القيادات النسائية يكتبن أسماءهن في تاريخ الرياضة العربية

قصص النساء العربيات القائدات في المجال الرياضي تبقى دليلا على نضالات مستمرة ضد الذكورية والنظرة الدونية للمرأة.
الأحد 2019/05/19
مها جنود: على أرض الملعب لا فرق بين رجل وامرأة فالأهم امتلاك الكاريزما القيادية

لمعت نساء كثيرات في سماء الرياضة العربية ليس فقط بممارسة رياضات كانت إلى زمن قريب حكرا على الرجال دون النساء بل أيضا بتبوء مناصب قيادية رياضية سواء لتولي مهمة التسيير الإداري أو حتى لتولي مسؤولية التوجيه الفني للفريق. وربما تبدو المهمة أكثر حساسية إذا تعلق الأمر بتسيير فريق رياضي رجالي بالنظر إلى خصوصية البلدان العربية التي شئنا أم أبينا ما زالت تنتشر فيها طريقة تفكير متأثرة بعقلية ذكورية تعتبر المرأة كائنا “ناقصا” وظيفته الأبرز في الحياة لا تخرج عن إطار إنجاب الأطفال والمهام المنزلية والاعتناء بالعائلة.

تونس - تقف في الملعب بكل ثقة توجه اللاعبين وتعطي تعليماتها وتضع خطة وتسطر إستراتيجية للعب، هي سلمى الماجدي السودانية التي كانت أول مدربة فريق كرة قدم رجالي في أفريقيا والعالم العربي.

لعبت كفاءة المرأة ومثابرتها دورا كبيرا في فرض نفسها رقما صعبا في الرياضات المختلفة، ولتكون من بين المسيرين لفرق رياضية سواء إداريا أو فنيا. حضور الماجدي في الملعب وتسييرها لفريق من الرجال متحدية كل أعراف المجتمع المحافظ الذي نشأت فيه وقوانين بلد يطبق الشريعة الإسلامية، جعلاها تستحق عن جدارة لقب “أيقونة التغيير” الذي يطلقه عليها رواد مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام.

تشدد سلمى الماجدي، لـ“العرب”، على أن أسلحتها في محاربة العقليات التي استنكرت وجودها في الملعب بين الرجال هي الإصرار والطموح والنجاح.

والشهر الماضي اختار أعضاء الجمعية العمومية للاتحاد العربي للتايكواندو المصرية عزة الفولي لشغل منصب نائبة رئيس الاتحاد لتكون أول امرأة تتولى هذا المنصب.

وليس أدل على الواقع العربي بخصوصياته وتطوراته من التصريحات الإعلامية للفولي عندما أُعلن عن حصولها على أغلبية الأصوات في انتخابات الاتحاد حيث قالت إن اختيارها “يدل على تغيير وتتطور الفكر العربي الذي أصبح الآن يثق في إمكانيات الكوادر النسائية والشابة”.

نائبة رئيس الاتحاد ليس المنصب القيادي الرياضي الوحيد الذي تولته الفولي فهي قبل ذلك مسؤولة الرخص الدولية بالاتحاد الدولي للتايكواندو عن القارة الأفريقية.

وتثير قصص النساء العربيات القائدات في المجال الرياضي اهتمام وسائل الإعلام العربية والغربية والجمهور أيضا فهي تبقى في كل الحالات دليلا على نضالات مستمرة ضد الذكورية والنظرة الدونية للمرأة، والتي تختزلها في الصورة النمطية لربة المنزل التي تعتني بأطفالها وزوجها.

سلمى الماجدي: "كنت أتعرض للانتقاد، وقيل لي كيف لك أن تقومي بمهنة الرجال؟ فيما نصحني البعض بممارسة نشاط آخر"
سلمى الماجدي: "كنت أتعرض للانتقاد، وقيل لي كيف لك أن تقومي بمهنة الرجال؟ فيما نصحني البعض بممارسة نشاط آخر"

وتقول الصحافية المصرية أمل صالح، لـ“العرب”، إنها التقت خلال عملها مدربات لفرق رياضية مختلفة ولاحظت أنهن يتمتعن بحقوقهن كاملة في ممارسة عملهن ولا يتعرضن إلى أي مضايقات أو اضطهاد من أي نوع.

وأشارت إلى أنه في المقابل الفرق النسائية لم تستطع إلى الآن أن تأخذ حظها مقارنة بالفرق الرجالية.

