القيم الشخصية تنزع إلى تبني التوجهات العامة

يعمل معظم الناس على تطوير مجموعة من القيم المعقّدة التي تعينهم على إطلاق أحكامهم على سلوك الآخرين، إضافة إلى تقييم الأحداث وطبيعة بناء علاقاتهم مع المحيط الاجتماعي الذي يعيشون فيه، وقد يمتد تأثير هذه القيم ليغوص في دقائق حياتهم اليومية كاختيارهم لنوع الطعام والملابس وأماكن التسوق، مرورا بانتقاء أصدقائهم وأماكن عيشهم، وربما مواصفات أثاث المنزل أيضا.
الأربعاء 2016/09/14
العادات روجت لاستخدام الورود في عيد الحب

أهم ما يميّز وظيفة القيم هو تأثيرها في خياراتنا الشخصية، في ما يتعلق بدعم المؤسسات والانقياد للقوانين الوضعية وتشكيل مفاهيمنا، ويبقى الهدف منها هو دعم توجه ديني أو سياسي معين.

ويرى آرت مارك مان، أستاذ علم النفس والتسويق في جامعة تكساس بولاية أوستن الأميركية، أنه في الكثير من الحالات وعلى الرغم من أن الظاهر يشير إلى أن القيم هي التي تتحكم في سلوكنا، إلا أنها في الحقيقة تظل مجرد إطار تجميلي هش لتبرير ردود أفعالنا تجاه الأشياء.

فمعظم وجهات نظرنا ومواقفنا تنبع من فرضيات نبنيها وفق تصوراتنا عن طبيعة هذا العالم وكيف تمضي فيه حياة الناس وتوجهاتهم وخياراتهم، فنفترض أن ما يحدث وما يفعله الناس هو أمر صحيح ومثالي وذلك بمجرد تعميمه كسلوك واتجاه داخل المجتمع، سواء أكان في مجتمعنا المحلي الضيق أم على المستوى العالمي كالمفاهيم الإنسانية المحددة مسبقا.

وعلى سبيل المثال يختار أغلب الناس اللون الأزرق للملابس ليمثل المواليد من الذكور بينما يغلب اللون الزهري على ملابس الفتيات الصغيرات، لمجرد شيوع هذا المفهوم في أغلب المجتمعات، وشيوع الفكرة أو المفهوم يؤكد لهؤلاء أنها صحيحة دون التحقق من ذلك.

ويظل السؤال ملحّا هنا لماذا يتحول الأمر الشائع إلى اعتقاد ينبغي العمل به؟ وهو ما تطرقت إليه الدراسة التي نشرت في العدد الأخير من مجلة “علم النفس” الأميركية.

ويشير الباحثون في هذه الدراسة إلى أن هذه النزعة إلى تبني التوجهات العامة للمجتمع تنبع من استخدام الناس لخاصية التعميم بصورة ملفتة للنظر، والتي يطلق عليها متخصصون “متلازمة التحيّز”، حيث يميل الناس إلى تفسير الأحداث وفق أحكام مجتمعية مسبّقة ووفق الكيفية التي يرونها في العموم.

واستخدم الباحثان الأميركيان كريستينا توارك وآندريا سيمباين نموذجا لمثال متعارف عليه، حيث يعتقد معظم الناس أن الورد يمثل هدية مناسبة جدا في “عيد الحب”، بالنظر إلى ما تتميز به الورود من خصائص كجمالها مثلا ورائحتها اللطيفة، لكن الحقيقة تقول إن الورود أصبحت أزهارا شعبية لمتانة تكوينها وسهولة استيرادها خصوصا في شهر فبراير بالذات، من الدول التي تتمتع بطقس دافئ في هذا الوقت من العام!

