القيم الكونفوشيوسية وفلسفة الأخلاق في كتاب مغربي

الخميس 2018/01/25
بحث في العلاقة بين الكونفـوشيوسية والإسلام

أكد الباحث المغربي فؤاد الغزيزر أن القيم الإسلامية والكونفوشيوسية تتشابه في جزء كبير منها، من حيث نظرة الاثنين إلى العلاقات الإنسانية، والمجتمعية والأسرية، النفس (القلب) والأخلاق (السلوك) وحتى آداب الطعام، هذه الجوانب كلها تسجل تشابها كبيرا بين الجانبين. وسعى في دراسته “فلسفة الأخلاق بين الكونفـوشيوسية والإسلام – دراسة مقارنة” والصادرة عن مؤسسة بيت الحكمة إلى الإجابة عن عدد من الأسئلة الجوهرية التي تربط بين الكونفـوشيوسية والإسلام، من خلال تبيين قواعد الكونفوشيوسية.

ويرى الغزيزر أن أهمية الموضوع تنبع من تناوله لفلسفة الأخلاق، لما لها من أهمية بالغة سواء في حياة الفرد أو الجماعة أو الأمم، لأن هدفها هو تحقيق السعادة للفرد والجماعة وما يرتبط بها من قيم أخلاقية يشترك في فهمها جميع الأفراد والذي تناولته الفلسفة بالدراسة والتحليل منذ نشأة الفكر الفلسفي، مشيرا إلى أن الكونفوشيوسية نسبة إلى كونفوشيوس الذي يعد من أكثر الفلاسفة والمفكرين الذين يشهد لهم التاريخ الصيني بالحكمة والفلسفة والأخلاق، واشتهر في جميع أرجاء العالم.

ويلاحظ الباحث أن حضور الجانب الميتافيزيقي بقوة في القيم الإسلامية وغيابه في القيم الكونفوشيوسية، يمثل اللحظة الفارقة بين المرجعيتين، فبينما كانت المرجعية الإسلامية ترتكز على الجنة والنار والعقاب والجزاء والترغيب والترهيب وفوق ذلك المراقبة الإلهية، لم تتوفر للكونفوشيوسية أرضية كهذه تضمن تماسك منظومتها الأخلاقية واستمرارها، وانقياد الناس إليها طوعا أو كرها، بل هناك فراغ ميتافيزيقي أيديولوجي لم يفرض على كونفوشيوس بل اختاره بنفسه، حيث كان يرى أن ولاء الناس يجب أن يكون للدولة والإمبراطور، وفي نفس الوقت يجب على الإمبراطور والدولة أن تتقيد بالقيم والأخلاق (الكونفوشيوسية).

وإذا كان كونفوشيوس أمام مهمة إيجاد معادلة تقضي بتماسك وتوازن منظومته القيمية بعيدا عن تدخل الإله، كان مخرجه في النهاية هو المنطق الطاوي الذي يقسم الكون إلى موجب وسالب، حيث يعطي حقوقا لطرف على حساب طرف آخر، مثلا “علاقة الحاكم بالرعية”، على الشعب أن يطيع الإمبراطور طاعة مطلقة، في المقابل يتمتع الشعب بالأمن والعيش الكريم اللذين يوفرهما له الإمبراطور. أو في “علاقة الأب بابنه” الابن يطيع والده في كل شيء لقاء عطف الأب وكسوته وإطعامه. ونكتشف أن كونفوشيوس قد اعتمد نظام الثنائية عن طريق ربط كل طرف بالآخر بجملة من الحقوق والواجبات، وبذلك تصبح العلاقة بين كل ثنائي مصيرية للجانبين، والهامش من المصالح بين الطرفين يصبح قاعدة لتوازن واستقرار العلاقة بينهما. وهذه هي النظرة المادية للعلاقة بين طرفي كل “ثنائي”.

إن عبقرية كونفوشيوس تكمن في أنه جعل من هذه العلاقة التي نسميها اليوم “علاقة مصالح” تكون قوامها الأخلاق والمشاعر النبيلة.

ويلفت الغزيزر إلى غياب المنزع القانوني في الكونفوشيوسية، ويقول موضحا “كونفوشيوس لا يحبذ القانون، ويرى أن المجتمع والدولة يجب أن يدارا بالأخلاق. لماذا؟ لأنه في نظر كونفوشيوس لا يمكن أن نساوي بين جميع الناس أو نخضعهم إلى قانون واحد ينظمهم”.

ويشير الغزيزر إلى شمولية الفكر الكونفوشيوسي، إذ “يعتبر تحقيق الاستقرار السياسي والأمن والسلم الاجتماعي هو أكبر هاجس لدى كونفوشيوس، وكانت منظومته الأخلاقية ترنو إلى تحقيق هذا المقصد عبر إدارة وحدات اجتماعية وسياسية مليئة بالتناقضات، هذه التناقضات لا يعالجها واحدة بواحدة، لأنه بذلك سيدخل في استطرادات معقدة جدا، لا يمكن أن تحقق في النهاية الاستقرار الشامل والأمن الشامل والسلم الشامل، لذلك يتخذ كونفوشيوس مبدأ الثنائية سالف الذكر، لتنظيم جميع العناصر داخل وحدات يسهل التحكم فيها وتوجيهها نحو غايته”.

ويبيّن الباحث المغربي أن كونفوشيوس يبدأ في تمشيه هذا بالعائلة كوحدة أولى، ثم المجتمع كوحدة ثانية، ثم الدولة كوحدة ثالثة، ثم العالم ثم الكون. وفي كل وحدة من الوحدات الماضية يحاول تنظيم عناصرها واحتواء تناقضاتها وإعدادها لتنظيم الوحدة الثانية، وكل ذلك بناء على مبدأ “الثنائيات”، إلى أن ينتهي في نهاية الأمر إلى ترويض المتناقضات وتنظيم العناصر داخل المجتمع، وينتج الظاهرة الصينية التي تسمى “التناغم أو التمازج”، بعدما احتوت وروضت التناقضات الكامنة في المجتمع وقولبته، أي حوّلته إلى شكل قالب أو وحدة متمازجة متماهية يمكن إدارتها وتوجيهها بسهولة. وهذا هو حال الشعب اليوم، حيث يمكن للحكومة الصينية أن تدير وتوجه مليارا وأربعمئة مليون من البشر بسهولة وتقودهم إلى حيث تشاء ويفعلون ما تريد، في حين تعجز دولة مثل لبنان عن إدارة أربعة ملايين نسمة فقط.

15