القوى الثالثة وخيار الخروج من المأزق الليبي

السبت 2014/07/26

مرت ثلاث سنوات على إسقاط النظام دون أن تتمكن السلطة في ليبيا من التقدم خطوة واحدة في اتجاه إعادة تفعيل المؤسسة الأمنية والعسكرية، بل إنها فاقمت عملية الانشطار في لحمتها الاجتماعية، والأخطر من ذلك أن هذه الفترة شهدت صراعات مسلحة، وصراعا للسيطرة على الثروة، وافتكاك السلطة بالقوة المسلحة.

إن هذه الحالة قد أدت إلى تأزم المشهد الليبي وأوصلت البلاد إلى حافة الإفلاس الاقتصادي، وأدخلتها في خانة الدول الفاشلة بانقسامهما إلى مدن وقبائل وأقاليم منعزلة سياسيا واجتماعيا، والمهددة بانقسام البلاد إلى ثلاث دول على أقل تقدير.

إن المشهد الليبي أصبح أكثر وضوحا بعد المواجهات الدامية بين ميليشيات مصراتة المتحالفة مع الإخوان المسلمين وأنصار الشريعة وتنظيم القاعدة والمدعومة إقليميا من قطر وتركيا، وبين ميليشيات الزنتان وعملية الكرامة للجيش الليبي والمدعومين من القبائل العربية والطوارق والتبو. إن هذا الصراع المسلح هو تناحر بين قوى شاركت في إسقاط النظام السابق وانتهجت العنف كوسيلة للوصول إلى الثروة والسلطة، متجاوزة كل ما طرحته هذه القوى كذريعة لإسقاط القدافي، واضعة الغرب والعرب اللذين دعماها في موقف أخلاقي صعب، عندما ادعت أن عملية “فجر أوديسا” للحلف الأطلسي كانت لا تهدف إلى إسقاط النظام بل إلى الانحياز للشعب الليبي وحمايته من القتل.

إن العامل المهـم في المعادلة الليـبية والتي لم يفهمها المجتمع الدولي، أو لا يود فهمها، هي أن هنـاك قوى ثالثة تشكل العنصر الحرج في أي محاولة للحل، وهي ما يمكن تسميته بالقوى الثالثة في ليبيـا أو القوى الصامتة أو المغيبه حتى الآن، وهي تضم عشرات القبائل العربية في برقة وسبها والمنطقـة الغربـية، بالإضافة إلى عشرات الآلاف مـن أفراد القوات المسلحة الليبية، وأعضاء الأجهـزة الأمنية، والمعزولين سياسيا، بالإضافة إلى قرابة مليوني مهجر خارج ليبيا وداخلها، وإن هذه القوى الثالثـة أصبحت ترى أن الأمن والمحافظة على استقـلال القرار الوطني ومنع ليبيا من أن تصبح ملاذا للإرهابيين، وقاعدة انطلاق للإخوان المسلمين وتنظيم القاعدة ولعصابات تجار المخدرات والسلاح والبشـر، تشكل أولوية على ما يسمى بالديمقراطيـة وتـداول السلطة، كما أن أغلبية الليبيين قد ضاقوا ذرعا بالتدخل السافر لقطر وتركيا والسودان في الشأن الليبي.

ولذا فإن المخرج الوحيد لإنقاذ ليبيا هو أن ترعى المملكة السعودية والإمارات العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والجامعة العربية والاتحاد الأفريقي، بالإضافة إلى مصر والجزائر حوارا على غرار اتفاقية الطائف لحل الأزمة اللبنانية، وأن يكون هذا الحوار في المملكة السعودية، مع حضور كل أطراف النزاع المسلح حاليا من أتباع ثورة فبراير، والقوى الثالثة المتمثلة في مؤتمر القبائل والمهجرين في الخارج. وأن يتم في هذا المؤتمر طرح كل ما يتعلق بالأزمة الليبية، من تجميع السلاح، إلى تفكيك الميليشيات، إلى بناء المؤسسة العسكرية والأمنية، إلى تفعيل القضاء، وإرجاع المهجرين في الخارج والداخل، ومصير الأرصدة الليبية وكيفية محاصرة الإرهاب ومافيات المخدرات والسلاح وتجارة البشر، ومراجعة كل قوانين الإقصاء والتهميش، والبدء في بناء دولة لكل الليبيين بضمانات إقليمية ودولية.


كاتب ليبي

9