القوى السياسية اللبنانية تعفو عن نفسها

كثر الحديث في لبنان مؤخرا عن قرب صدور قانون عفو عام يشكل رافعة سياسية ومعنوية للعهد الجديد، ويتكامل مع الدعاية التي رافقته والتي تؤكد أنه ليس مجرد سد للفراغ في منصب الرئاسة الأولى، ولكنه عملية انتقالية كاملة من مرحلة الاقتتال والاحتراب إلى مرحلة التفاهم والمصالحات.
الاثنين 2017/02/27
مخرج مناسب من الأزمة

بيروت - يرسم مشروع قانون العفو العام الذي يتم التحضير له ملامح بروباغندا العهد اللبناني الجديد. وتتعامل معه القوى السياسية بوصفه المخرج المناسب الذي يتيح لها الخروج من أزماتها مع جماهيرها بأقل قدر ممكن من الخسائر والجهد، وبأنه يؤمن تغطية الفساد والهدر والعجز عن إنتاج صيغ قانونية وسياسات مالية واجتماعية تؤمن للناس الحد الأدنى من العيش الكريم.

عقبات وتغطيات

لا يخفى على أحد أن مشروع قانون العفو يصطدم بعدة عقبات كبرى. ويتطلب تخريجات سياسية وأمنية. ولكن ربما يكون المخرج الممكن والذي يرجح أن يتم اعتماده يتضمن صيغة توازن التغطيات. ومن هنا، يغطى على مشهد العفو عن الموقوفين الإسلاميين السنة بمشهد العفو عن المطلوبين الشيعة في جرائم المخدرات والخطف والسرقة، ويغطى على احتمال العفو عن الشيخ أحمد الأسير والمطلوبين في أحداث عبرا بمشهد العفو عن ميشال سماحة ومفجري مسجدي السلام والتقوى.

وكذلك يمكن أن يستبق قانون العفو التسويات القادمة في المنطقة والتي قد تعيد إنتاج مفاهيم الإرهاب ومن تنطبق عليه هذه الصفة، بالعفو عن العشرات من المقبوض عليهم بتهم تتصل بالإرهاب الذي لا يوجد تعريف لبناني واضح له، والذي اقتصر إطلاقه رسميا في الفترة الأخيرة على معارضي النظام السوري.

ويأتي قانون العفو ليمحو ذاكرة الجرائم ويمتن تركيبة السلطة في صيغتها الحالية، التي تقوم على عنوانين أساسيين عبّر عنهما رئيس الجمهورية مؤخرا، هما منح الشرعية لنظام الأسد وتشريع سلاح حزب الله.

ويستجيب العفو العام لمصالح حزب الله ومصالح رئيس الجمهورية والتيار الذي يمثله، في حين تبدو استفادة تيار المستقبل منه مشكوكا في أمرها.

وتكمن استفادة حزب الله في أن الفئة التي يمكن أن يطالها العفو العام تشمل المجموعات الشيعية العشائرية التي تفلت إلى حد ما من سيطرته الكاملة. ومن هنا يتوقع أن تطال تأثيرات العفو العام علاقة حزب الله بهذه الفئة لناحية تمكين نفوذه داخلها بشكل كبير يضمن له إحكام سيطرته بشكل مطلق على كل مكونات الطائفة الشيعية بشكل خاص، وإسكات أي اعتراض محتمل مهما كان طفيفا وعابرا.

سمير الجسر: قانون العفو قد يتيح إيجاد حلول للموقوفين في قضايا ما سمي بموقوفي طرابلس

وتكمن استفادة رئيس الجمهورية وتياره في أنه يستطيع أن ينسب لنفسه النجاح في حل ملف معقد وشائك هو ملف الموقوفين الإسلاميين، ويمكن أن يقوي هذا الأمر حضور ومواقف الأطراف السنية المؤيدة له ولتوجهاته.

