القيادة مفهوم هلامي يتغير بتغير الظروف المحيطة بالطفل

السبت 2015/04/25
المرونة تكسب الأطفال مهارات التكيف الاجتماعي

تعدّ تربية الأطفال ومتابعة سلوكهم أمرا مجهدا لكل أسرة وتحديدا للأم، كونها تتابع يوميا جميع ما يطرأ من تغييرات على سلوك طفلها، وتحاول أن تزرع فيه صفات تؤهّله لقيادة الآخرين بدلا من الانقياد والسير على خطاهم.

تقول نشوى العربي، ربة منزل -29 سنة- إن ابنتها فاطمة في العاشرة من عمرها تتميّز بأنها اجتماعية ومنفتحة، كما تتمتّع بحس عال من الدعابة، رغم ذلك فإن والدتها تلاحظ أن لديها ميلا للانقياد، وهذا الشعور يصيبها بالحيرة.

وتضيف: رأيتها كثيرا تذعن وتمتثل لفتيات أكثر عدوانية، رغم أنني أتمنى حقا أن أراها قائدة وليست منقادة، ولذلك أحاول أن أغرس بداخلها صفات قوة الشخصية وما يصاحبها من سمات، مثل الاستقلالية والميل للمبادرة والدفاع المستميت عن الحقوق.

ومن جانبها توضح زينب جلال، موظفة -32 سنة- أن ابنها عنيف في طباعه وحاد في تصرفاته، ويميل إلى العدوانية للحصول على احتياجاته، وتابعت قائلة: أحاول تعديل سلوكه حتى يصبح شخصا مهذبا ومحبوبا بشخصيته الطيبة، وتقول: إن الأطفال الأشقياء عادة ما يكونون أقوياء الشخصية مقارنة بالأطفال الانطوائيين، وترى، أن شخصية الطفل تتشكل من أسلوب التربية المتبع في الأسرة، لكنها تؤكد أنها لن تترك ابنها فريسة للسلوك العدواني.

ومن جانبه يقول الدكتور فريد حسن استشاري الطب النفسي بجامعة الأزهر: هناك دلالات في شخصية الطفل تظهر خلال مرحلة نموه، على سبيل المثال: في سن 7 إلى 10 سنوات، تعتبر أدوار القائد والمنقاد مفاهيم هلامية تتغيّر وتتبدّل بتغيّر الظروف المحيطة، وعلى الأسرة تعليم أولادها أن يكونوا لطفاء مع الآخرين، بجانب إقامة الصداقات والحفاظ عليها. ويرى، أن الأطفال في هذه السن يتبادلون الأدوار أثناء لعبهم وتجمّعاتهم، حتى يجد كل منهم الدور الاجتماعي المناسب له، فقد نرى الطفل الذي ينقاد لزملائه في المدرسة، يسيّطر على الفريق عند اللعب مع أطفال الجيران، وقد نجد الطفل الذي لا يجيد ممارسة أيّ نوع من الرياضات ماهرا في تنظيم اللقاءات بين جماعات الكشافة من أصدقائه، وإذا وجد الطفل نفسه في موقف جعله يكتشف أنه يتميّز بمهارات تفوق مهارات أترابه، فإنه يتولّى قيادتهم بشكل آلي.

الطفل ذو الشخصية القوية لو التقى أطفالا يراهم لأول مرة، فإنه سرعان ما يبدأ في رسم المخططات لاحتوائهم

ويؤكد، أن هذه المرونة تفيد الأطفال كثيرا في هذه السن، لأنها تكسبهم مهارات التكيّف الاجتماعي، التي تعدّ مفتاحا سحريا لأبواب النجاح في كافة المجالات وتبادل الأدوار، وهذا بالطبع لا يتنافى مع وجود أطفال متميّزين في المرحلة الابتدائية، تتطابق سماتهم مع السمات المعروفة للشخصية القيادية، ومن هذه السمات: الثقة الشديدة بالنفس والتمسّك بالحق والإصرار والاعتداد بالنفس والتمتّع بشعبية واسعة.

