القوى التقليدية بجنوب لبنان تكرّس سطوتها في الانتخابات البلدية

كرست الجولة الثالثة من الانتخابات البلدية والاختيارية في جنوب لبنان، سيطرة القوى والأحزاب التقليدية، ولكن هذه السيطرة لم تخل من اختراقات، ما ينبئ بوجود تحولات تدريجية في ذهنية أبناء الجنوب تروم التمرد على الوضع القائم.
الثلاثاء 2016/05/24
دائما في الموعد

بيروت – لم تسجل المرحلة الثالثة من الانتخابات البلدية في لبنان، الأحد الماضي مفاجآت كبرى، ولم يتوقع المراقبون أصلا حدوث تلك المفاجآت التي انتظروها في المرحلة الأولى في بيروت والبقاع وفي المرحلة الثانية في جبل لبنان.

وجرت المرحلة الثالثة في جنوب لبنان حيث المعقل الأساسي للثنائي الشيعي، حزب الله وحركة أمل، اللذين هيمنا على المشهد البلدي والاختياري، رغم تنامي ظواهر المنافسة من لوائح المستقلين، وهو الأمر الوحيد الذي كان لافتا في تلك المنطقة.

وتعبّر ظاهرة المستقلين وتناميها عن جرأة داخل الصفّ الشيعي على التمرد على هيمنة حزب الله المتحالف مع حركة أمل على مفاصل الطائفة في لبنان.

وكان الحزب يستخدم تعبير “الأهالي” لتوصيف التحركات الشعبية التي كانت تخرج ضد الحكومة في بيروت أو ضد القوات الدولية في الجنوب أو ضد المحققين التابعين للمحكمة الدولية بشأن اغتيال الرئيس الحريري حين كانت أعمال التحقيق تقترب من معاقل الحزب. بيد أن “الأهالي” هذه المرة ينتظمون في صفوف جديدة منافسة للحزب في المعارك الانتخابية. والأمر ظهر في المدن والقرى ذات الهيمنة الشيعية في البقاع كما راج في الجنوب الأحد الماضي.

واللافت أن أمين عام حزب الله حسن نصر الله قد أطلق في خطابه قبل ساعات من الانتخابات نداء للتصويت بكثافة في هذه الانتخابات من ضمن توقه وحزبه لتأكيد الشعبية والشرعية المرتبكة، إلا أن نسب المشاركة جاءت متواضعة سببها في أحيان غياب معركة انتخابية (حيث فازت 43 لائحة بالتزكية من أصل 178 بلدية) بسبب هيمنة “الثنائية”، وفي أحيان أخرى سجل تراجع في عدد المصوتين كتعبير عن سخط داخل المجتمع الجنوبي من تلك الهيمنة التي تثقل كاهله باسم “المقاومة”.

ولا شك أن الحراك البلدي على أساس العائلات قد بدأ يقلق حزب الله، فقد انتقد نصرالله تلك المقاربة للانتخابات داعيا إلى أن تكون سياسية بامتياز. وتخشى أوساط الحزب من نمو منطق العائلة والفرد والمجتمع الذي يهدد منطق الحزب في تسطيح الأمور تحت سقف شعار المقاومة الذي يغيب تحته كل تفصيل آخر، كما تخشى من أن يحمل المنطق المجتمعي بذور تمرد على قدرة الحزب على السيطرة نهائيا على مسار ومصير الشيعة في لبنان.

تعبر ظاهرة المستقلين وتناميها عن جرأة داخل الصف الشيعي على التمرد على هيمنة حزب الله

ونتائج الانتخابات في جنوب لبنان تؤكد ما ذهبت إليه المرحلتان السابقتان من هيمنة الأحزاب الكبرى على المشهد الانتخابي، البلدي حاليا، والتشريعي لاحقا، لا سيما أن النظام الانتخابي قائم على الأغلبية، وهو ما لا يسمح إلا للكبار باحتلال الصفوف المتقدمة.

ورغم حفاظ الثنائية الشيعية على هيمنتها إلا أن انتخابات الجنوب، وعلى خلاف السابق شهدت حراكا يساريا، وإن كان شقه التابع للحزب الشيوعي اللبناني حاول أن يتقدم بلوائح على أساس التقائه السياسي مع “المقاومة” والتمايز عنها في مجالات الإنماء المحلي التي توفّرها مناسبة الانتخابات البلدية. وكان ذلك واضحا في “النصيحة” التي قدمها أمين عام “الشيوعي” الجديد حنا غريب بأن تقترن المقاومة بمكافحة الفساد، وهي نصيحة لم تستسغها أوساط حزب الله.

وتمكن اليسار وبخاصة الحزب الشيوعي من تحقيق بعض الإنجازات في هذا الاستحقاق الانتخابي، بعد غياب على ساحة سيطرت عليها الثنائية الشيعية لـ12 سنة.

وفي تسليط المجهر على الناخب المسيحي في جنوب لبنان يتضح توقه إلى الالتصاق بالمرجعيات المسيحية السياسية الكبرى أكثر منه في مناطق أخرى. صحيح أن اللائحة المدعومة من “الثنائي” المسيحي، “التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية” قد فازت في مدينة زحلة البقاعية، لكن الفوز كان صعبا وجوبه بمقاومة عائلية محلية، فيما شهدت انتخابات جبل لبنان حيثية عائلية كبرى لم تستطع تلك “الثنائية” إلا أخذها بعين الاعتبار.

وفاز التحالف المسيحي سواء في الانتخابات الفرعية النيابية، التي جرت في نفس يوم الانتخابات البلدية، كما فازت اللائحة البلدية المدعومة منه. لكن الفوز الحقيقي كان لميشال عون الذي يستمر في تأكيد شعبيته في الوسط المسيحي، لا سيما في المدن الرمزية الكبرى، في زحلة بقاعا، وفي جونية جبلا، وفي جزين جنوبا، على نحو يعزز طموحاته الرئاسية أكثر فأكثر.

ويجب التوقف أيضا عند المعركة الانتخابية لمدينة صيدا، فهي “عاصمة الجنوب” ومسقط رأس الرئيس الراحل رفيق الحريري، وتمثّل ثقلا سنيا في جنوب لبنان.

المعركة كانت حيوية انتهت بفوز اللائحة التي يدعمها تيار المستقبل، وأثبتت هيمنة التيار على المدينة، في وقت كان الخصوم يعولون على تراجع الموارد المالية لـ“المستقبل” ومشاكل “سعودي أوجيه” وغياب الرئيس سعد الحريري لسنوات لاستنتاج تصدع للحريرية في صيدا، إلا أن النتائج جاءت مؤكدة زعامة سعد الحريري الذي انتقل إليها ليلا، وهو الذي كان يحتاج نصرا جلياً بعد ذلك النصر الباهت الذي تحقق في بيروت.

وتتطلع الأنظار الآن إلى المرحلة الأخيرة لهذه الانتخابات في شمال لبنان، فهناك معركة أخرى ستظهر فيها أحجام قد تحدد موقع الوزير أشرف ريفي المختلف مع تيار المستقبل وزعيمه، كما موقع سليمان فرنجية، المرشح الدائم للانتخابات الرئاسية في مواجهة ميشال عون.

2