ويرجح ألا يستفيد تيار المستقبل من مفاعيل هذا العفو لأسباب عديدة أهمها أن فئة الموقوفين الإسلاميين الذين يرجح أن يطالهم العفو تعتبر أن السبب في توقيفها هو سبب سياسي وليس جنائيا، ويعود بشكل خاص إلى مناصرة الثورة السورية ضد بشار الأسد، كما يعود قبل ذلك إلى إقدامها على الدفاع عن نفسها ضد تغول جماعة العلويين المدعومين من حزب الله والنظام السوري في جبل محسن.

قد يشكل العفو عن هؤلاء أزمة لتيار المستقبل في ظل وجود رأي سني شمالي واضح يعتبر أن سعد الحريري سلم البلاد إلى حزب الله عبر إتيانه بميشال عون رئيسا وقبوله بتشكيل حكومة يسيطر عليها الحزب بشكل واضح. ويضاف إلى ذلك أن مواقف رئيس الجمهورية الداعمة للأسد وسلاح حزب الله قد تضع تيار المستقبل في مواجهة أسئلة خطيرة، قد لا تكون من الممكن تغطيتها عبر التركيز على إيجابيات مفاعيل حل هذا الملف الشائك.

رفع الظلم

يعتبر النائب عن كتلة المستقبل سمير الجسر، الذي سبق له أن تولى حقيبة العدل في حكومة الرئيس الشهيد رفيق الحريري عام 2000، أنه “بعد الظروف القاسية والمشكلات دائما ما يبدأ الحديث عن عمليات العفو، التي يجب أن تكون مرتبطة بالزمن على كل، وبحسب علمي هناك ما يتحضّر في هذا الإطار، وتتم دراسة الموضوع وجميع مفاعيله”.

ويؤكد الجسر أن قانون العفو “في محله، لأنه قد يتيح إيجاد حلول للعديد من الموقوفين في قضايا ما سمي بالإسلاميين أو موقوفي طرابلس. ومعظم هؤلاء هم من المظلومين، ولو كانت الدولة حاضرة في ذلك الحين وتمارس دورها بالكامل لما اضطر الناس إلى الدفاع عن أنفسهم. في مكان ما أظن أن هذا العفو في محله، لكن علينا أن ننتظر حتى تعرض الصيغة النهائية لأننا لا نستطيع أن نأخذ موقفا من قانون دون أن نعرف صيغته ومدى شموليته”.

ويتعرض الجسر للتعقيدات التي يجب حلها قبل صدور قانون العفو، ويشير إلى أن “التفاصيل المتعلقة بالفئات التي يمكن أن يطالها العفو مازالت غير معروفة، لكن حتى في قضايا المخدرات هناك تفاوت في حجم القضايا، وخصوصا في ما يتعلق بموضوع الزراعة، التي تركت من دون علاج ما أدى إلى مراكمة مشكلات أخرى”.

ومن جهته يميل النائب عن كتلة المستقبل “إلى التشدد في بعض المواضيع وبشكل خاص في طريقة التعامل مع من ثبت انتماؤهم إلى جهات إرهابية”، ولكنه يلفت النظر إلى أن “المحاكمات والأحكام العسكرية التي صدرت في ولاية رئيس المحكمة العسكرية السابق، كانت مبنية على رؤية غير واضحة في التعاطي مع هذا الموضوع، وخصوصا حينما تكون التهمة مرتبطة بالإرهاب”.

ويشير الجسر إلى أن “هناك مشكلة يجب معالجتها، وبما أنه لا يمكن تغيير الأحكام، فإن المخرج الوحيد الممكن لمعالجة موضوع الظلم، أو العمل على طي صفحة سوداء يكون عبر العفو العام، وهو إجراء لا تعتمده الدول دائما بل في ظروف محددة”.

