القوى المدنية العراقية تسعى لكسر هيمنة الأحزاب الدينية

زعيم التيار الصدري توج انفتاحه على الحركة المدنية بتحالفه مع الحزب الشيوعي العراقي، لخوض انتخابات مايو القادم ضمن تحالف "سائرون".
الخميس 2018/03/08
هل يتحول غضب الشارع إلى عقاب انتخابي

بغداد - تسعى مجموعة من القوى السياسية العراقية الرافعة للواء العلمانية والمدنية، لفرض نفسها كرقم جدير بالاهتمام في معادلة التنافس على المشاركة في قيادة البلد وصنع قراره من خلال الانتخابات العامّة المقرّرة لشهر مايو القادم، وذلك بعد 15 سنة من هيمنة الأحزاب والتحالفات الكبيرة ذات الخلفية الطائفية والقومية على المشهد السياسي واحتكارها للسلطة.

ورغم صعوبة مهمّتها في كسر ذلك الاحتكار، إلاّ أنّ قيادات تلك القوى ترى أنّ هناك فرصة حقيقية لاستمالة جانب مهمّ من الشارع العراقي الناقم على تجربة الحكم المستمرّة منذ سنة 2003 بعد أن خبر بشكل عملي ضررها المباشر وخسائرها الكبيرة التي بلغت ذروتها خلال سنوات الحرب على تنظيم داعش وما رافقها من تعقيدات أمنية ومصاعب اقتصادية ومشاكل اجتماعية.

وفي ذروة احتجاجات صيف العام 2016 بالعراق كان يمكن للحركة المدنية أن تتحول إلى رافعة سياسية مؤثرة، تغير شكل النظام السياسي، بعدما استحكم تأثيرها على الشارع، ودفعته نحو التظاهر في مختلف محافظات البلاد.

وبدا الحراك المدني مغريا حتى أنّ زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر أمر جماهيره بالتزام توجيهات قادة حركة الاحتجاح الذين ينتمون جميعا إلى ذلك الحراك.

وتوج الصدر انفتاحه على الحركة المدنية بتحالفه مع الحزب الشيوعي العراقي، لخوض انتخابات مايو القادم ضمن تحالف “سائرون”.

الحركات المدنية والعلمانية العراقية تدرك صعوبة مهمّتها في المنافسة على مكانة متقدّمة في الحياة السياسية العراقية التي لغّمتها أحزاب الإسلام السياسي بالاعتبارات الدينية والطائفية، لكنّها مع ذلك ترى فرصة حقيقية وفّرها فشل تلك الأحزاب في قيادة المرحلة السابقة، ما فتح عين شريحة هامة من العراقيين على محدودية قدرتها على قيادة البلد، بل خطورة سياساتها في الكثير من الأحيان

وفي آخر انتخابات عامة شهدها العراق، حققت الحركة المدنية 3 مقاعد نيابية من أصل 328 كرسيا في البرلمان. لكن طموح قادة الحركة في تحقيق نتائج أفضل بالانتخابات القادمة كبر بالاستناد إلى معطيات الواقع وتراجع بريق الشعارات الدينية والقومية وإغرائها لرجل الشارع.

وتراهن الحركة المدنية على الشارع مجددا لحملها إلى البرلمان، بثقل أكبر، لا سيما مع تعدد الأوجه التي تمثلها.

وفضلا عن الشيوعيين، الذين تحالفوا مع الصدريين، يبرز تحالف تمدن، الذي أسسه زعيم حزب الشعب، النائب فائق الشيخ علي.

ولا يخفي هذا التحالف نواياه الواضحة في خلخلة هيمنة أحزاب الإسلام السياسي على مفاتيح السلطة في العراق.

ورشح من كواليس التحالف خبر عن ترشيح الشيخ علي لمنصب رئيس الوزراء، ولكن مراقبين يقولون إنها “مجرد مزحة”.

ولم يمنع خروج الحزب الشيوعي وحزب الشعب من استمرار التحالف المدني في الحضور ضمن خارطة التنافس بين القوى العلمانية في العراق، وإن كانت حظوظه تضاءلت كثيرا في الحصول على أي مقعد نيابي.

وتبرز من بين القوى العلمانية التي ستتنافس في الانتخابات العراقية “المبادرة الوطنية- موطني” التي شكلها الباحث والكاتب العراقي غسان العطية.