وقبل أيام من تولي الفولي منصب نائبة رئيس الاتحاد الدول للتايكواندو، أعلن فريق الملعب التونسي لكرة القدم عن تكليفه المدربةَ المهنية إشراف قنفود بتولّي مهمة الإعداد الذهني للفريق.

وهذه هي المرة الأولى في تاريخ الدوري التونسي التي يتعاقد فيها فريق كرة قدم مع امرأة لتكون المعدة الذهنية للفريق، حيث تولت قنفود -أخصائية التدريب العصبي اللغوي والتنويم المغناطيسي- عملية الإعداد الذهني لرياضيين من اختصاصات مختلفة لكن بشكل منفرد.

ورجح عدد من رواد الإنترنت إمكانية نجاح قنقود في ما فشل فيه مدربون مهنيون رجال وتتحسن على يدها نتائج فريق الملعب التونسي الذي يعاني من تراجع النتائج. لكن أيضا كانت هناك تعليقات سلبية وساخرة بشأن تكليف امرأة بمنصب المعد الذهني للفريق.

فرض الاحترام

يرى البعض أن المجال الرياضي هو من بين أكثر القطاعات التي تنتشر فيها العقلية الذكورية وأن الكثير من الرياضيين الرجال لا يقبلون أن يتم تسييرهم من قبل امرأة.

لكن قنفود تخالف هذا الرأي تماما وتؤكد، لـ”العرب”، أنه “على عكس الشائع مجال الرياضة يتميز بأسلوب تعامل يتضمن الكثير من التقدير والاحترام للمرأة”، موضحة أنه من خلال ممارسة مهمتها المتمثلة في الإعداد المعنوي والذهني للاعبين لاحظت أنهم يتفهمون وظيفتها ويقبلون إرشاداتها كما أنها لم تتعرض لأي موقف فيه رفض أو معارضة لما تقدمه للاعبين من توجيهات.

وعلى مدى السنوات الماضية سطعت في سماء العالم العربي قيادات نسائية رياضية حفرت أسماءها في التاريخ وتغلبت بقوة العزيمة والإصرار والطموح على الخطاب المحافظ الذي لطالما فرش طريق المرأة بقواعد وقيود بالية والذي أظهرت التطورات الفكرية والثقافية والاجتماعية حدوده فبات مهزوما أمام قوة نساء سرن نحو المجد بخطوات ثابتة.

تمتلك القيادات النسائية الرياضية في العالم العربي قواسم مشتركة، فقد صار مصيرها جميعا هو الحلم والطموح والنجاح، لكن رغم هذا التشابه الكبير بينها فإن درجة القبول تختلف بحسب البلد والمجتمع اللذين تعيش فيهما هذه القيادات. فلئن كانت المهمة تسير بشكل أيسر في تونس ومصر مثلا، كما بينت الشهادات السابقة بالنظر إلى الخلفيات الاجتماعية والثقافية للاعبين الذين يتم التعامل معهم رغم أن الاحتفاء العالمي كان بأسماء أثبتت جدارتها بالمهمة القيادية التي أوكلت إليها، فإن الصورة لم تكن مبهجة دائما.

هذا كان الحال في البداية بالنسبة لسلمى الماجدي التي أكدت لـ”العرب”، أن أكثر الصعوبات التي واجهتها كانت الانتقادات اللاذعة التي وجهت لها من قِبل المجتمع.

وقالت الماجدي، وهي حاليا مدربة فريق نادي الأهلي بالقضارف، “كنت أستمع لانتقادات كثيرة، حيث كثيرا ما قيل لي كيف لك أن تقومي بمهنة الرجال؟ وآخرون قالوا لي الرجال يعانون في هذا المجال فما بالك وأنت امرأة، فيما نصحني البعض الآخر بممارسة نشاط آخر”. وأضافت “أكثر صعوبة واجهتني هي كيف أقنع إدارات الأندية الرياضية بأني جديرة بتولي القيادة الفنية لأي فريق أو منتخب”.

لا شي قادر على كبح جماح طموح المرأة
لا شي قادر على كبح جماح طموح المرأة

وقبل أن تتولى تدريب فريق نادي الأهلي بالقضارف دربت الماجدي فرقا أخرى من بينها النصر والنهضة والنيل حلفا والموردة، وهي فرق من دوري الدرجة الثانية في السودان.

شغف الماجدي بكرة القدم الذي لم يكن خافيا على أحد منذ صغرها وضعها في عام 2015 لتكون في قائمة هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) التي تضم “أكثر 100 امرأة تأثيرا” في العالم.