نحو عهد جديد

ويرفض ربط إقرار قانون العفو بالانتخابات النيابية القادمة. ويشدد على أن “العملية ليست مرتبطة بالانتخابات، بل تتعلق بمحاولة معالجة ظلم كبير وقع وخصوصا في ما يخص الأحكام المرتبطة بالإرهاب، فليس كل من تم توقيفهم بهذه التهمة هم إرهابيون فعلا. لا يوجد أي مشكلة طالما كانت المحاكمات تجري تحت سقف القانون ولكن حين يتم تجاوز سقف القانون، فإننا سنقع في مشكلة كبيرة. الجميع يعلم أن التعذيب ممنوع وغير قانوني، وأنه حين تُخضع أي شخص للتعذيب فإنه سيعترف بعد فترة بأي شيء. من هنا قد يكون مشروع قانون العفو العام مدخلا لمعالجة ما تسبب به الخلل في تطبيق المعايير القانونية”.

ويتساءل النائب اللبناني “كيف يمكن أن ينال من ذهب للقتال في سوريا مثلا بشكل فردي لفترة وعاد حكما بخمس سنوات، في حين لا يحاكم من قام بالقتال بشكل منظم وعلني، ومر عبر الحدود اللبنانية. هناك واقع من عدم التوازن، وتاليا فإن العفو قد يكون المخرج الوحيد”.

سياسة أو قانون

يشير وزير العدل الأسبق إبراهيم نجار إلى أن “العفو العام يصدر عن مجلس النواب وهو يفترض تاليا توافق مجلس النواب، وهذا التوافق ليس متحققا حاليا، لذلك لا أرى أنه سيصدر قانون عفو في وقت قريب”.

ويؤكد أن “العفو العام سياسي وليس مجالا للقانون، وقضايا الإرهاب بالتأكيد لن يشملها العفو ولا قضايا التعدي على الجيش اللبناني، لأن الجنرال عون قائد جيش سابق، ومن المستبعد أن يوقع على قانون عفو يشمل من تهجم على الجيش اللبناني”.

ويحرص نجار على التفريق بين الموجبات السياسية التي تفرض صدور قانون عفو وبين طبيعة القانون نفسه. ويقول “أفهم الأسباب السياسية التي تحث على هذا الموضوع، لكن لا أفهم وجود عفو عام أعمى وشامل. العفو عن بعض الجرائم يحتاج إلى المزيد من التدقيق لأنها حصلت (الجرائم) حين كان لبنان خاضعا لسلطات غير لبنانية”، ويضيف “حتى لو كانت الدوافع السياسية مفهومة للعفو عن مجرمي الإرهاب، لكن أنا شخصيا أعتقد أنه يجب التمييز بين المخالفات والجرائم الثانوية والجرائم التي لا يجب أن يشملها العفو”.

صورة العهد الرئاسي الجديد

يشير المحامي نزار صاغية إلى أن العفو العام “يصدر عموما حين تكون البلاد بصدد الانتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى جديدة تفترض إعادة النظر في الماضي. المنطق الذي يقوم عليه العفو العام يعتبر أن هناك مرحلة غير عادية كانت سائدة ويجب التخلص من مفاعيلها من خلال نشر أجواء التسامح مع بعض الجرائم في فترة سابقة”.

يصدر العفو العام عادة بعد الحروب وبعد تغيير الأنظمة أو ما شابه ذلك، ومن الممكن أن يصدر عفو عام في ظروف يحس فيها البلد بأنه كان في فترة انقسام حاد ولا بد له أن يسعى إلى بناء عهد جديد.

المشكلة في مثل هذا التوجه، وفق صاغية، أنه لا بد أن يترافق مع إنشاء مشروع إصلاحي عام للبلد، لأن العفو العام يتضمن انتقالا إلى مرحلة جديدة وهذا ما لا يمكن أن يتحقق عبر تغيير بعض الوجوه السياسية، بل يفترض أن يطال التغيير البرامج الوطنية، ولا شك أن أي قانون عفو عام مقبول من حيث المبدأ إذا ما كان مترافقا مع مشروع إصلاحي للدولة.

إبراهيم نجار: قضايا الإرهاب لن يشملها العفو ولا قضايا التعدي على الجيش اللبناني

توقيت طرح مشروع قانون العفو يأتي بعد فترة وجيزة من وصول الجنرال عون إلى سدة الرئاسة، ما ينسجم مع المنطق العام الذي يرسم صورة العهد الرئاسي الجديد بوصفه جسرا تعبر عليه البلاد من التشرذم والاختلاف إلى المزيد من التعاون والانسجام.