وتمّ في اجتماع عقده التحالف المدني الديمقراطي العراقي مؤخرا بمقر حزب البصمة الوطنية وترأسه رئيس التحالف علي الرفيعي، انتخاب العطية بالإجماع رئيسا للقائمة الانتخابية للتحالف.

وتمكّن العطية خلال السنوات الماضية من خلال ترويجه لأطروحات معتدلة مناهضة للطائفية والتقسيم، ومدافعة عن الدولة المدنية والانتماء الوطني من استمالة قاعدة لا بأس بها من الجماهير قد تتيح له المنافسة بجدية في الانتخابات القادمة.

ويقرّ العطية بصعوبة إنجاز تحوّل نوعي وسريع في الحياة السياسية والتخلّص دفعة واحدة من الاعتبارات الطائفية، لكنّه يؤكّد إيمانه بالعمل المرحلي، وأنّ الوضع القائم وتراكمات السنوات الماضية يهيئان الأرضية لإقناع أوسع طيف ممكن من العراقيين، بأنّ الحلّ في العيش المشترك كمواطنين لا كمنتمين إلى طوائف وأعراق. ويقول غسان العطية لـ”العرب” إنّ “الظروف الصعبة التي مرّ بها العراق، رغم مرارتها، فتحت عين المواطن على محدودية أفق الطائفية والعرقية ودفعت إلى البحث عن بديل”.

ويضيف مؤكّدا “أن على القوى المدنية مسؤولية إثبات كفاءتها وقدرتها على تقديم البديل الناجع، وعليها ألا تكتفي بمجرّد الرهان على كبوات القوى السياسية الدينية والعرقية وفشلها في قيادة المرحلة السابقة”.

ويؤكّد أن خوض القوى المدنية للعمل السياسي ومن ضمنه المشاركة في الانتخابات والإيمان بإمكانية تحقيق اختراق من خلالها، ضروري لتثبت تلك القوى وجودها على أرض الواقع وعدم اكتفائها بالتنظير عبر منصات الإعلام. ومع أن خارطة القوى المدنية والعلمانية في انتخابات 2018، تبدو واسعة، إلا أن عدد المقاعد التي يتوقع أن تحصدها ليس كبيرا، وفق معظم الاستطلاعات والتقديرات. لكن هذا لم يحصنها من هجمات كثيفة يشنها إسلاميون.

وأبرز قادة هذه الهجمات الداعية الإسلامي عامر الكفيشي، الذي ينتمي إلى جناح نوري المالكي في حزب الدعوة، ويتخذ من قناة يملكها الأخير منبرا لتهديد الحراك المدني في العراق.

غسان العطية: ظروف العراق المريرة دفعت المواطن إلى البحث عن بدائل
غسان العطية: ظروف العراق المريرة دفعت المواطن إلى البحث عن بدائل

وفي آخر حديث متلفز له، اتهم الكفيشي المدنيين العراقيين بأنهم “يفسدون عقول شبابنا وبناتنا في الجامعات والمؤسسات”، مشيرا إلى أن “أصحاب الفكر العلماني المتفسخ، ينشرون مبادئ الكفر والإلحاد الشيوعية الكافرة، والمبادئ القومية الشريرة والمدنية التي يتحدثون بها ليل نهار”.

ويقول النائب المنشق عن التيار الصدري، عقيل عبدالحسين، إنه رفع دعوى قضائية ضد الكفيشي لـ”تحريضه ضد المدنيين والعلمانيين العراقيين واعتبارهم الخطر الأكبر من داعش”.

ويقول رئيس التحالف المدني علي الرفيعي، إن تصريحات الكفيشي ناجمة عن “الخوف من الحراك المدني لأنهم يعلمون حجم التعاطف الداخلي معه، وذلك يعود أساسا لفشل الجماعة التي يمثلها الكفيشي”. ويضيف أن “التصريحات الأخيرة ليست جديدة، وقد دأب منذ فترة على الإدلاء بتصريحات عبر الفضائية التابعة للحزب والشخص المعروف”. ويرى الرفيعي أن الكفيشي “يتعمد إطلاق تصريحات كهذه في هذا التوقيت القريب من الانتخابات، بهدف تضليل رجل الشارع البسيط”.

 

3