الكائن، الوثيقة، الإطار

الثلاثاء 2017/05/23

دعوت الإنسان كائناً بوصفه حالاً من حالات الكينونة، لكنه كائن إنساني متعين، متعين على صور مختلفة. الكائن صور وجود متعددة. الكائن انتماء – جنسية، مهنة، موقف، شهرة، نص، شهادة ميلاد، اسم وكنية. ودعك من الأحوال النفسية والجسدية للكائن التي تبقى في حقل الخصوصية.

وأنا لا أعرف تاريخ صدور الهوية الشخصية بوصفها وثيقة تؤكد أن هذا الكائن هو هو، ولا أعرف أول بلد استنها. كل ما أعرفه الآن أن أكثر البشر هم الآن وثائق باستثناء الشعوب التي توجد فيها كائنات مكتومة الهوية. أجل الذي لا سجل له مكتوم.

أجل الكائن مجموعة وثائق. هو كائن في السجل المدني، في دفتر للعائلة، في هوية شخصية، في هوية عمل في جواز سفر.

ستمنحك دولتك بطاقة هوية شخصية: عليها صورة وجهك، وفيها اسمك واسم أبيك واسم أمك وكنيتك، ولون عينيك ولون بشرتك، ومهنتك، ومكان ولادتك وتاريخها، وبعض هذه البطاقات فيها بند للعلامات الفارقة، كالصلع وجرح في الوجه….

ها أنت في كينونتك بطاقة هوية تؤكد أنك أنت أنت لتُعرف بها من قبل المؤسسة. إنك بهذا المعنى شيء، الناس أشياء مختلفة في سمات معينة، لكنهم أشياء بوصفهم وثائق.

دعك من الوظيفة العملية للوثيقة فإن الوثيقة جعلت منك رقماً، أنت رقم ينتمي إلى دولة أو مقيم في دولة. ها هي الكائنات أصبحت أرقاماً. بعض الكائنات الوثائق مؤرشفة في سجل خاص لدى جهاز خاص، إنهم فاعلون مؤثرون.

تحمل الوثيقة نفسها لتسافر مسلحة بوثيقة للآخر، جواز سفر. تخرج من دولتك إلى دولة أخرى تسمح بالدخول. ها أنت الآن جواز سفر في سجل معلومات عنك. أنت الآن بالنسبة إلى الموظف الجالس وثيقة معلومات لا تعني له سوى أنك أنت أنت.

تعود إلى البلد نفسه زائراً بجواز سفر آخر وفيه المعلومات هي هي لكن حاملي هذا الجواز ممنوعون من الدخول. أي أنت لم تعد أنت بمجرد تغير في مصدر الدولة التي أعطتك الجواز، أو العكس كنت ممنوعاً من الدخول بسبب جنسية مكتوبة على الجواز، وصارت لك جنسية أخرى في اليوم التالي، فإذا أنت وثيقة جديدة مرحب بها.

هويتك بذاتك بوصفها وعياً بذاتك، حضورك في وسط الناس، نصوصك، وعيك بالعالم، كل هذا غير مسطور في الوثيقة التي هي أنت.

وهناك من يسجنك داخل إطار صنعه لك حباً أحياناً وكرهاً أحياناً أخرى. فإذا أنت سجين وعيه المعبر عنه شفاهة أو كتابة.

وإذا كنت أنت في الوثيقة مصدر معلومات صحيحة عنك للآخر فإنك في الإطار تفقد حقيقتك أو جزءًا منها أو يزيد الإطار عليك من الصفات ما ليست بك.

إنك موجود في أكثر من إطار. إنك في كل إطار كائن آخر. وما من كائن بشري إلا ويسكن الإطار. الإطار صورك عند الآخر. ومهما كانت درجة حضورك في العالم فأنت حاضر في الإطار، حتى لتتساءل أحياناً هل أنا أنا ذاك الذي في إطاره، أتراه يعرفني أكثر مما أعرف نفسي؟ وبخاصة إذا كنت في إطار مكتوب وأنت لست أنت الذي في الإطار المكتوب.

أما صنّاع الإطارات للفاعلين في إنتاج المعرفة والفن والفاعلين السياسيين فلهم قول آخر.

كاتب فلسطيني مقيم في الإمارات

14