ويلفت صاغية إلى أن “أي عفو عن الماضي يجب أن يتضمن استراتيجية للمستقبل، ولكن السؤال الذي يجب طرحه يتعلق بما الذي تغير سوى أننا انتخبنا رئيسا للجمهورية، ولكن لا شيء تغير على صعيد قيم المجتمع. ومن هنا قد يكون الحديث عن العفو العام سابقا لأوانه”.

وينبه إلى أن مشروع العفو العام قد يكون مقدمة لكي تمحو الطبقة السياسية آثار ما ارتكبته في السنوات الماضية. ويذكّر بأنه “بعد انتهاء الحرب الأهلية فإن الأقطاب التي كانت مشاركة فيها هي التي تولت شؤون الحكم، وأصدرت عفوا عاما عن نفسها. ومن هنا قد تكون دراسة طبيعة أي عفو عام تقتضي دراسة ما سيتم العفو عنه وما الذي سيستثنى؟ الاستثناءات في أي صيغة قانون عفو توازي في أهميتها ما يشمله، وربما تتفوق عليه في الأهمية. وتجدر الإشارة إلى أن العفو العام الذي صدر بعد نهاية الحرب لم يتضمن أي اعتراف بحقوق الضحايا، ولم يحصل الضحايا حتى هذه اللحظة على حقوقهم”.

ويدعو المحامي اللبناني إلى انتظار “صدور نص مشروع القانون لكي نحكم عليه بدقة، ولكن هذا لا يعني أننا لا نتخوف من أن تكون الصيغ الصادرة هي صيغ تصدرها الكيانات الطائفية القائمة لكي تعفو عن نفسها وتغطي على ارتكابها لفظائع”.

ويفرق صاغية بين عدة أنواع من العفو، مشيرا إلى وجود “عدة أنواع من العفو العام فقد يكون مشروطا وغير مشروط، ويمكن أن يتضمن استثناءات أو يكون خاليا منها، كما يمكن أن يكون مبررا أو غير مبرر. ويمكن كذلك أن يكون امتدادا لعفو خاص حيث يكون في خلفيته منطلقا من صيغة عفو تطال شخصا معينا ولكن يتم توسيعها بحيث تشمل مجموعة محددة من الأشخاص في أوضاع محددة”. ويختم حديثة بالتأكيد على “أن أي صيغة عفو عام يجب أن تشتمل على صيغة تغيير لأسس الدولة”.

تجارب سابقة

شهد لبنان بعد الاستقلال ظهور عدة قوانين عفو في عام 1958 وعام 1969 ولكن أشهرها يبقى القانون الذي صدر عام 1991 بعد انتهاء الحرب الأهلية. وكرس القانون الأخير الواقع الذي أدى إلى نهاية الحرب الأهلية التي ظهر واقع هزيمة القوى المسيحية، وإن كان الخطاب الذي ساد آنذاك يكرر صيغة “لا غالب ولا مغلوب”.

وتبع قانون العفو الذي صدر مع نهاية الحرب صيغة محو الذاكرة والتأسيس لمرحلة جديدة تكرس واقع الانتصارات والهزائم كحامل أساسي للواقع السياسي مع تجنب الإشارة العلنية إليه. وما يحدث الآن وما يراد تكريسه في قانون العفو الذي يتم التحضير له لا يعدو كونه تكريسا لواقع هزيمة البلد أمام حزب الله، حيث تعفو القوى السياسية التي خضعت له عن الجرائم التي تسببت بها، وكانت مسؤولة مباشرة عن إنتاج الظروف التي أنتجتها. ويتم التعامل مع هذه الجرائم التي يراد العفو عنها بوصفها باتت من الماضي، كي يمكن التمهيد لنشوء عهد جديد تصبح فيه الجرائم هي الشرعية نفسها.

كاتب لبناني

7