الظاهر يشير إلى أن القيم هي التي تتحكم في سلوكنا، إلا أنها تظل مجرد إطار تجميلي هش لتبرير ردود أفعالنا تجاه الأشياء

وإذا كانت العادات التي يروج لها المجتمع تؤكد على شيوع استخدام الورود في هذه المناسبة الخاصة، فإنه بات من الصعب إقناع الناس بعكس ذلك الأمر الذي يجعلهم يغضون النظر عن تبني نوع آخر من الهدايا حتى وإن كانت من أكثر الهدايا ملاءمة بالنسبة إلى هذه المناسبة من وجهة نظرهم، فهذا النوع من التفسيرات التي يتفق عليها المجتمع تجعل الناس مجرد أدوات لتبني المثال المطروح عليهم، من دون التحقق إن كان منطقيا أم لا أو حتى بالنظر إلى قناعاتهم الشخصية وهل هم مقتنعون بما يحصل من أم لا؟

وانطلاقا من دراسات سابقة في هذا الإطار، خرج باحثون بنتائج متشابهة تؤكد على أن معظم الناس (من مختلف الأعمار) إنما يشتقون قناعاتهم من كون المفاهيم الشعبية تكون أكثر شيوعا من غيرها، وكل ما هو شائع في رأيهم سيكون صحيحا بالضرورة.

ويشير الدكتور مان إلى أن عدم تكوّن قيم محددة وواضحة لدى شخص ما حول الأشياء أو حول ما يجب القيام به إزاء موقف معين، هو ما يضطره في الغالب إلى تبني نموذج شعبي شائع على أنه الخيار الأكثر صحة ومواءمة والذي ينبغي تبنيه دون الخوف من النتائج المترتبة عنه، فالانخراط في المجموعة وما نعيشه من مشاعر الأمان التي تتمكن منا لمجرد مجاراتنا للمواقف والاتجاهات العامة، هو ما يدفعنا في أغلب الأحيان إلى تقليد الآخر.

ولكن في بعض الحالات قد يتبنى أفراد المجتمع مفهوما أو سلوكا غير مقبول فيصبح عندها الانسياق وراءه خطأ فادحا ينبغي تجنبه، وكأبرز مثال على ذلك التمييز العنصري والديني الذي قد يستفحل في بعض المجتمعات ويصبح شائعا على الرغم من آثاره الخطيرة على بنية المجتمع، حيث يصبح الانجراف مع تياره من الأخطاء التي لا تغتفر.

وفي نهاية المطاف، فإن هناك مجموعة من القوى والعوامل الظرفية والمكانية، فضلا عن الانتماءات الدينية والاجتماعية، هي التي تحدد سلفا طبيعة القيم التي تتشكل لدى الأفراد، وفي بعض الحالات يكون من الصعب تغييرها أو إخضاعها لقيم ومعايير المجتمع مهما كانت قوتها وضرواتها، لكن هذه الحالات تكاد تكون نادرة إذا لم تكن مستحيلة في مجتمعات اعتاد أفرادها على الانجرار مع “القطيع” وتبني سلوك أصحابه واتجاهاتهم حتى إذا كان هذا يعني ذوبانا كاملا لشخصية الفرد وكينونته لصالح ما هو عام ومشاع.

وفي كتابه “سيكولوجية الجماهير”، يرى غوستاف لوبون أن العواطف التي تعبر عنها الجماهير سواء أكانت طيبة أم شريرة، تتميز بطابع مزدوج، بمعنى أنها مضخمة جدا ومبسطة جدا، وفي ما يخص هذه النقطة بالذات نجد أن الفرد المنخرط في الجمهور يقترب كثيرا من الكائنات البدائية، فهو غير قادر على رؤية الفروقات الدقيقة بين الأشياء وبالتالي فهو ينظر إلى الأمور ككتلة واحدة ولا يعرف التدرّجات الانتقالية.

وفي ما يخص الجمهور، نلاحظ أن المبالغة في العاطفة مدعّمة من قبل الحقيقة التالية، وبما أن هذه العاطفة تنتشر بسرعة شديدة عن طريق التحريض والعدوى، فإن الاستحسان والقبول اللذين تلقاهما يزيدان من قوتها إلى حد كبير. وتجدر الإشارة إلى أن بساطة عواطف الجماهير تحميها من عذاب الشكوك وعدم اليقين، فالجماهير إذ تحرض بذكاء فهي أكثر قدرة بكثير من الإنسان المعزول.

21