لكن هذا الاعتراف الدولي بكفاءة وتأثير امرأة استثنائية في مجال كرة القدم لم يكن أبدا الطريق الموصل إليه مفروشا بالورود في بلد يطبق الشريعة الإسلامية وما زال المجتمع يتشبث بثقافة محافظة، فإلى اليوم لا يتردد البعض من السودانيين في وضع تعليق في مواقع التواصل الاجتماعي على صور الماجدي أو أخبارها. تشترك هذه التعليقات السلبية في القول إن سلمى “مكانها البيت” وأن “عليها أن تبحث عن ما تقوم به في البيت أو المطبخ”.

حاليا أصبحت الانتقادات أقل مما كانت عليه في بدايات الماجدي في مجال التدريب الرياضي إذ تغلبت عليها الأصوات المشجعة ومشاعر الإعجاب. تقول الماجدي إنه في بداية مسيرتها “واجهت صعوبات في الشارع ومع زملاء العمل وفي الحي” الذي تسكن فيه.

وتواصل بنبرة واثقة “ولكن النجاح والتفوق هما ما يجعل الجميع يلتف حولك ويدعمك”، مؤكدة أن “سلاح النجاح يكمن في الصبر والاجتهاد والعلم”.

سلمى الماجدي لم تكن السودانية الوحيدة التي حفرت اسمها في تاريخ القيادات النسائية الرياضية في بلدها، لكن من سبقتها يعود نجاحها إلى سبعينات القرن الماضي وهي منيرة رمضان الحَكمة التي قادت العديد من مباريات كرة القدم للذكور.

وتعزز هذه الأسماء قائمة فريدة من نوعها تضم نساء رسخن أنفسهن رقما تنافسيا صعبا كقيادات رياضية. فالسورية مها جنود واحدة من المدربات القلائل في العالم العربي لفريق كرة قدم من الرجال لكنها أيضا الأولى في هذا المجال في سوريا وفي الشرق الأوسط. وتقول جنود “التدريب علم قبل أن يكون من يؤديه أنثى أو ذكرا. عندما يقدم الشخص معلومة صحيحة يمتلك كاريزما قيادية خاصة على أرض الملعب، وهنا لا فرق بين رجل وامرأة”.

كسر القيود

دول الخليج العربي رغم البيئة المحافظة التي تميزها أكثر مما تميز غيرها من البلدان العربية، لم تخل من نساء فرضن أسماءهن وخبراتهن ليكن قائدات في مجال الرياضة.

ففي السعودية، هذا البلد الذي يعيش على وقع تغييرات مجتمعية جذرية حررت المرأة من عدة قيود وإجراءات متشددة فرضها رجال الدين والمحافظون، كانت ريم بنت بندر بن سلطان قبل أن تعين سفيرة للرياض في واشنطن (منصبها الحالي) وكيلة رئيس الهيئة العامة للرياضة للقسم النسائي حيث عينت بقرار ملكي في هذا المنصب في عام 2016 وكانت لها مساهمة بارزة في إدراج الرياضة ضمن سلوكيات وممارسات المجتمع السعودي، لكن دورها البارز تمثل في تحطيم كل المحظورات المجتمعية وتبديد العقليات المحافظة التي تمنع المرأة السعودية من ممارسة الرياضة.

إشراف قنفود: "على عكس ما هو شائع يتميز مجال الرياضة بأسلوب تعامل يتضمن الكثير من التقدير والاحترام للمرأة"
إشراف قنفود: "على عكس ما هو شائع يتميز مجال الرياضة بأسلوب تعامل يتضمن الكثير من التقدير والاحترام للمرأة"

المبادرات والأفكار التحررية لريما كانت من بين أسباب إدراجها من قبل مجلة فورن بوليسي الأميركية ضمن قائمة كبار المفكرين العالميين لعام 2014، وهي نفس السنة التي أدرجت فيها مجلة فوربس الأميركية ريما بنت بندر ضمن أقوى 200 امرأة عربية في عام 2014.

قالت ريما، عندما كانت وكيلة رئيس الهيئة العامة للرياضة، “دوري أن نوسع الرياضة المجتمعية ونوسع المشاركة فيها”، مشيرة إلى إعداد برنامج رياضي وطني يتواكب مع رؤية المملكة 2030 يمكن من توفير نحو 250 وظيفة نسائية في قطاع الرياضة.