ويوضح الدكتور خالد الزيات استشاري التقويم السلوكي، أن بعض الأطفال يكون لديهم ملكة القيادة ويمارسون سلطات قيادية لا حدود لها، ودلل على كلامه بأن الطفل ذو الشخصية القوية لو التقى أطفالا يراهم لأول مرة، فإنه سرعان ما يبدأ في رسم المخططات لاحتوائهم، دون أن ينتابه أيّ شك ولو للحظة في احتمال رفضهم إياها.

ويقول: لا يمكن أن نسلّم بهذه الشخصية كقاعدة في سلوك الطفل، لأن القيادة لا يمكن أن تدوم، على سبيل المثال، يمكن أن يتحوّل أحد المنقادين إلى قائد للمجموعة بدلا من الطفل الأكثر نفوذا وشخصية، لمجرد أنه يتمتّع بمهارات لا يتمتّع بها أقرانه، كالتميّز في رياضة معيّنة، أو القدرة على ركل الكرة، أو التفوّق في سباقات العدو.. إلخ، ما يجعله مثارا لإعجاب بقية الفريق.

وتابع: في عالم الأطفال التغيير السلوكي مستمر، وصاحب الشخصية القوية قد يكون غير جدير بقيادة المجموعة، خاصة إذا اكتشفوا أن لديه نقاط ضعف مثلهم، أو أنه غير قادر على التفوّق عليهم في جميع المجالات كما كانوا يعتقدون، وخلافا لقوانين عالم الكبار، لا يستطيع الأطفال في هذه السن أن يتسامحوا طويلا مع قائدهم، وبالتالي كل طفل متميز في شيء معين يكون هو القائد فيها.

الطفل لا ينقاد لغيره لمجرد الوصول إلى حالة من الانسجام أو التكامل ولكنه يفعل ذلك كنوع من التعاون والتفاعل

وفي سياق متصل، يؤكد الدكتور معتز إبراهيم استشاري الطب النفسي، لا يمكن أن نحكم على الطفل التابع أو المنقاد بالسلبية، فالطفل لا ينقاد لغيره إلا لمجرد الوصول إلى حالة من الانسجام أو التكامل مع الآخرين، ولكنه يفعل ذلك كنوع من التعاون والتفاعل، فالطفل المنقاد ذا الثمانية أعوام لن يظل منقادا للأبد، ومع الوقت سوف تتبدّل شخصيته.

ويطالب الأسر بالتخلي عن أهدافهم النبيلة التي تتركز على إعداد الطفل ليكون قادرا على القيام بدور القائد، واستبدالها بهدف آخر، وهو إعداد الطفل الذي ينجح في إثبات نفسه في كلا الدورين: التابع والمتبوع، ومن أمثَل الوسائل التي تساعد على بلوغ هذا الهدف، ترك الطفل يعرف أهمية الصداقة بنفسه، بالإضافة إلى أهمية تنمية المهارات الاجتماعية الإيجابية القيادية لدى الأطفال، وإتاحة الفرصة للطفل لاختيار أوقات غير مخطط لها مسبقا للعب مع أصدقائه.

أما الدكتورة فوزية فهمي، أخصائية اجتماعية فتقول: لا يجب أن يقلق الأهل بخصوص ظاهرة معيّنة لدى الطفل، بل يجب عليهم غرس الثقة في نفس الطفل، وتشجيعه على تكوين صداقات جيدة مع أقرانه في المدرسة أو في النادي، ولا يجب أن يفرض على الطفل ألعابا معيّنة أو نهج سلوك معيّن، بل نترك الطفل يبتكر لحياته ويختار هواياته وأصدقاءه، وعلينا أن نقوم بمساندته وإيضاح الأمر له وتسهيل الصعاب، ومحاولة جعل يومه مشغولا إما بالقراءة أو الألعاب المفيدة سواء بالكمبيوتر أو الأجهزة الأخرى الإلكترونية، وتشدد على أهمية أن يتعلّم الطفل كيف يكون قائدا؟، وكيف يوجّه أفكاره ويخاطب الآخرين؟، فإذا كان سهل الانقياد مرة سيكون بعد ذلك صاحب المبادرة مع أقرانه من الأطفال.

21