القوى المتدخلة في ليبيا: من الرهان على أحد الأطراف إلى لعب دور الوسيط

باريس تتقرب من مصراتة المدينة المهمة في غرب ليبيا، وروما تحاول تحسين صورتها في الشرق.
الجمعة 2018/06/29
الليبيون يأملون في وساطة حقيقية تنهي معاناتهم

طرابلس - تخلت الدول المتدخلة في ليبيا وفي مقدمتها فرنسا وإيطاليا وبريطانيا وروسيا عن سياسة الرهان على أحد الأطراف إلى لعب دور الوسيط، وهو ما تعكسه محاولات تلك الدول في التقرّب من جميع الأطراف شرق وغرب البلاد.

وتبقي تلك الدول على علاقات وثيقة مع الطرف الذي راهنت عليه في بداية الأزمة، لكنها مع ذلك تحاول التقرب من الطرف الأخر الذي ينظر لها كخصم.

وبدأت تلك الدول في تنفيذ هذه الاستراتيجية الجديدة بتغيير خطابها الإعلامي الذي تنفي من خلاله دعمها لطرف على حساب آخر والتأكيد وقوفها على مسافة واحدة من جميع الأطراف.

وتؤكد الزيارة التي قامت بها سفيرة فرنسا لدى ليبيا بريجيت كورمي الثلاثاء إلى مدينة مصراتة، سعي باريس للتقرب من هذه المدينة المهمة في غرب ليبيا. وانخرطت فرنسا منذ بداية الأزمة في دعم المشير خليفة حفتر في محاربة الإرهاب وهو ما أكدته حادثة إسقاط ما يسمى بـ”سرايا الدفاع عن بنغازي” في 2016 لطائرة فرنسية كانت تتصدى لهجوم ينفذه الفصيل المذكور، ما أدى إلى مقتل طيار فرنسي ومساعده.

لكن فرنسا تحوّلت مؤخرا إلى وسيط بين الأشقاء الخصوم، حيث استدعت نهاية الشهر الماضي، جميع الأطراف في إطار مبادرة لحل الأزمة. واتفق المجتمعون على عدد من البنود وفي مقدمتها إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في 10 ديسمبر المقبل.

ونقلت بلدية مصراتة عبر صفحتها على موقع فيسبوك مساء الثلاثاء أن بريجيت كرومي قالت “إن الهدف من الزيارة هو الاطلاع على رأي ممثلي المدينة، ووجهة نظر مختلف مكوّناتها بعدد من القضايا خاصة في ما يتعلق بإمكانية السير في توفير الظروف الملائمة لإنجاح عملية انتخابية نزيهة تخرج البلاد من الانسداد السياسي، وآلية جمع الأطراف الليبية المختلفة، وفرص إيجاد توافق فيما بينها”.

وفي الجهة المقابلة تحاول إيطاليا التي تعد أحد أبرز منافسي فرنسا في ليبيا، وحليفا مهما لمدينة مصراتة، استمالة السلطات شرق البلاد.

عجز كلا الطرفين عن تحقيق أي تقدم سواء نحو الشرق أو الغرب، يدفع القوى الخارجية لمراجعة حساباتها

ويُجري سفير إيطاليا في ليبيا جوزيبي بيروني زيارات متواترة للمنطقة الشرقية كان آخرها الزيارة التي قام بها لمدينة القبة مساء الأربعاء حيث التقى رئيس مجلس النواب عقيلة صالح.

وتباشر سفارة إيطاليا من بين عدد قليل جدا من الدول عملها من طرابلس، لذلك قررت افتتاح قنصلية لها في طبرق، لإثبات حيادها خاصة وأنها متهمة بالانحياز للغرب.

وقدّم السفير الإيطالي لرئيس مجلس النواب أثناء اللقاء، المبروك العوامي، قنصلًا شرفياً للسفارة الإيطالية بمدينة طبرق لتقديم الخدمات القنصلية بطبرق والمنطقة الشرقية.

وسبق لخليفة حفتر أن انتقد في تصريحات صحافية انحياز روما إلى مدينة مصراتة على حساب بنغازي. وقال حينئذ “من السيء أن بعض الإيطاليين اختاروا البقاء بجانب المعسكر الآخر. فلقد أرسلوا 250 جنديًا وطواقم طبية إلى مصراتة، دون إرسال أي مساعدات لنا”.

وتدعم روما بقوة حكومة الوفاق. ولديها قوات في مدينة مصراتة تقول إنها تحرس مستشفى ميدانيا أعدته لعلاج جرحى عملية “البنيان المرصوص” التي شاركت في تحرير سرت، لكنها لم تغادر المدينة رغم تحريرها من تنظيم داعش منذ نحو سنتين.

وبدورها خفّفت روسيا في الآونة الأخيرة من دعمها المطلق للسلطات شرق ليبيا، لصالح حكومة الوفاق المعترف بها دوليا في طرابلس.

وكانت تقارير إعلامية غربية قالت إن روسيا تطور علاقتها بشكل نشط مع كلا الحكومتين المتنافستين في ليبيا، ضامنة لنفسها بذلك أحد الأدوار الرئيسة في هذا البلد الشمال أفريقي.

واعتبرت تلك التقارير أن “روسيا ضمنت موقعًا قويًا في ليبيا للمستقبل من خلال البحث عن حلفاء على جانبي النزاع”.

وانحازت روسيا لحفتر منذ إطلاق عملية الكرامة ووصفت مناوئيه في غرب البلاد، لا سيما قوات فجر ليبيا، بـ”المجموعات المارقة”.

وبالرغم من إعلانها تأييد الاتفاق السياسي كمخرج للأزمة في البلاد، إلا أنها لم تُخف وقوفها في صف حفتر ضد الميليشيات الإسلامية التي يحظى بعضها بدعم غربي.

لكنها غيّرت من خطابها مؤخرا، ما يشير إلى أنها تحوّلت من داعم لحفتر إلى وسيط بينه وبين فايز السراج.

وكان دينغوف قال في تصريحات سابقة إنهم على اتصال بكل الأطراف في ليبيا، وأضاف “إننا لا نريد أن نرتبط بأي من جانبي النزاع”.

وعقب ذلك عرضت روسيا التوسط بين حفتر، ورئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، فايز السراج.

ويثير تغير مواقف الدول لاستراتيجيتها في ليبيا تساؤلات المتابعين الذين يشكك عدد كبير منهم في حقيقتها، في حين يرى آخرون أن مراوحة الأزمة لمكانها طيلة السنوات الماضية وعجز كلا الطرفين عن تحقيق أي تقدم سواء نحو الشرق أو الغرب، دفعا القوى الخارجية لمراجعة حساباتها حفاظا على مصالحها.

4