مساهمة المرأة الإماراتية في الرياضة جعلتها تتوج في العديد من المناسبات، كانت آخر مناسبة تكريم الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي، رئيسة مؤسسة الشارقة لرياضة المرأة وقرينة حاكم الشارقة، من قبل مجلس وزراء الرياضة والشباب العرب خلال دورته الثالثة والأربعين التي أقيمت في القاهرة الأسبوع الماضي.

وذكر بيان صادر عن مؤسسة الشارقة لرياضة المرأة أن تكريم الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي جاء “تقديراً لجهودها في دعم وتطوير قطاع رياضة المرأة العربية وتعزيز ثقافة ممارسة المرأة للرياضة كنمط حياة ومظهر حضاري تنموي”.

ومن بين أبرز القيادات النسائية الرياضية في دولة الإمارات الأميرة هيا بنت الحسين قرينة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وهي حاليا رئيسة الاتحاد الدولي للفروسية، لكنها قبل ذلك فارسة متوجة على مستوى البطولات العالمية بالعديد من الجوائز.

الشيخة ميثاء بنت محمد بن راشد آل مكتوم هي الأخرى من بين الإماراتيات اللاتي صنعن اسما ذهبيا في مجال الرياضة في بلدهن وفي كل المنطقة، فهي رئيسة رابطة لاعبي ولاعبات الكاراتيه في الاتحاد العالمي للكاراتيه، والرئيسة الفخرية للاتحاد العربي للكاراتيه والتايكواندو.

في الكويت، كانت فاطمة حيات أول امرأة عضو في مجلس إدارة الاتحاد الكويتي لكرة القدم عندما تم انتخابها في هذا المنصب عام 2018 لتكون أول ثمار عملها إنشاء أول منتخب لكرة القدم النسائية في الكويت.

وتؤكد حيات، التي تشغل منصب رئيسة اللجنة النسائية في الاتحاد الكويتي لكرة القدم، أن الجهود مبذولة لتقوية قدرات فريق الكرة النسائي ليتمكن من دخول المنافسات القارية والدولية. وكانت نتائج منتخب الكويت النسائي للصالات متواضعة في الفترة الأخيرة، وترد حيات على ذلك بقولها إن “المنتخب جديد على المنافسات الدولية، وهذه المباريات تعتبر هي الأولى للفرق النسائية في الكويت منذ 40 عاما”.

في بلدان المغرب العربي أيضا العديد من الرياضيات السابقات اللاتي غيرن توجههن لأسباب عديدة فبعد التوقف عن ممارسة الرياضة والمشاركة في المنافسات المختلفة اخترن تقلد أدوار ومناصب قيادية، فدرصاف القنواطي التي كانت حارسة مرمى في السابق أصبحت أول حكمة تونسية في مباراة كرة قدم للرجال.

 كما حققت إنجازات عديدة من خلال إدارة مباراة كرة قدم نسائية ليس في تونس فقط بل على مستوى القارة الأفريقية ولم يقتصر تحكيمها على المباراة النسائية فحسب بل أدارت كذلك العديد من المقابلات الرجالية في تونس وفي أفريقيا.

والمغربية نوال المتوكل التي تولت منصب وزيرة الشباب والرياضة في المغرب في عام 2007، كانت قد انتخبت في 2012 نائبة رئيس اللجنة الأولمبية الدولية لتكون أول امرأة عربية ومسلمة وأفريقية تصل إلى هذا المنصب. وقد انضمت إلى عضوية اللجنة الأولمبية الدولية في عام 1998. وقبل ذلك كانت ضمن تركيبة المكتب التنفيذي للاتحاد الدولي لألعاب القوى في عام 1995.

وهي بفوزها بالذهب في أولمبياد السيدات في 1984 أصبحت أول بطلة أولمبية عربية من شمال أفريقيا.

بدورها كانت الجزائرية حسيبة بولمرقة عضوا في اللجنة الأولمبية الدولية عندما قررت اعتزال رياضة العدو في 1998، بعد أن توجت بطلة عالمية وبطلة أولمبية في عامي 1991 و1992 على التوالي، ونالت على إنجازاتها الكثيرة اعترافات وجوائز دولية عديدة.

والأربعاء الماضي، قاد طاقم تحكيم نسائي مباراة للرجال للمرة الأولى في تاريخ مسابقات الاتحاد الآسيوي لكرة القدم، وذلك في مباراة فريقي يانغون يونايتد من ميانمار وناغا وورلد الكمبودي ضمن كأس الاتحاد.

20