الكائنات السعيدة

الاثنين 2017/11/13

فجأة يقرر رفقي الرزاز، وهو رسام مصري، بأريحية وكرم خرافي أن يهديني عددا من لوحاته، لم يكن تصرفه وهو الذي يعرف شغفي بفنه صادما.

كنت سعيدا بلفتته التي تقع خارج ما هو متوقع، ولأني لم أكن يوما ما متشائما بالرغم من يأسي، فقد عزز سلوك الرزاز نظريتي عن الخير. فأنا أنتمي إلى القلة التي لا يزال في إمكانها أن ترى الخير باعتباره حدثا متاحا وليس نادرا، الخير كثير في عصرنا كما كان في كل العصور التي سبقت، لقد تعلمت من الطبيعة ذلك الدرس الذي لا يمكن أن يكون المرء رساما إن لم يستوعب مفرداته.

لم يكن الرسامون الكبار الذين التقيتهم في حياتي إلاّ دعاة كرم، ولو لم يكونوا كذلك لما أتيح لهم أن يكونوا كبارا، كرم الرسام يكمن في تلك السنتمترات التي يضيفها إلى مساحة الأرض، مع كل لوحة نراها نضع أقدامنا على أرض وهمية مضافة.

يؤثث الرسامون حياتنا بما تجود به مخيلاتهم من أشكال، بعضها يسرنا والآخر يحزننا، غير أنها في النتيجة النهائية تدعونا إلى الاحتفال بالجمال باعتباره غاية لذاتها.

في انتظار لوحات الرزاز، كنت أتساءل “ترى هل ستسرني تلك الرسوم أم تحزنني؟”، لم تكن الهبة الكريمة مقصودة بذلك السؤال. أما حين وصلت تلك اللقى الجمالية وصارت طوع حواسي باعتبارها جزءا من ممتلكاتي الشخصية، فقد صرت أتمنى لو أنني أملك قصرا ريفيا أوزع بين غرفه رسوم أصدقائي التي ذكرتني بها رسوم الرزاز.

ما فعلته تلك الرسوم بي يتخطى تأثيرها الجمالي المباشر، لقد نبهتني إلى أن الأرض واسعة، وهي لا تقع بين خطوتين نعرفهما، وأن الخير الذي لم نتعرف عليه هو أكبر بكثير من الشر الذي يخيفنا بأشباحه يوميا.

حين أتأمل رسوم رفقي الرزاز قد صارت جزءا من متحفي الشخصي أشعر بسعادة كائن يزور كوكب الأرض مسحورا بجمال طبيعته، لقد ألهمني الرزاز بكرم رسومه حلم أن أرى الخير سعيدا بكائناته.

كاتب عراقي

16