافس عليها معها أطراف أخرى منتظمة بنائيا ومدعومة خارجيا. ورغم البدائل الاقتصادية والاجتماعيّة والسياسيّة التي طرحتها الجبهة الشعبيّة فإنّ الشعب التونسي لم يمنحها ثقته مرّة أخرى، بل وهب حبه الكامل للنظامين القديمين في البرلمان وجمع بين أيدي نداء تونس كلّ السلط. وترك للجبهة الشعبيّة منفذا للمشاركة أو للمعارضة بــ15 مقعدا في البرلمان ومرتبة ثالثة في الرئاسيّة. ويبقى التشتت هو التراجيديا المهدّدة لوجود هذه القوى والذي يعطّلها عن طموحها في الحكم.


كاتب وباحث سياسي تونسي

8