القوى السياسية تتحمل وزر تغييب المرأة عن دائرة صنع القرار في لبنان

الثلاثاء 2017/03/07
تحت المجهر

بيروت - تتشارك كل القوى السياسية اللبنانية في تكريس مشهد تهميش المرأة سياسيا، حيث يكاد يكون السمة الوحيدة التي تحظى بإجماع فعلي متحقق في بلد يستعصي فيه التوافق على مجمل الأمور.

ووفق مراقبين، لا تختلف القوى العلمانية عن القوى الإسلامية في اتباع المنطق نفسه لناحية تحجيم مشاركة المرأة في القرار السياسي بفاعلية والسماح لها بتولي مواقع قيادية داخل التيارات والأحزاب.

ويشكل وصول أي امرأة إلى منصب سياسي بارز مناسبة للدعاية والترويج، حيث يستعمله الحزب الذي تنتمي إلى صفوفه في إطار “التفاخر” السياسي بينه وبين خصومه.

ويقود هذا الوضع إلى الخروج باستنتاجات تؤكد أن القبول بمشاركة فاعلة للمرأة في الحياة السياسية في لبنان لا يزال بعيد المنال في ظل العقلية الذكورية المهيمنة.

وتقول بعض القراءات إن ضمور حضور المرأة في الحياة السياسية في لبنان على الرغم من جو الانفتاح النسبي السائد فيه، مقارنة بالمناخ العام في بلدان عربية أخرى يعود إلى أن الثقافة السائدة التي لا تميل إلى تبني المقاربة النسائية للسياسة والقائمة على التفاهم والتواصل ونبذ العنف.

وتؤكد هذه القراءات أن إرتفاع منسوب مشاركة المرأة في الحياة السياسية يتطلب إعادة إنتاج لكيفية تلقي المجتمع لمجال السياسة ككل ونظرته إلى كيفية ممارسته وتكوين مقاربة مختلفة وجديدة للعمل السياسي.

وتطرح دراسات أخرى حول ما إذا كان لبنان بلدا آيلا للسياسة بمعناها الفعلي الذي كانت رئيسة الوزراء التاريخية لبريطانيا مارغريت تاتشر قد عبرت عنه حين قالت “في السياسة عندما تحتاج إلى الكلام إسأل الرجال وعندما تحتاج إلى الأفعال فعليك بالنساء”.

وتنظر هذه الدراسات إلى غياب مشاركة المرأة في الحياة السياسية من هذه الزاوية تحديدا، وتعتبر أن المرأة يمكنها أن تدخل على الحياة السياسية اللبنانية دينامية الفعل التي تلتقي مع التعريف العميق للسياسة الذي يصفها بأنها فن العمل على إدارة الوقائع والتعامل معها. المرأة وفق ما تقوله الدراسات كائن يتعامل كل الوقت مع الوقائع فهي تخضع لوقائع جسدها وتحولاته ولوقائع الحياة اليومية التي تفرض عليها إدارة عدد كبير من الملفات والأدوار والتوفيق بينها من قبيل دورها كزوجة وأم إضافة إلى الدور المهني.

مي طبال: حضور المرأة في الحياة السياسية معيار للحكم على مدى تطور أي بلد

عقل المرأة إذن هو عقل سياسي وواقعي بامتياز، ولعل التغييب المقصود لها عن الحياة السياسية في لبنان عائد إلى أن قدرة المرأة على معالجة الملفات والتوفيق بينها وإيجاد حلول لها قد تضع كل الممارسة السياسية اللبنانية أمام عملية إعادة تقييم قاسية وأمام جملة اتهامات قاسية.

وتعتبر منسقة مصلحة المرأة في تيار المستقبل مي طبال “أن الرئيس سعد الحريري يدفع بقوة في اتجاه إقرار قانون انتخابي يتضمن كوتا نسائية بنسبة 30 بالمئة”.

وتؤكد أن هذا الاتجاه “قد يدفع سائر القوى السياسية إلى تفعيل مشاركة المرأة داخل البنى التنظيمية الداخلية وإلى قيام ورشة ترشيح ودعم ترشيح للنساء إلى الندوة البرلمانية”.

وتلفت طبال إلى أنه وبغض النظر عن القانون الانتخابي الذي ستقام الانتخابات على أساسه، فإن موضوع الكوتا النسائية “لا بد أن يكون أساسيا فيه وذلك لأن حضور المرأة في الحياة السياسية بات يشكل معيارا أساسيا للحكم على مدى تطور أي بلد”.

وتلفت طبال إلى أن أسباب تهميش حضور المرأة في الحياة السياسية عديدة ومتشعبة وتعود بشكل أساسي إلى “غلبة العقلية الذكورية وما تنشره من أفكار تتعلق بعدم صلاحية المرأة لممارسة السياسة وبأنها تصلح لعدد محدود من المهن كالتعليم وبعض الوظائف الإدارية”.

ولا تشك منسقة مصلحة المرأة بكون اعتماد مثل هذه المقاربة معيبا وخصوصا لأن المرأة “نجحت في الكثير من الوظائف التي تتطلب امتلاك مهارات عالية من قبيل القضاء والمحاماة”.

وتشير طبال إلى أنه على الرغم من إثبات المرأة لقدرتها على النجاح في ميادين عديدة، إلا أن الأرقام “مازالت تشير إلى واقع مؤسف لناحية حضور المرأة في الإدارات العامة، حيث تبلغ نسبة حضورها في الوظائف الصغيرة والتي لا تتضمن مشاركة في صنع القرار 41 بالمئة، في حين لا تتجاوز النسبة 7،9 حين نصل إلى رتبة المدير العام في الوزارات أو غيرها من المرافق العامة”.

وتؤكد مؤسسة جمعية “نساء رائدات” ندى عنيد أن أهم أسباب ضعف وجود المرأة في المشهد السياسي اللبناني “مرتبطة بعدم قدرة الأحزاب السياسية اللبنانية على تطوير نفسها بعد انتهاء الحرب الأهلية، لناحية تكوين خطاب يعنى بتفعيل مشاركة النساء داخل الأحزاب والسعي إلى خلق حالة استقطاب نسائية”.

ووفق عنيد “تسود حالة لامبالاة عامة بالمشاركة السياسية تنعكس على مشاركة المرأة حيث يسود يأس من القدرة على التغيير”. وتشير إلى أن “الكوتا النسائية هي محاولة لتصحيح الخلل التمثيلي وهي مطبقة في أكثر من 28 بلدا متقدما فلماذا لا يمكن تطبيقها في لبنان؟”.

ولا تعتبر أن الكوتا النسائية قادرة وحدها في حال إقرارها على “إزالة الغبن السياسي اللاحق بالمرأة، ولكنها حاليا تشكل المدخل الأنسب للشروع في إطلاق مسار تفعيل حضور المرأة السياسي”.

2